الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النبي صلى الله عليه وسلم على (الترجمة النبوية) ولذا كانت (المغازي) في الجزء الأول، و (السيرة النبوية) في الجزء الثاني، ثم (سيرة الخلفاء الراشدين) في الجزء الثالث .. والأجزاء الأول تعتبر أقل الأجزاء كمية للتراجم، وقد أوضح الحافظ الذهبي ذلك في حوادث السنة الأولى للهجرة، حيث يقول:
(والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين، أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى من بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز، أو من هاجر إلى الحبشة، وفي خلافة عمر -بل وقبلها- انتشر في الأقاليم، فبهذا يظهر لك سبب قلة من توفي في صدر الإسلام، وسبب كثرة من توفي زمان التابعين ممن بعدهم)(1)!
ويقول الذهبي في مقدمة كتابه (2): (هذا كتاب نافع إن شاء الله، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدة تصانيف، يعرف به الإنسان مُهِمّ ما مضى من التاريخ، من أول تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا، من وفيات الكبار من الخلفاء والقراء، والزهاد والفقهاء، والمحدثين والعلماء، والسلاطين والوزراء، والنحاة والشعراء، ومعرفة طبقاتهم)!
توفي (748 هـ)!
3 - البداية والنهاية لابن كثير:
وهو موسوعة ضخمة، ابتدأ فيه بذكر قصص الأنبياء وأخبار الأمم الماضية،
(1) انظر: مقدمة الدكتور عمر عبد السلام تدمري، لتاريخ الإسلام: الذهبي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط. ثانية 1409 هـ - 1989 م.
(2)
المرجع السابق: 1: 11 وما بعدها.
ثم ذكر أخبار العرب وأحداث الجاهليّة، ثم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى وفاته، وقد شغلت نحو ثلاثة أجزاء من الكتاب، من أواخر الجزء الثاني حتى أواخر الجزء الخامس، وهي بذلك موزعة بين أربعة أجزاء، ثم تابع أحداث التاريخ الإسلامي منذ خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه، حتى عصر ابن كثير في القرن الثامن الهجري، ثم ختمه بأشراط الساعة والفتن والملاحم وأحوال الآخرة!
يقول الدكتور مصطفى عبد الواحد (1): وأول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالأسانيد، تمشّياً مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدّث، وأكثر مروياته عن أحمد، والبيهقي، وأبي نعيم!
فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث، ولذلك اكتسب مزيّة يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة!!
وقد نقد ابن كثير بعض الأسانيد، عندما يكون المتن غريباً، ليحكم على بعض الأحاديث، وأحياناً يبيّن درجة الحديث دون أن ينقد السند!
ومن ثم نجده ينقل عن بعض كتب السيرة المفقودة، مثل كتاب موسى ابن عقبة، وكتاب الأموي في المغازي، كما ينقل عن بعض شروح السيرة، مثل:(الروض الأنف) للسهيلي، و (الشفا) للقاضي عياض!
وفي مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر، فيختصر بعضها ويهمل بعضها!
وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذي
(1) مقدمة السيرة النبويّة: ابن كثير: 1: 14 وما بعدها بتصرف، دار المعرفة، بيروت 1976 م.
يتناوله، ولكنه لا يدمج الأحاديث والأخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيراً ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الأخبار التي ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة، فأحياناً يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخباراً تحتوي على جانب من هذا الخبر أو تكرره!
فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره، وجدنا فيها ظاهرة عجيبة، هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شيء، ينقله! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها بالمعنى، وقد تتبّعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شيء يطول مداه، فابن كثير يقدّم ويؤخّر، ويزيد وينقص، ويغيّر ويبدّل، ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها!
كذلك نجد روايات ابن كثير للأحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدي الناس من الكتب التي ينقل عنها .. فأحاديث البخاري التي يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيًّا مع صحيح البخاري الذي بين أيدينا، كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم، وعن مسند أحمد، وعن دلائل النبوة لأبي نعيم، ودلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضي عياض، وعن الروض الأنف للسهيلي!
فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الأخبار الواهية!
وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الأخبار التي لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يذكر السند في ذلك -كما أسلفنا عن الطبري- وكان يعلّق على بعض هذه الأخبار بأنه (غريب جداً) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك!