المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌7 - واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم - الجامع الصحيح للسيرة النبوية - جـ ١

[سعد المرصفي]

فهرس الكتاب

- ‌«خصائص السيرة ودورها في تكوين الشخصية الإسلامية»

- ‌إهداء

- ‌مقدمة

- ‌1 - السيرة ومكانتها:

- ‌2 - حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - مكانة النبوة والأنبياء:

- ‌4 - النبوّة وبناء الحضارة:

- ‌5 - أعظم دوافع التطوّر:

- ‌6 - الطفولة الفكريّة:

- ‌7 - أعظم تراث إنساني:

- ‌8 - أعظم شهادة:

- ‌9 - فتح فكري جديد:

- ‌10 - شمس الوجود الروحي:

- ‌11 - في علم المغازي خير الدنيا والآخرة:

- ‌12 - الله أكبر:

- ‌خصائص السيرة

- ‌أولاً: أصح سيرة لتاريخ نبيّ مرسل:

- ‌1 - من خصائص الأمة الإسلاميّة:

- ‌2 - الحفظ في الصدور والكتابة في السطور:

- ‌3 - قواعد التحديت رواية ودراية:

- ‌4 - أربع خصال:

- ‌ثانياً: الوضوح في جميع المراحل:

- ‌ثالثاً: المثاليّة في كل ما يتصل بها:

- ‌رابعاً: الشمول والتكامل:

- ‌خامساً: الدليل العملي على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌مصادر السيرة

- ‌أولاً: القرآن الكريم:

- ‌ثانياً: السنة النبويّة:

- ‌ثالثاً: كتب المغازي والسير:

- ‌1 - عروة بن الزبير بن العوام:

- ‌2 - أبان بن عثمان بن عفان:

- ‌3 - ابن شهاب الزهري:

- ‌4 - عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري:

- ‌5 - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري:

- ‌6 - موسى بن عقبة:

- ‌7 - محمد بن إسحاق:

- ‌8 - محمد بن عمر الواقدي:

- ‌9 - عبد الملك بن هشام:

- ‌10 - محمد بن سعد:

- ‌11 - جوامع السيرة لابن حزم الأندلسي الظاهري:

- ‌12 - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر:

- ‌13 - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس:

- ‌14 - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيّم الجوزية:

- ‌15 - الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن كثير:

- ‌16 - المواهب اللدنيّة بالمنح المحمديّة للقسطلاني الشافعي المصري:

- ‌رابعاً: دلائل النبوة:

- ‌1 - كتب السنة:

- ‌2 - دلائل النبوّة لأبي نعيم:

- ‌3 - أعلام النبوّة للماوردي:

- ‌4 - دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي:

- ‌5 - دلائل النبوة للأصبهاني:

- ‌خامساً: كتب الشمائل:

- ‌1 - الشمائل للترمذي:

- ‌2 - الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي:

- ‌3 - شمائل الرسول ودلائل نبوّته وفضائله وخصائصه لابن كثير:

- ‌سادساً: كتب جمعت بين التاريخ والسيرة:

- ‌1 - تاريخ الأمم والملوك للطبري:

- ‌2 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (السيرة النبويّة) للذهبي:

- ‌3 - البداية والنهاية لابن كثير:

- ‌سابعاً: أخبار مكة والمدينة والشعر:

- ‌مناهج المؤلفين

- ‌أولاً: المنهج التاريخي:

- ‌ثانياً: المنهج الموضوعي:

- ‌1 - (دلائل النبوّة) و (الشمائل المحمديّة):

- ‌2 - (الهجرة النبويّة ودروها في بناء المجتمع الإسلامي):

- ‌3 - (الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود وجهاً لوجه):

- ‌4 - (سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم) لشبلي نعماني:

- ‌5 - (الرسول القائد) للواء الركن محمود شيت خطاب:

- ‌ثالثاً: المنهج التبشيري الاستشراقي:

- ‌1 - نقص معيب:

- ‌2 - تطوّر الموقف الغربي:

- ‌3 - أخطاء منهجيّة:

- ‌4 - المذهب الذاتي:

- ‌5 - مدرسة جديدة:

- ‌6 - الإيمان بالغيب:

- ‌7 - السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة:

- ‌8 - (حياة محمد) للدكتور هيكل:

- ‌9 - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع:

- ‌10 - موقفه من حديث شق الصدر:

- ‌11 - وجوب التسليم بحديث شقّ الصدر:

- ‌12 - حديث آخر موضوع:

- ‌13 - الإسراء ووحدة الوجود:

- ‌14 - بطلان فكرة وحدة الوجود:

- ‌15 - إيجابيّات:

- ‌16 - مصير هذه المدرسة اليوم:

- ‌خصائص المنهج الصحيح في الدراسة

- ‌1 - في رحاب القرآن الكريم:

- ‌2 - الأحاديث الصحيحة:

- ‌3 - فقه السيرة في تفسير الأحداث:

- ‌4 - خطوات الدعوة:

- ‌5 - عوامل البناء ومعاول الفناء:

- ‌6 - عطاء السيرة بين الماضي والحاضر:

- ‌7 - واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌7 - واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم

‌7 - واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم

-:

ولا نحسب أحداً من البشر كائناً من كان، نال من الحبّ والإعجاب ما ناله خاتم النبيّين محمد صلى الله عليه وسلم!

ولا نحسب أتباع نبيّ من الأنبياء تربطهم بأنبيائهم تلك الرابطة التي تربط المسلمين برسولهم وحبيبهم، حيث لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا أن الله -جل شأنه- نهاهم أن يتوجهوا بالعبادة والتقديس لأحد سواه!

ومع ذلك فإن درجة الحبّ التي يتوجهون بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تكاد تفلت أحياناً في قلوب البعض؛ فلا يُمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد!

وإن الكثيرين لتصيبهم حالات من الوجد في حب الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى تختلج المشاعر والخواطر، وتتجمع عبرات وعبرات تتكوّن خضوعاً، وتتلاقى خشوعاً، لتتساقط دموعاً!

وإن الحديث عن حب الرسول صلى الله عليه وسلم ذو شجون وشؤون!

وحسبنا أن مقياس الإيمان بالله هو امتلاء القلب بمحبة رسول الله، بحيث تغدو تلك المحبة متغلبة على حب الولد والوالد والناس والنفس!

يروي الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من والده وولده والناس أجمعين"(1)!

(1) البخاري: 2 - الإيمان (15)، ومسلم (44)، وأحمد: 3: 177، 275، والدارمي (2741)، وعبد بن حميد (1175)، وأبو عوانة: 1: 33، وأبو يعلى (3049، 3258)، وابن منده (284)، والنسائي: 8: 114 - 115، وابن ماجه (67)، والبيهقي: الشعب (1374)، والبغوي (22)، وابن حبان (179).

ص: 221

ويروي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبّ إِليّ من كل شيء إِلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إِليك من نفسك". فقال له عمر: فإِنه الآن والله! لأنت أحب إِليّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر"(1)!

ويصور لنا مدى الحب في صورة عمليّة ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابُه، فما يريدون أن تقع شعرة إِلا في يد رجل (2)!

وفي رواية له قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عندنا - فَعَرِق، وجاءت أمّي بقارورة -فَجَعلتُ تَسْلِتُ العرق فيها- فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا أم سُلَيم! ما هذا الذي تصنعين"؟

قالت: هذا عرقُك نجعله في طيبِنا، وهو مِنْ أطيب الطيب!

وفي رواية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سُلَيمْ، فينام على فراشها -وليست فيه- قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها - فأُتيتْ فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك، على فراشك، قال فجاءت وقد عَرِقَ، واستَنقَعَ عَرقُه على قطعة أديم، على الفراش، ففتَحت عَتيدتَهَا، فجعلت تُنَشِّفُ ذلك العرق فتعصِرهُ في قواريرها، ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

(1) البخاري: 83 - الأيمان (6632).

(2)

مسلم: 43 - الفضائل (2325، 2331، 2332) وأحمد: 3: 136، وعبد بن حميد (1268)، والبغوي (3661)، والطبراني: الكبير: 25 (289)، وأبو نعيم: الحلية: 2: 61، والبيهقي: الشعب (1429).

ص: 222

"ما تصنعين يا أم سُليم؟ " فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا، قال:"أصبت"!

وفي رواية عن أنس عن أم سُليم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيها فيَقيل عندها، فتبسُط له نطْعاً فيقيل عليه، وكان كثير العرق -فكانت تجمع عرقه فتجعلُه في الطّيبَ والقوارير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أم سليم! ما هذا؟ " قالت: عرقك أدُوفُ به طيبي!

قال القرطبي في تصوير حال من آمن إِيماناً صحيحاً ومدى الصلة بهذا الحب للرسول صلى الله عليه وسلم:

(كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، ولكن الكثير منهم إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه)(1)!

وحب الرسول صلى الله عليه وسلم مستمر، وليس محصوراً في الوجود؛ لأنه يأتي في نصرة السنة النبويّة، والتأسّي بالرسول، والذّب عن رسالته، وهذا هو الطريق للبقاء الأبدي في النعيم السرمدي!

يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أشد أمتي لي حبًّا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني، بأهله وماله"(2)!

(1) فتح الباري: 1: 60.

(2)

مسلم: 51 - الجنة (2832)، والبغوي (3843)، وابن حبان (7231).

ص: 223

وفي الصورة المقابلة نبصر عطاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إِخواننا"! قالوا: أولسنا إِخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإِخواننا الذين لم يأتوا بعد .. " الحديث (1)!

في هذا المقام الذي ينسى الإنسان فيه كل شيء .. ينسى الدنيا بما فيها، ويتذكر الآخرة!

يود الرسول صلى الله عليه وسلم أن قد رآنا، ويرفعنا إلى درجة الأخوة!

يا لجلال التعبير النبوي الكريم!

"وددت أنا قد رأينا إِخواننا"!

يا لعظمة هذا النبي صلى الله عليه وسلم .. وهو يرسل هذا الودّ، ويقرّر تلك الأخوة!

وهو خير الخلق وخاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم، وهذا يحرّك فينا ضرورة التأسي به، والتمسك بسنته!

لقد أعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم الحب المثالي اللائق به، والذي لا نقدر عليه بحال!

وحسبنا -كذلك- أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر وابن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إِبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)} [إبراهيم]!

وقال عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} [المائدة]! فرفع يديه، وقال: "اللهم!

(1) مسلم: 2 - الطهارة (249)، وابن حبان (7240).

ص: 224

أمتي أمتي"! وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إِلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله - فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال: وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إِلى محمد فقل: إِنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (1)!

أرأيت كيف بكى الرسول صلى الله عليه وسلم شفقة علينا، ورحمة بنا؟!

أرأيت هذه العبرات التي تعجز الكلمات عن تصويرها إلا بعبرات وعبرات، ولكن أنى لنا بعبرات تقترب مجرد اقتراب من بكاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يدعو لنا!

هنا يحق لنا أن ندرس سيرته للتأسي به صلى الله عليه وسلم .. ولكن ما كان لنا أن نقف عند هذا الحدّ مع عظمته .. فلنتقدّم إلى الأمام، إلى الناحية الإيجابيّة، إلى التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم .. فهناك الكثيرون ممن يتشدّقون بالحبّ، وقد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس!

ذلك أنه حب عاطفي سلبي وكفى، لا صدى له في واقع الحياة والسلوك!

إن صورة الحبّ في قلوب هؤلاء لتعاني عزلة وجدانيّة عميقة، كما تعاني بُعداً في السلوك والفهم والإدراك؛ لأنها صورة منعزلة في الوجدان .. وليست صورة حيّة متحرّكة في واقع الحياة، شاخصة في سلوك أصحابها وأفكارهم ومشاعرهم وخواطرهم وماديّاتهم وروحانيّاتهم على سواء!

ولا شك أن لهذه العزلة أسباباً ترجع في جملتها إلى واقعنا كأمة تعيش كما نرى ونشاهد ونعايش! لا كما عاش السلف الصالح، حكماً وتشريعاً، ودستوراً ونظاماً، حيث كانت الأسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم طابع الأمة، وحيث كانت الأمة تحسّ

(1) مسلم: 1 - الإيمان (202)، والطبري: التفسير: 13: 229، وابن منده: الإيمان (924)، والبيهقي: الأسماء والصفات: 2: 341 - 342، والبغوي (4337) وابن حبان (7235).

ص: 225

إحساساً عميقاً بأنها على الدرب تسير وفق سنة رسول الله، وأن تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم قائمة، وإن غابت ذاته الرفيعة في الحسّ!

وما عالم الحسّ من واقع النفس؟!

إن الأمور لا تقاس بوجودها أو عدم وجودها في عالم الحس وحده؛ وإنما تقاس بمقدار ما توجد في عالم النفس، وبالمكانة التي تملؤها من المشاعر والخواطر والأفكار والسلوك على سواء!

فهل تحسّ -يا أخي- بالحبّ للرسول صلى الله عليه وسلم؟!

هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الممتلئ بالحيويّة؟!

هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الذي يدفعك دفعاً إلى السير قدماً في الطريق لا تتردّد ولا تتلفّت، ولا تتحيّز لنفسك، ولكن تبلغ دعوة الله، حتى يرى بعضنا بعضاً، في دائرة الحبّ الإيجابي الخالص لله ولرسوله ولمن آمن بالله ورسوله؟!

وسيظل الحبّ هو الروح الساري اللطيف، وستظل الدنيا خاشعة خاضعة أمام عطاء هذا الحب وعظمة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم!

ستظل خاشعة خاضعة أمام هذه العلاقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!

ستظل خاشعة خاضعة أمام تلك العظمة التي تعجز الكلمات عن تصويرها!

وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرّغ الباطل في الرغام!

وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل ..

ص: 226

وورثوا عرش هذا وتاج ذاك .. واندفعوا بهذا (الدّين القيّم)، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي .. وأقاموا دولة إسلاميّة في إسبانيا، ووصلوا إلى فيينا!

وكان ذلك ما شهدته الدنيا، وسجّله التاريخ!

وهنا تحضرني قصة عجيبة حدثت منذ أكثر من ألف عام في أرض فارس، على يد ابن سينا، حين قال غلامُه: لستُ أدري بأي شيء يفضلك محمد صلى الله عليه وسلم: كلمة غليظة كبيرة، بيد أن ابن سينا قال:

(يا بنيّ، سأخبرك غداً عن هذا الأمر، وكان الوقت شتاء، والجو في شدة من البرودة لا يكاد يتحمّلها الإنسان، وفي منتصف الليل طلب ابن سينا من كلامه أن يحضر له الماء الدافئ للوضوء، فإذا بالغلام يقول له: دعني بعض الوقت فإنني متعب، ولو انتظرت قليلاً لقمتُ، وغلب النوم على ذلك الغلام، ومضت نصف ساعة ثم ساعة، وابن سينا يكرّر القول على الغلام، حتى نبّهه مؤذّن الفجر، وإذا بهم يستمعون من فوق المئذنة إلى كلمات المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، واستمر إلى آخر الأذان، وهنا قال ابن سينا:

يا بنيّ، هذا وقت تعليمك، قم الآن واستمع إلي ما أقول: إننا الآن في أرض فارس، وبيننا وبين العرب حيث قام الإسلام وظهر النبي عليه الصلاة والسلام مسافة ضخمة، وبيننا وبينهم قرون متطاولة، وهو نبي عربي، والذي فوق المئذنة رجل من فارس، بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام من الناحية الزمانيّة قرون، ومن الناحيّة المكانية أميال، وبينهما عجمة في لسان هذا،

ص: 227

وفصاحة في لسان النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه جاء في الليل الشديد البرد، على رغم هذا كله، وصعد فوق أعلى مكان في المدينة، وفي أبرد الأوقات في جوف الليل ليقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأنا معلمّك أعلمك وأربّيك، وأطلب منك وأنت في الدار أن تعدّ لي شيئاً من الماء لوضوئي فتؤخرني نصف ساعة، ثم ساعة بعدها! هذا هو الفرق بين مقام الأنبياء ومقام العلماء) (1)!

وهنا نبصر جانباً كبيراً عملياً من عمق التأثير في الأجيال المتعاقبة من المسلمين، إحساساً عميقاً بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجلال مقامه!

وحسبنا أن نبصر معالم هذا الحبّ في أعمق الأعماق، وفي مشاعر المسلمين، وفي الإحساس العميق الذي يدفع الصادقين دفعاً إلى أن تختلج المشاعر، وتتحرك الخواطر، ونبصر روحاً نورانيّة، مما يضفي على الحياة بهجتها وسعادتها!

بيد أنا نبصر عند الكثيرين صوراً غير متحرّكة، وغير مجلوّة، وغير فاعلة .. نبصر حبًّا سلبيًّا لا صدى له في واقع الحياة والسلوك!

ونبصر فصاماً نكداً!

ولا شك أن هذا الواقع قد حال بيننا كمجتمع إسلامي وبين أن نسعد بمثل ما سعد به سلفنا الصالح الذي لم تكن علاقته بالرسول صلى الله عليه وسلم منعزلة في وجدانه عن واقع حياته! وكيف لا!

وصورة العلاقة الإيجابيّة المتحرّكة الحيّة، في القول والعمل، والعبادة والسلوك، شاخصة في وجدان المسلمين، حيّة في نفوسهم، فقد

(1) مكتبة الإمام: 2: 33 الأوقاف - مصر.

ص: 228

أحسّوا إحساساً عميقاً بأنها ملء قلوبهم، وإن غابت عنهم ذات الرسول صلى الله عليه وسلم في عالم الحسّ والمشاهدة، فإن رسالته حيّة نابضة في معالم حياتهم وواقع سلوكهم!

ولم تنحسر تلك العلاقة شيئاً فشيئاً إلا حين أحكمت الحلقات، وانفرجت الشقّة، ولم تتكامل تلك العزلة الموحشة إلا حين تتم الفصل نصًّا ومفهوماً، وفقهاً وروحاً، وحياة وسلوكاً، بين واقع المسلمين وتلك العلاقة الإيجابيّة:

يا حسرة على العباد!

كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟!

وكيف جاز لهؤلاء أن يعيشوا في دائرة العزلة؟!

كيف، وأبرز خصائص الإسلام أنه دين القول والعمل، والظاهر والباطن، والحياة والسلوك؟!

إن صورة العلاقة الإيجابيّة يجب أن تتضح في عالم الضمير وعالم الروح حيّة شاخصة، ممتلئة بالحيويّة والعاطفة، والواقعيّة والسلوك، حتى نرى النور الصافي يشرق من جديد، وينفذ إلى الأعماق .. ومن ثم تطمئن النفس، وترفرف الروح، وينشرح الصدر، وينسكب هذا في الحنايا والجوانح، ويظهر في السلوك والجوارح!

-أي سكينة ينشئها هذا الإدراك؟!

- وأي طمأنينة يفيضها على القلب؟!

- وأي سعادة يضفيها على الروح؟!

- وأي قوة يسكبها في الضمير؟!

ص: 229

إننا نسمع كلمات الأذان، ونردّد ما يقول المؤذن، وهنا تسيطر علينا روحانيّة عالية، وتهون الدنيا كلها، ونحسّ أنها تحت أقدامنا، ونستعلي على المادة، ولا نكاد نقف في الصلاة حتى تزول الحجب، وتنقشع الغيوم، وتأخذنا الصلاة بكل أنوارها التي يضيق المقام عن ذكرها، ونجد ركناً من أركانها، وهو التشهد، ونقرأ من بين كلماته:

(السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..)!

لك أن تتصور هذه الصلة الدائمة المستمرّة المستقرّة، وما عليك إلا أن تفتح قلبك لما تقول، فماذا أنت واجد؟!

لا شك أن الكلمات تعجز عن تصوّر ما تجد، ولا شك أن هذا الإحساس يدفعنا إلى أن نسير في طريق الحق لا نخاف ولا نخشى باطلاً ولا ظالماً؛ لأن هذه العلاقة الإيجابيّة تضع يدنا على معالم السلوك الإيجابي العملي الذي ربّى جيلاً مثاليًّا فذًّا في التاريخ البشري!

إن هذه العلاقة ليست هُياماً ولا خيالاً ولا كلاماً .. ولكنها أسوة ومحبّة، وعقيدة وسلوك .. وإن أمتنا التي تقف اليوم على عتبة انطلاقة جديدة، يجدر بها أن تتحسّس مواقعها، وتمتحن طاقاتها، وتقوّم مقدار إحساسها بهذه العلاقة العمليّة، ومقدار علاقتها برسالة الرسول الذي أضاء ليل الظلام الداجي يوم كان العالم يتخبّط في متاهات الحيرة والضلال، ويئنّ من وطأة الظلم والظالمين .. يوم كان نهباً لأولئك الذين استطاعوا ببغيهم وعدوانهم، وجحود هم وكنودهم، وفسوقهم وعقوقهم، أن يستعبدوا مَن دونهم من البشر، بلا هوادة ولا رحمة!

ص: 230

وإننا حين يظلّنا هذا الجو الطهور في تلك العلاقة الإيجابية، نبصر مواقع خطونا، ولا نرى من حولنا شيئاً من معاني السمو والجلال، والرفعة والكمال، يتحرّك إلا بين يدي الرسالة والرسول!

إن هذه العلاقة الإيجابيّة تجعلنا ننهل من معين الوحي، وندرك أفق التجليات المباركات، ونبصر شفافية الروح، ولا نلبث أن نتقدّم إلى حيث نقبس من النور الوضاء، الذي ينير حوالك الدجى، وييسّر مسالك الهدى!

وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إِلى أم أيمن نزورها، ميتاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهينا إِليها بكت، فقالا لها: ما يُبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (1)!

أرأيت منشأ هذا البكاء؟!

أرأيت بكاء الصديق والفاروق مع أم أيمن؟!

أرأيت هذه القطرات التي تكونت وتجمعت وتساقطت؟!

فهل تحس -أخي في الله- بمثل ذلك؟!

إنها الصلة الوثيقة .. وهنا نرى الفجر يرمقنا من بعيد، ويشرق في الكون فجر جديد، وطوبى لنا في عالم الخلود!

إن الحبّ هو الجناح الذي يطير به الإنسان إلى حيث السمو والعلو .. وإذا لم

(1) مسلم: 44 - فضائل الصحابة (2454)، وابن ماجه (1635).

ص: 231

تستطع أن تكون محبوباً ففي مقدورك أن تكون مُحبًّا .. وإننا نعيش في عصر مادي .. ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى هذا اليقين الذي يجري من صاحبه مجرى الدم، إن وُضع في محله، وصادف أهله!

وهنا تأنس الروح في رحلة الحياة الشاقة في هذه الأرض، ونبصر نوراً يضيء حجوانب الحياة، وهذا يثير في النفس عالماً من المشاعر والخواطر، تسبح الروح في جنباته، ويجول الفكر في جولاته، وتعب النفس من فيضه بقدر ما ترتوي أو تُطيق، وترفرف الروح!

ومن ثم نصبح في محراب أشواق وأنس!

وتتبدى للروح آفاق تسبيح وقدس!

وسيظل الأمل في تكوين الشخصيّة الإسلاميّة كامناً في دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفق هذا المنهج الأمثل الذي ذكرنا معالمه!

وسيظل التأسي كامناً في ذلك حتى نبصر خلفاً صالحاً لسلف صالح من أتباع خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم، ونحيا حياة مباركة طيبة، وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات الجنة، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!

ص: 232