المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سادسا: أن يكون الجاني قد أوقع على المجني عليه فعلا قاتلا: - الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

[حسن علي الشاذلي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌المقدمات

- ‌الإفتتاحية: افتتاحية الطبعة الثانية

- ‌افتتاحية الطبعة الأولى:

- ‌التمهيد:

- ‌الجريمة والجناية في الفقه الإسلامي:

- ‌الجريمة والجناية في الفقه الوضعي:

- ‌العقوبات:

- ‌الباب الأول: جناية القتل

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: القتل العمد وعقوبته

- ‌المبحث الأول: حقيقة القتل العمد

- ‌المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي

- ‌أولاً: أن يكوت الأعتداء واقعًا على آدمي حي

- ‌ثانيا: أن يكون المجني عليه معصوم الدم:

- ‌ثالثا: أن يكون هذا الآدمي معينا:

- ‌رابعًا: أن يكون قصد الجاني ضرب المجني عليه

- ‌خامسا: أن يكون الضرب بقصد العدوان:

- ‌سادسًا: أن يكون الجاني قد أوقع على المجني عليه فعلا قاتلا:

- ‌المبحث الثالث: آراء فقهاء القوانين في تحليل القتل العمد ورأي الفقه الإسلامي في هذه الآراء:

- ‌المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي

- ‌المطلب الأول: الجزاء الآخروي

- ‌المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي:

- ‌المبحث الخامس: عقوبة القتل العمد في القانون:

- ‌الفصل الثاني: القتل شبه العمد وعقوبته

- ‌المبحث الأول: آراء الفقهاء في القول بشبه العمد

- ‌المبحث الثاني: أركان جريمة شبه العمد:

- ‌المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد

- ‌المطلب الأول: الجزاء الآخروي

- ‌المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي للقتل شبه العمد:

- ‌المطلب الثالث: عقوبة الضرب المفضي إلى الموت في القانون:

- ‌المطلب الرابع: المقارنة بين العقوبتين:

- ‌الفصل الثالث: القتل الخطأ وموجبه

- ‌المبحث الأول: حقيقة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي

- ‌المبحث الثاني: أركان الجريمة خطأ:

- ‌المبحث الثالث: عقوبة القتل الخطأ

- ‌مدخل

- ‌النوع الأول: الدية:

- ‌النوع الثاني: الكفارة:

- ‌النوع الثالث: الحرمان من الميراث:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌سادسا: أن يكون الجاني قد أوقع على المجني عليه فعلا قاتلا:

‌سادسًا: أن يكون الجاني قد أوقع على المجني عليه فعلا قاتلا:

يتبين لنا مما تقدم أن الفعل الذي يؤدي إلى قتل المجني عليه إما أن يكون فعلا مباشرًا؛ أي: فعلا يؤثر في هلاكه ويحدثه دون واسطة؛ كأن يقتله بسلاح وما جرى مجراه مما يقتل غالبًا، أو يكون فعلا أدى إلى القتل تسببا؛ أي: أن الجاني قصد المجني عليه بفعل أدى إلى إهلاكه بواسطة؛ كأن يحفر الجاني بئرا في طريق يسلكه المجني عليه بقصد إهلاكه، أو يغري كلبا عقورا به، فيموت المجني عليه بسبب وقوعه في البئر، أو بسبب عقر الكلب له، فإن الأمر الذي يضاف القتل إليه مباشرة هو الوقوع في البئر، أو عقر الكلب، ولكن هذا السبب وإن كان مباشرا إلا أنه غير عامل في ذاته، ولكنه أصبح عاملا بفعل الجاني -وهو الحفر أو الإغراء بقصد إهلاكه- ففعل الجاني هنا تسبب في إحداث النتيجة وهي الموت، فأضيف الموت إلى المتسبب؛ لأنه لم يتخلل بين السبب والنتيجة ما يصلح أن يضاف القتل إليه، فظل السبب عاملا ومؤثرا في إحداث هذه النتيجة، ونوضح فيما يلي آراء الفقهاء في موجب القتل مباشرة وتسببا:

القتل مباشرة:

لقد أوضح الفقهاء -كما سبق تفصيله- أن القتل مباشرة قد يقع بسلاح وما جرى مجراه في تفريق الأجزاء، قد يقع بالمثقل ونحوه مما يقتل غالبا، وقد يقع بما لا يقتل غالبا.

ص: 99

ولقد أجمع الفقهاء على أن القتل الذي يتم بالنوع الأول يعتبر قتلا عمدا موجبا للقصاص؛ لأن استعمال السلاح وما جرى مجراه في تفريق الأجزاء أمارة ظاهرة ودليل واضح على قصد القتل وقرينة قاطعة على إرادة هذه النتيجة لا تحتمل الشك، وتكون العقوبة في هذه الحالة موافقة للجناية صورة ومعنى.

كما أن جمهور الفقهاء "غير الإمام أبي حنيفة" اعتبروا القتل بما يقتل غالبا مما ليس بسلاح ولا ما جرى مجراه؛ كالحجر الكبير والعصا الكبيرة والتغريق والخنق.. وأمثال ذلك قتلا عمدا موجبا للقصاص.

أما الإمام أبو حنيفة، فإنه يرى أن القتل بمثل ذلك يكون شبه عمد، وقد ذكرنا آنفا وجه قوله1.

أما القتل بما لا يقتل غالبا كالعصا الصغيرة والحجر الصغير مما لا يقتل إلا نادرا، فإن جمهور الفقهاء جعلوا القتل بمثل ذلك "شبه عمد" وليس قتلا عمدا؛ لأن معنى العمد يتقاصر باستعمال ما يقتل غالبا؛ لأنه يقصد باستعمالها أمر آخر غير القتل كالتأديب ونحوه؛ لذلك كانت الجناية شبه عمد، إلا أنه إذا اقترن باستعمال ذلك ما يدل دلالة واضحة على قصد القتل؛ كتكرار الضرب بعصا صغيرة، أو وضعها في مقتل كأذن أو عين، أو كان الشخص لا يحتمل مثله الضرب بمثل ذلك لضعف بسبب صغر أو مرض أو حر شديد أو برد مفرط، إلى غير ذلك من الأسباب، فإنه يكون حينئذ قتلا عمدا موجبا للقصاص، كما صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية.

أما المالكية والظاهرية، فإنهم يرون أن القتل بمثل ذلك يعتبر قتلا عمدا موجبا للقصاص إذا توافرت الشروط الأخرى للقتل العمد عندهم.

1 راجع ص54.

ص: 100

ونرجئ مناقشة هذه الآراء جميعها والأدلة التي استند إليها كل فريق إلى الفصل الثالث من هذا الباب، الخاص بتقحيق جريمة شبه عمد وبيان أركانها وعقوبتها، فيرجع إليه.

القتل بسبب:

والقتل بسبب قد يكون بفعل؛ كالأمثلة التي ذكرناها، وقد يكون بترك فعل كمنع طعام أو شراب عن شخص، ونوضح آراء الفقهاء في كلا النوعين.

أما النوع الأول، فقد اختلف الفقهاء في اعتبار القتل بسبب جريمة عمدية موجبة للقصاص، ولهم في ذلك رأيان:

أحدهما: أنها لا تكون جريمة عمدية.

يرى الحنفية أن القتل بسبب لا يكون عمدا موجبا للقصاص؛ وذلك لأن القتل به لا يساوي القتل مباشرة؛ لأن القتل بسبب قتل معنى لا صورة -حيث لم يؤثر فعل الجاني في إحداث القتل إلا بواسطة- والقتل مباشرة قتل معنى وصورة -حيث إن فعل الجاني أثر في إهلاك المجني عليه دون واسطة- والجزاء الموضوع لهذه الجريمة هو قتل مباشرة، فكانت الجناية -بهذه الكيفية- والعقوبة غير متساويتين؛ لذلك قالوا: إن القتل بسبب لا يكون قتلا عمدا موجبا للقصاص؛ إذ القصاص هو المساواة، ولا مساواة في هذه الحالة.

الثاني: أن ها تكون جريمة عمدية:

يرى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية" أن القتل مباشرة والقتل بسبب متساويان، فكلا الجنايتين عقوبتها القصاص إذا كان القتل عمدا.

ص: 101

وأرى رجحان رأي الجمهور؛ لأن كلا من المباشر والمتسبب أدى فعله إلى إزهاق روح المجني عليه، فهما متساويان في النتيجة، وكون القتل بسبب حدث بفعل من الجاني أدى إلى ذلك بواسطة، لا يؤثر في أن الفعل هو الذي نسب إليه القتل؛ لأن الواسطة إذا كانت لا تصلح لإضافة الحكم إليها كانت لغوا -كما سنوضح ذلك بعد قليل- وأيضا فإننا لو قلنا بالفرق بين المباشرة والتسبب؛ لأدى هذا إلى انتشار الجرائم بهذه الكيفية التي تعفي الجاني من القصاص؛ وحيئنذ ينتشر التفاني بين الناس، وهذا يتنافى مع الحكمة التي شرع من أجلها القصاص التي نصت عليها الآية الكريمة:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

ارتباط السبب بالنتيجة:

ولقد قرر هؤلاء الفقهاء أنه يشترط لكي يكون القتل بسبب عمدا موجبا للقصاص ألا يفصل بين الفعل الذي أدى إلى النتيجة -وهي القتل- سبب آخر يصح إضافة النتيجة إليه، فإذا وجد مثل هذا السبب كان الثاني مباشرا للقتل، وانقطعت بذلك الرابطة بين السبب والنتيجة، حتى لو كان القاطع لهذه الرابطة المجني عليه نفسه، كما لو تراخى في إنقاذ نفسه، أو أهمل، وكان يمكنه ذلك، ولقد أوضحنا فيما تقدم بالتفصيل المسائل التي طبق فيها الفقهاء هذه القاعدة، ونبرز منها ما يلي:

اشتراط المالكية لكي يكون القتل بسبب عمدا شروطا ثلاثة، كان ثالثها1:"وأن يهلك ذلك الشخص المعين بسبب ذلك" أي: أن يهلك الشخص المعين بسبب ذلك الفعل لا بسبب آخر؛ أي: ألا يكون هناك سبب آخر تترتب عليه النتيجة، وهو الموت، فلو أغرى به كلبا، فعقره، فإن

1 راجع ص95.

ص: 102

مات بسبب ذلك كان قتلا عمدا، أما إن تخلل بين العقر والموت سبب آخر؛ كأن تدخل شخص آخر فقتله، أو وقع في حفرة، أو هوى من فوق منزل فمات بسبب ذلك، كان هذا الفعل قاطعا لرابطة السببية بين الفعل الأول والنتيجة، ويضاف الحكم إلى الثاني لا الأول.

وكذلك صرح الشافعية1 أنه لو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرا فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقده، فالقصاص على القاتل والمردي والقادر فقط.

ثم وضحوا القاعدة فقالوا فيما لو أمسك شخص آخر فجاء ثالث فقتله: إنه يشترط أن يكون القاتل مكلفا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون أو سبع ضار فقتله، فالقصاص عل الممسك قطعا؛ لأنه يعد قاتلا عرفا2؛ أي: أنه لا ينسب القتل عرفا للمجنون والسبع، وإنما ينسب إلى الممسك؛ لأنه هو المتسبب في القتل ولم يتخلل بين الإمساك والقتل فعل آخر يصح أن ينسب القتل إليه منفردا، أو بعبارة أخرى: لم يتخلل بينهما إرادة صحيحة؛ إذ هما يعتبران كالآلة في يد الممسك، كما يعتبر الممسك بإمساكه منفذا للقتل بواسطتهما، فكان هو القاتل لا هما.

وقد قرر هذا الظاهرية أيضا كما وضحنا فيما سبق3.

كما قرر الحنمابلة هذه القاعدة فقالوا: إن ألقاه في ماء يغرقه، أو نار لا يمكنه التخلص منها، إما لكثرتهما أو لعجزه عن التخليص لمرض أو ضعف أو صغر أو كان مربوطا أو منعه الخروج كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها، ونحو هذا فمات، فعمد؛ لأن الموت حصل بعد فعل يغلب على الظن إسناد القتل إليه، فوجب كونه عمدا.

1 راجع ص63.

2 مغني المحتاج ج4، ص9.

3 راجع ص75-97.

ص: 103

أما إذا ألقاه في ماء يسيير أو في نار ويمكنه التخلص منهما، فلبث فيه اختيارا، ولم يخرج حتى مات فهدر؛ لأنه مهلك نفسه.

ومن هذا يتضح لنا أنه لما تخلل بين الفعل والنتيجة سبب آخر؛ وهو إهمال المجني عليه وتراخيه عن إنقاذ نفسه من الهلاك الذي أوقعه فيه الجاني انقطعت العلاقة بين السبب الأول والنتيجة؛ لأنه قد وجد سبب آخر أضيفت النتيجة إليه؛ وهو إرادة الشخص إهلاك نفسه، وإذا انقطعت هذه العلاقة لا يضاف القتل إلى السبب؛ ولكن يضاف إلى المباشر.

ومثل ذلك ما قاله الزيدية1: "يجب القود على من فعل سبب القتل" ولم يوجد من يتعلق به إلا المسبب، وهو المعري لغيره مما يقيه الحر أو البرد من الثياب ونحوها، والحابس له ولم يمكنه التخلص حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا أو حرا فإنه يقاد به؛ لأنه قاتل عمدا عدوانا، وإن لم يكن القتل بفعله.

ومثله من سرق طعام غيره أو ماءه أو مركوبه "دابته" في مفازة وليس معه سواه حتى مات قتل به؛ لأنه قاتل عمدا، فإن قولهم:"يجب القود على من فعل سبب القتل ولم يوجد من يتعلق به إلا المسبب" واضح تمام الوضوح في أنه لا بد من استمرار اتصال سبب القتل بالنتيجة وهي القتل؛ أي: ألا يتخلل بين السبب والمسبب ما يقطع هذه العلاقة بحيث يضاف القتل إليه، فإن وجد ما يقطع هذه العلاقة -أي وجد سبب جديد يضاف إليه القتل- لا يكون فاعل السبب الأول قاتلا عمدا.

ويشترط أن يكون السبب الجديد مما يصح إضافة القتل إليه، فلو لم

1 التاج المذهب ج4، ص287.

ص: 104

يصح إضافة القتل إليه، كان فاعل السبب الأول هو القاتل عمدا، كما لو قتل بسبب الحر الشديد أو البرد الشديد، وكان السبب في تأثير ذلك فيه هو تعرية الشخص مما يقيه الحر والبرد كان القاتل هو المعري؛ لأن السبب الجديد وهو الحر والبرد لا يصح أن يضاف إليه القتل هنا مباشرة دون السبب الأول الذي أدى إلى تأثير السبب الثاني فيه.

كما أنهم أشاروا إلى أن الشخص إذا كان يمكنه إنقاذ نفسه ولم يفعل كان مهلكا لنفسه، ولم يكن هلاكه بسبب ما أحدثه الجاني من فعل، كما أوضحنا ذلك عند الحنابلة.

وقرر الإمامية هذه القاعدة أيضا فقالوا1: "لو أغرى به كلبا عقورا فقتله، ولا يمكنه التخلص منه، فلو أمكن بالهرب، أو قتله، أو الصياح به نحوه، فلا قود؛ لأنه أعان على نفسه بالتفريط، ولو ألقاه إلى أسد بحيث لا يمكنه الفرار منه فقتله

" كان عمدا موجبا للقصاص، أما لو أمكنه الفرار ولم يفر، فإنه يكون قاتلا لنفسه بتراخيه.

ومن هذا العرض والتحليل لما أورده جمهور الفقهاء يتضح لنا ما يأتي:

أولا: أن القتل بسبب كالقتل مباشرة.

ثانيا: أن القتل بسبب يشترط فيه لكي يكون كالقتل مباشرة أمران:

أولهما: توافر رابطة السببية بين الفعل والنتيجة "وهي القتل".

وثانيهما: استمرار هذه الرابطة حتى تتحقق النتيجة دون أن يتخلل

1 الروضة البهية ج2، ص893.

ص: 105

بين السبب والنتيجة سبب آخر يصح أن يضاف القتل إليه، فإن وجد هذا السبب انقطع تأثير السبب الأول في النتيجة، وأصبح القتل مضافا إلى السبب الثاني الذي اتصلت به النتيجة.

القتل بالترك:

الخلاف الذي جرى في القتل مباشرة والقتل بسبب يجري أيضا في هذا النوع من الجريمة وهو "القتل بالترك؛ أي: الجريمة التي يكون سببها امتناع الجاني عن القيام بعمل من الأعمال يكون من شأنه لو عمله أن ينقذ حياة المجني عليه، فهي جريمة لا ترتكب بعمل إيجابي، وإنما بمظهر سلبي، وهو الامتناع عن تقديم ما ينقذ حياة الإنسان.

وفي الفقه الإسلامي ثلاثة آراء في حكم الجريمة بالترك:

الرأي الأول: وهو رأي الإمام أبي حنيفة -والذي أشرنا إليه فيما سبق1- أنه إذا حبس شخص آخر في منزل فمات المحبوس من الجوع والعطش ولا يعتبر الحابس قاتلا عمدا عند أبي حنيفة، بل ولا ضامنا لما تلف بسبب هذا الفعل؛ لأن الهلاك حصل بسبب الجوع والعطش لا بسبب إغلاق المنزل عليه، والجوع والعطش أمران لا صنع لأحد فيهما، فلا يكون الحابس قاتلا له، وإنما القاتل له هو الجوع والعطش.

أي أن الإمام يرى أن رابطة السببية بين الحبس والموت غير موجودة؛ لأن الموت لم يحدث بسبب الحبس، وإنما حدث بسبب آخر وهو الجوع والعطش، فقد تخلل بين السبب الأول والنتيجة -وهي الموت- سبب جديد أضيف الحكم إليه، وانقطعت به الرابطة بين السبب الأول والنتيجة

1 ص56.

ص: 106

فلا يكون صاحب السبب الأول معاقبا بعقوبة القتل المنصوص عليها في كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وليس معنى هذا أنه غير معاقب أصلا، لا، بل إنه آثم؛ لما ترتب على فعله من الإضرار بالغير، وأيضا معاقب بعقوبة دنيوية غير مقدرة بنص، وهي عقوبة التعزير؛ أي: أن عقوبته الدنيوية تنتقل من عقوبة مقدرة بنص إلى عقوبة يقدرها الإمام بما يناسب الجرم الذي ارتكبه.

الرأي الثاني:

"وهو رأي أبي يوسف ومحمد ابن الحنفية" أنه يعتبر القتل بسبب الترك قتلا بسبب؛ لأن الترك هو الذي تسبب في إهلاك الشخص المحبوس؛ لأنه لا بقاء للآدمي إلا بالأكل والشرب، فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش عليه يكون إهلاكا له، فأشبه حفر البئر على قارعة الطريق إذا وقع فيها إنسان فإن قتله يكون قتلا بسبب، وليس قتلا مباشرة، والقتل بسبب -عند الحنفية- يضمن فيه المتسبب دية المقتول، وإنما لم يعتبر عندهم القتل بسبب كالقتل مباشرة حتى يجب القصاص؛ لأن القتل بسببب قتل معنى فقط، والقصاص قتل معنى وصورة، فيكونان غير متساويين، والقصاص هو المساواة.

الرأي الثالث:

يرى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والظاهرية والإباضية"1 أن القتل بالترك كالقتل مباشرة، لا فرق بينهما

1 جاء في شرح النيل ج15، ص119:"ومن العمد منع الطعام والشراب واللباس".

ص: 107

في العقوبة ما دام القصد الجنائي متوافرا، وسواء كانت هذه الجريمة ناتجة عن عمل مادي باشره الجاني قبل المجني عليه بغير حق أدى إلى وقوع القتل بالترك كما إذا حبسه في منزل ونحوه، وتركه فمات جوعا أو عطشا، أو كانت ناتجة عن الامتناع عن أداء واجب أوجبه المشرع أو أوجبه الشخص على نفسه، كما إذا منع فضل مائه مسافرا، عالما بأنه لا يحل له1 منعه، وأنه يموت إن لم يسقه، ثم مات هذا الشخص، فإنه يقتل به، وكما إذا منعت الأم عن طفلها اللبن حتى مات، فإن المالكية يرون أنها إن قصدت قتله بذلك قتلت به، وإن لم تقصد قتله فالدية على عاقلتها.

وكما إذا امتنعت المرضعة عن إرضاع الطفل الذي التزمت بإرضاعه2، فإنها تقتل به إذا مات بسبب هذا المنع؛ وذلك لأن المنع

1 أخرج أبو داود أنه قال رجل: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال:"الماء"، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحمل منعه؟ قال:"الملح". وعن عائشة قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحمل منعه؟ قال:"الملح والماء والنار". راجع نيل الأوطار ج5، ص306.

2 جاء في الدسوقي على الشرح الكبير ج4، ص242: "

من منع فضل مائه مسافرا عالما بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه قتل به، وإن لم يل قتله بيده". اهـ.

فظاهره أنه يقتل به سواء قصد بمنعه قتله أو تعذيبه، "ومن ذلك الأم إذا منعت عن طفلها اللبن حتى مات، فإن قصدت موته قتلت، وإلا فالدية على عاقلتها"، وقد سبق توضيح رأي المذهب.

ص: 108

في كل هذه الصور هو السبب في حدوث الموت، ولم يفصل بين السبب والنتيجة -وهي الموت- سبب آخر يصح إضافة الحكم إليه، ولأن الله تعالى قد أجرى الموت عند حدوث ذلك، فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل، وقد سبق أن نقلنا النصوص الفقهية الدالة على ذلك1، ومنها ما قاله المالكية آنفا2 وما قاله الحنابلة أنه إن "حبسه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما أو منعه الدفء في الشتاء ولياليه الباردة حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا في مدة يموت في مثلها غالبا، بشرط أن يتعذر الطلب، فعمد؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عند ذلك، فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل".

وما قاله الزيدية أنه "يجب القود على من فعل سبب القتل ولم يوجد من يتعلق به إلا المسبب، وهو المعري لغيره مما يقيه الحر أو البرد من الثياب ونحوها، والحابس له، ولم يمكنه التخلص حتى مات جوعا أو عطشا أو بردا أو حرا فإنه يقاد به؛ لأنه قاتل عمدا عدوانا، وإن لم يكن القتل بفعله ومثله من سرق طعام غيره أو ماءه أو دابته في مفازة وليس معه سواه، حتى مات قتل به؛ لأنه قتل عمدا، وكذا لو تركت المرضعة الصبي حتى مات، فتقاد به إن لم تكن من أصوله"3.

وما قاله الظاهرية من أن من استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات، أنهم إن كانوا يعملون أنه لا ماء البتة إلا عندهم، ولا يمكنه إدراك الماء أصلا حتى يموت، فهم قتلوه عمدا، وعليهم القود.. ولا يدخل في ذلك من لم يعلم بأمره ولا من لم يمكنه أن يسقيه، فإن كانوا يعلمون ذلك، ويقدرون أنه سيدرك الماء فهم قتلة خطأ، وعليهم الكفارة، وعلى عواقلهم الدية ولا بد، برهان ذلك قوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، وقال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

1 راجع ص58، 79.

2 راجع ص107.

3 راجع ص70.

ص: 109

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، وقال تعالى:{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، قال أبو محمد: وهكذا القول في الجائع والعاري ولا فرق1.

ومن هذا يتبين لنا أن جمهور الفقهاء يعتبرون أن جريمة القتل بالترك جريمة عمدية موجبة للقصاص؛ ولكنهم وضعوا قيودا لتوقيع عقوبة القتل العمد:

أولها: أنه لا بد من ثبوت عدم تمكن المجني عليه من الخلاص مما أوقعه فيه الجاني، فإن ثبت عدم تمكنه من الخلاص مما أوقعه فيه، بأن كان في استطاعته طلب الطعام أو الشراب، ولم يطلبه فإنه يكون قاتلا لنفسه فيكون هدرًا.

ثانيها: أن يكون الجاني متعديا في امتناعه عن تقديم ما كان المجني عليه محتاجا إليه مما أدى إلى موته بسبب هذا الامتناع، بشرط ألا يتخلل بين الامتناع والنتيجة سبب جديد يصح إضافة النتيجة إليه، فإن لم يكن متعديا فإنه لا يكون قاتلا عمدا، وقد بينا فيما سبق الجزاء الذي يلحق الجاني في كل من الحالتين.

ثالثها: أن تكون مدة المنع كافية لقتل الشخص غالبا، وهذا القيد هو أحد أركان الجريمة العمدية كما سبق أن أوضحنا؛ إذ لا بد وأن تكون الجناية قد ارتكبت بما يقتل غالبا أو عادة حتى تكون عمدا.

ومن هذا يتبين لنا رأي الفقه الإسلامي في الجريمة بالترك أو الجريمة السلبية، من ناحية العقوبة الدنيوية. وأما العقوبة الأخروية، فإنها تشمل هذه الصور كما تشمل الصور الأخرى التي لا تتوافر فيها أركان الجريمة عمدا، فالشريعة الإسلامية قائمة على جلب المصلحة ودفع الضرر، فكل ما يجلب

1 راجع النص ص77.

ص: 110

المصلحة مطلوب شرعا، وكل ما يؤدي إلى المضرة منهي عنه شرعا، وعكس ذلك ترك المصلحة منهي عنه شرعا؛ لأنه يصبح كإيقاع الضرر، فلو أن إنسانا رأى آخر يوشك على الغرق وكانت ظروفه تمكنه من إنقاذه -كما لو كان متعلما السباحة- دون خوف على حياته، فإن لم ينقذه كان آثما، والإثم له عقوبة أخروية يحاسبه الله تعالى عليها على قدر الدوافع والظروف التي ثبطت همته عن القيام بمثل هذا العمل لينقذ إنسانا من الموت أو من الوقوع في ضرر محقق أو غالب.

ص: 111