المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الثالث: الحرمان من الميراث: - الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون

[حسن علي الشاذلي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌المقدمات

- ‌الإفتتاحية: افتتاحية الطبعة الثانية

- ‌افتتاحية الطبعة الأولى:

- ‌التمهيد:

- ‌الجريمة والجناية في الفقه الإسلامي:

- ‌الجريمة والجناية في الفقه الوضعي:

- ‌العقوبات:

- ‌الباب الأول: جناية القتل

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: القتل العمد وعقوبته

- ‌المبحث الأول: حقيقة القتل العمد

- ‌المبحث الثاني: أركان الجريمة العمدية في الفقه الإسلامي

- ‌أولاً: أن يكوت الأعتداء واقعًا على آدمي حي

- ‌ثانيا: أن يكون المجني عليه معصوم الدم:

- ‌ثالثا: أن يكون هذا الآدمي معينا:

- ‌رابعًا: أن يكون قصد الجاني ضرب المجني عليه

- ‌خامسا: أن يكون الضرب بقصد العدوان:

- ‌سادسًا: أن يكون الجاني قد أوقع على المجني عليه فعلا قاتلا:

- ‌المبحث الثالث: آراء فقهاء القوانين في تحليل القتل العمد ورأي الفقه الإسلامي في هذه الآراء:

- ‌المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي

- ‌المطلب الأول: الجزاء الآخروي

- ‌المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي:

- ‌المبحث الخامس: عقوبة القتل العمد في القانون:

- ‌الفصل الثاني: القتل شبه العمد وعقوبته

- ‌المبحث الأول: آراء الفقهاء في القول بشبه العمد

- ‌المبحث الثاني: أركان جريمة شبه العمد:

- ‌المبحث الثالث: عقوبة القتل شبه العمد

- ‌المطلب الأول: الجزاء الآخروي

- ‌المطلب الثاني: الجزاء الدنيوي للقتل شبه العمد:

- ‌المطلب الثالث: عقوبة الضرب المفضي إلى الموت في القانون:

- ‌المطلب الرابع: المقارنة بين العقوبتين:

- ‌الفصل الثالث: القتل الخطأ وموجبه

- ‌المبحث الأول: حقيقة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي

- ‌المبحث الثاني: أركان الجريمة خطأ:

- ‌المبحث الثالث: عقوبة القتل الخطأ

- ‌مدخل

- ‌النوع الأول: الدية:

- ‌النوع الثاني: الكفارة:

- ‌النوع الثالث: الحرمان من الميراث:

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌النوع الثالث: الحرمان من الميراث:

‌النوع الثالث: الحرمان من الميراث:

يترك المقتول للورثة شيئين؛ أولهما: المال الذي يملكه حتى موته، وثانيهما: ديته التي تؤخذ من القاتل ومن عاقلته، فهل القاتل خطأ يحرم من ميراث كليهما، أو من ميراث أحدهما، أو لا يحرم؟ للفقهاء ثلاثة آراء:

أحدها: يرى الإمامية "في رأي مرجوح": أن القاتل خطأ يرث مطلقا من المال ومن الدية، واستدلوا بما روي عن عبد الله بن سنان عن جعفر الصادق رضي الله عنه في رجل قتل أمه: أيرثها؟ قال: إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمدا لم يرثها، وقالوا: إن ترك التفصيل دليل العموم فيما تركه مطلقا ومما تركه الدية، فتورث الدية كما يورث المال إن كان للقتل خطأ.

ص: 454

إلا أن ما استدلوا به هو أثر عن جعفر الصادق رضي الله عنه وهو لا يعارض الأحاديث الصحيحة والواردة في الباب، والتي سيأتي ذكرها في الرأي الثاني والثالث.

الثاني: يرى المالكية، والنخعي، والزيدية، والإمامية على أظهر الأقوال: أن القتل الخطأ لا يمنع القاتل من ميراث مال المقتول، ولكن يمنعه من أن يرث من ديته، وقد استدلوا بما يأتي:

1-

روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم فتح مكة: "لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فإن قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ماله ولا من ديته، وإن قتله خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته" رواه الدارقطني من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص1.

وقال الإمامية: إن هذا القول جامع بين النصين، ولأن الدية يجب على القاتل دفعها إلى الوارث؛ لقوله تعالى:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} .

فلو قلنا: إنه يرث من الدية، فحينئذ لا تدفع الدية كاملة إلى أهله؛ حيث إنه سيستحق بعض الدية باعتباره وارثا، فيدفع إلى الورثة نصيبهم، ويدفع إلى نفسه نصيبه ودفع القاتل إلى نفسه لا يعقل؛ إذ إنه يؤدي إلى أن توجب الجناية دفع شيء إلى الجاني، والمعقول أن توجب دفع شيء إلى المجني عليه2.

الرأي الثالث: يرى الحنفية "مع مراعاة أن الحنفية يجعلون القتل بسبب

1 في التعليقات على البحر الزخار ج5، ص367.

2 راجع الروضة البهية ج2، ص297.

ص: 455

غير مانع من الميراث وسيأتي "إيضاحه" والشافعية.. ورأي مرجوح للإمامية وهو قول أكثر أهل العلم: أنه لا يرث العاقل خطأ من ميراث مقتوله ولا من ديته.

وقد استدلوا بأحاديث وآثار بعضها عام في الدلالة على حرمان القاتل من الميراث، وبعضها خاص بالجناية خطأ.

أما الأول: فمنها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يرث القاتل شيئا" رواه أبو داود1.

وما روي عن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه سلم يقول: "ليس لقاتل ميراث" رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه2.

فهذان الحديثان يدلان على حرمان القاتل من الميراث مطلقا عمدا كان القتل أم خطأ، كان الميراث مال المقتول أم ديته.

1 جاء في نيل الأوطار ج6، ص75 بشأن سند هذا الحديث أنه قد أخرجه النسائي وأعله، والدارقطني وقواه ابن عبد البر.

2 كما جاء في نفس المرجع بشأن هذا الحديث أيضا أنه قد أخرجه الشافعي وعبد الرزاق والبيهقي، وهو منقطع، قال البيهقي: رواه محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مرفوعا، قال الحافظ: وكذا أخرجه النسائي من وجه آخر عن عمر، وقال: إنه أخطأ، وأخرجه ابن ماجه والدارقطني من وجه آخر عن عمر أيضا.

وفي الباب عن ابن عباس عند الدارقطني بلفظ: "لا يرث القاتل شيئا"، وفي إسناده كثير بن مسلم" وهو ضعيف".

وعن ابن عباس أيضا حديث آخر عند البيهقي بلفظ: "من قتل قتيلا فإنه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره "، وفي لفظ:"وإن كان والده أو ولده".

ص: 456

وأما الثاني:

1-

فما روي عن عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي -عند الطبراني في قصة- أنه قتل امرأته خطأ فقال صلى الله عليه وسلم: "اعقلها ولا ترثها".

2-

وما روي عن عدي الجزامي -نحو الحديث المتقدم- أخرجه الخطابي، ولفظه في سنن البيهقي: أن عديا كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما، فماتت، فلما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم أتاه فذكر له ذلك فقال له:"اعقلها ولا ترثها".

3-

وأخرج البيهقي أيضا أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ميراثها فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى علي رضي الله عنه فقال له: حقك من ميراثها الحجر، وأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا.

وأخرج البيهقي أيضا عن جابر بن زيد أنه قال: "أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث له منها، وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها منهما".

وقد قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين.

وقالوا أيضا: إن جناية قتل المورث تضمنت تهمة استعجال القاتل ميراث مقتوله، والقتل الخطأ يتضمن هذا؛ لاحتمال أنه قصد قتله إلا أنه أظهر الخطأ من نفسه، فالتهمة موجودة؛ لأن الفرق بين العمد والخطأ إنما هو في قصد القتل وعدمه، والقصد أمر باطني لا اطلاع لأحد عليه، وإنما يستدل بالقرائن، وقد يقصد الوارث قتل المورث، وخوفا من موجب القتل

ص: 457

العمد يحكم جنايته إحكاما تاما؛ بحيث تظهر في صورة الخطأ، فالتهمة في القتل الخطأ موجودة.

اختلافهم في القتل بسبب:

سبق أن بينا أن القتل الخطأ وما يأخذ حكمه أنواع، فالخطأ إما خطأ في القصد أو في الفعل أو فيهما، وما يأخذ حكمه، هو ما جرى مجرى الخطأ، كالنائم يتقلب على غيره فيقتله، وكذا القتل بسبب كحفر بئر في الطريق أو إلقاء حجر، والقتل في الأوليين تم بالمباشرة، وفي الأخير تم بالتسبيب.

ولقد اتفق هؤلاء الفقهاء -أصحاب الرأي الثالث- على أن القتل بالمباشرة يمنع من الميراث، واختلف الحنفية مع الشافعية في كون القتل بالتسبيب مانعا من الميراث، فقال الشافعية: إنه يمنع من الميراث كالقتل بالمباشرة.

وقال الحنفية: إنه غير مانع من الميراث؛ وذلك أن حرمان الميراث يتعلق بالقتل حقيقة، والتسبيب ليس قتلا حقيقة؛ لأن القتل ما يحل في الحي فيؤثر في إزهاق الروح، والتسبيب ليس كذلك؛ لأنه فعل في غيره تعدى أثره إلى هذا الإنسان الحي، كما أوقد نارا في داره فأحرق دار جاره فإنه لا ضمان عليه.

فالمتسبب ليس بقاتل حقيقة ولا متهم؛ لأنه لا يعلم أن مورثه يقع في البئر، وهو متهم في الخطأ وما جرى مجراه لاحتمال أنه قصد ذلك في الباطن1، فيمنع الميراث فيما ترد فيه التهمة لا يمنعه فيما لا ترد فيه التهمة.

1 وقد سبق أن بينا وجه الفرق بين هذه الأنواع في صدر هذا الفصل.

ص: 458

ما أخذ به قانون المواريث المصري:

نص قانون المواريث المصري رقم 77 لسنة 1943م في المادة الخامسة على أنه "من موانع الإرث قتل المورث عمدا، سواء أكان للقاتل فاعلا أصليا أم شريكا أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه، إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلا بالغا من العمر خمس عشرة سنة، وبعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي".

ومن هنا يتبين لنا أن القانون مأخوذ من الرأي الأول الذي يجعل القاتل خطأ يرث مطلقا من مال المقتول أو من ديته؛ لأنه لم يجعل القتل الخطأ مانعا من ميراث أي منهما.

نظرة على عقوبة القتلى الخطأ في الفقه الإسلامي:

رأينا فيما تقدم أن عقوبة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي جمعت بين الدية التي تدفع لورثة المقتول وهي حق من حقوق العباد -على الطريق الذي فصلناه -وبين الكفارة، وهي حق من حقق الله تعالى، وبين الحرمان من الميراث "أو الوصية" على الخلاف الذي تقدم- وهو حق من حقوق الله تعالى أيضا، ولا يأبى الفقه الإسلامي العقوبة التعزيرية إذا وجدت دواع راجحة لتوقيعها على المرتكب جناية خطأ، حتى يتخذ الجاني من وسائل الحيطة والحذر ما يجنبه ويجنب غيره الوقوع في مثل ذلك.

ص: 459

موقف قانون العقوبات من القتل خطأ:

نص قانون العقوبات المصري في المادة 238 على أن: "من تسبب خطأ في موت شخص بأن كان ذلك ناشئا عن إهماله، أو رعونته، أو عدم احتراسه، أو عدم مراعاته القوانين والمقررات واللوائح والأنظمة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر بغرامة لا تقل عن عشرين جنيها ولا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وتكون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ست سنين، وغرامة لا تقل عن خمسين جنيها ولا تجاوز أربعمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول مهنته أو حرفته، أو كان عند ارتكابه الخطأ الذي نجم عنه الحادث متعاطيا عقاقير مخدرة أيا كان نوعها، أو كان في حالة سكر بين، أو لم يقدم المساعدة وقت الحاديث لمن وقعت عليه الجريمة، أو لم يطلب هذه المساعدة مع تمكنه من ذلك.

وتكون العقوبة الأشغال الشاقة لمدة لا تزيد على خمس سنين إذا نشأ عن الخطأ وفاة أكثر من خمسة أشخاص.

فإذا توافر ظرف آخر من الظروف المشددة الواردة في الفقرة الثانية تكون العقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة".

ومن هذا النص يتقين لنا أن قانون العقوبات جعل عقوبة القتل خطأ عقوبة تعزيرية، سواء تمت بالحبس أو بالأشغال الشاقة أو بالغرامة، وهذا النوع من العقوبة سبق أن بينا أنه نوع من العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي الذي يترك أمر تقديرها لاجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه.

ونضيف إلى ذلك أنه بجانب هذه العقوبة التي قررها قانون العقوبات

ص: 460

نصت المادة 524 من القانون المدني على أنه: "كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".

وقد سبق أن ناقشنا الفرق بين التعويض الذي يقرره القانون وبين الدية التي تفرضها الشريعة، وبينا الآثار العميقة للفرد والمجتمع في الأخذ بالشريعة، وآثار ذلك على منع الجريمة، فضلا عن عدم ضياع دية المقتول عند إعسار القاتل أو عاقلته أو موته.

العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه "عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ":

بينا فيما تقدم عقوبة قاتل غيره عمدا أو شبه عمد أو خطأ، ونبين هنا العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه كذلك. أما العقوبة الأخروية له فقد سبق أن بيناها عند بيان هذه العقوبة لقاتل غيره، والباحث في الفقه الإسلامي يجد أن عقوبته تدور بين أمرين لا ثالث لها؛ هما: الدية والكفارة، أما القصاص والتعزير فلا يتأتى تطبيق شيء منهما لفوات محل تطبيق العقوبة البدنية، ولا يراد الحرمان من الميراث بداهة، ونبين آراء الفقهاء في إيجاب الدية والكفارة في الجنايات الثلاث:

أولا: أما إن قتل نفسه عمدا فقد اتفق الفقهاء على أنه لا تجب عليه دية لا في ماله ولا على عاقلته، أما أنه لا تجب عليه دية فلأنه لا معنى لإيجابها في ماله، ثم ردها إلى ورثته؛ لأنه على كلا الحالتين المال كله مآله إلى الورثة فإيجابها في هذا المال لا معنى له، ولا يحقق فائدة، وما كان على هذه المثابة فإنه لا يشرع، ثم إن الدية إنما تجب بدلا عن القصاص الواجب، فهي عوض عن إيحاء النفس، والنفس هنا قد فاتت وذهبت بفعل صاحبها ظاهرا فلا تجب الدية، وأما أنها لا تجب على العاقلة فلأن العاقلة لا تحمل عمدا

ص: 461

بنص الحديث "كما تقدم"، ولأنه لا عذر للقاتل في القتل العمد، وإذا لم يكن له عذر فإنه لا يستحق التخفيف، والعاقلة إنما تحمل عن الجاني ما يستدعي التخفيف عنه؛ لأنها تتحمل عنه مواساة ومعاونة وتآزرا معه فيما وقع فيه خطأ ودون قصد.. أما ما كان عمدا فإنه لا يتلاءم مع المعنى الذي يهدف إليه المشرع من وراء معنى العاقلة وما تتحمله.

وأما الكفارة، فقد اختلف الفقهاء في إيجابها على من قتل نفسه عمدا، فيرى جمهور الفقهاء أنها لا تجب وبخاصة من يرون عدم إيجاب الكفارة في قتل الغير عمدا، وهم "الحنفية والحنابلة والزيدية والثوري وأبو ثور" للأدلة التي سبق النص عليه، ويرى الشافعية إيجاب الكفارة في القتل العمد أو شبهه أو الخطأ، سواء قتل نفسه أو غيره، فقد جاء في مغني المحتاج:"وتجب الكفارة بقتل مسلم ولو بدار الحرب وذمي وجنين، وعبد نفسه، وبقتل نفسه؛ لأنه قتل نفس معصومة، فتجب فيه كفارة لحق الله تعالى، فتخرج من تركته، أما إذا لم تكن نفسه معصومة بأن كانت مهدرة، فينبغي -كما قال الزركشي- ألا تجب، وفي قتل نفسه وجه: أنه لا يجب لها الكفارة كما لا يجب ضمانها بالمال".

ثانيا: وأما إن قتل نفسه قتلا شبه عمد، فإنه يلزمنا أن نذكر بعض الأمثلة التي أوردها الفقهاء لمثل هذا القتل، ثم نتبعها ببيان ما يجب فيه من دية أو كفارة، أما الأولى فمن صوره: إمساك الحية مع الظن أنها لا تقتل، أو أن يأكل كثيرا حتى يبشم، أو المشي على الحبال في الهواء، والجري في المواضع البعيدة مما يفعله أرباب البطالة والشطارة، وكل ذلك يعتبر قتلا شبه عمد إذا لم يقصد بشيء من ذلك قتل نفسه؛ لأن هذه الأفعال تقتل غالبا، ويمكن أن يقاس على ذلك الألعاب التي يغلب فيها ذلك كالمصارعة والملاكمة.

وأما ما يجب فيه من دية أو كفارة، فأما الدية فقد اختلف الفقهاء في إيجابها، فيرى البعض إيجابها على العاقلة "في رأي للشافعية -غير المشهور-

ص: 462

ورأي للحنابلة" معتبرين أن هذه الجناية تساوي جناية الإنسان على غيره خطأ أو شبه عمد، فكما وجبت على العاقلة دية قاتل غيره خطأ أوشبه عمد، فكذلك تجب هنا في الحالتين.

ويرى جمهور الفقهاء أنه لا تجب الدية في هذه الجناية؛ لأنه لا عذر له في اقترافه الفعل الموجب لها؛ إذ لم يكن معذورا، فإنه يشبه العمد المحض، والعمد المحض لا تجب فيه الدية، فكذلك هنا.

وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية "المشهور" والحنابلة.

والناظر إلى هذين الرأيين على ضوء التطور الصناعي في هذا العصر يجد أن كثيرا من الناس يباشرون بعض الأعمال التي تكتنفها بعض المخاطر؛ كعمال المناجم، ومصانع الحديد والصلب، وما شاكل ذلك من الصناعات والأعمال؛ طلبا لرزقهم، وسدا لحاجتهم، وتنمية لاقتصاد دولتهم.

وقد يترتب على مباشرتهم لهذه الأعمال ذهاب أرواحهم أو أعضائهم أو حدوث أضرار جسمانية، فما الموقف من هؤلاء في ظل الفقه الإسلامي؟

إنني أرى أن هذا العمل الذي يقوم به العامل والذي يحتاج إليه الفرد والدولة لا بد من أن يكون محاطا ببعض الضمانات الكفيلة بسد الثغرات التي تنتج عن استمرار العمل والإنتاج، وهذه الضمانات هي إيجاب الدية لمن قتل منهم أثناء تأديته عمله، وتكون هذه الدية على العاقلة؛ لأنه قتل شبه عمد؛ إذ العمل قد يؤدي إلى القتل، والقتل غير مقصود، وفي شبه العمد الدية على العاقلة، فكذلك هنا.

فإن لم تكن له عاقلة كانت ديته من بيت المال، ولا يمكن قياس هذا القتل على القتل العمد، حتى لا تجب الدية على العاقلة؛ لأن العمد أن يقصد الفعل

ويقصد به القتل، وقد سبق أن بينا مدلول العاقلة في الفقه

ص: 463

الإسلامي، ويمكن اعتبار كل العاملين في مصنع من المصانع عاقلة، كل منهم يعقل عن الآخر إذا ما توافرت شروط العاقلة فيهم وفي كل فرد منهم.

وأما إيجاب الكفارة فيرى بعض الفقهاء "الحنابلة" إيجابها في ماله، وقد يستدل لهذا الرأي بأن القتل هنا قد وقع خطأ؛ لأنه لم يرد قتل نفسه، والله تعالى يقول:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وهو قد وقع قتله لنفسه خطأ، بينما يرى جمهور الفقهاء عدم إيجابها عليه؛ وذلك لانعدام خطابه بها بسبب موته، وإذا انعدم خطاب الشرع له بها -بسبب الموت- لم تجب عليه كسائر الأحكام.

ثالثا: وأما إن قتل نفسه خطأ أو قطع عضوا من أعضائه، فقد اختلف في إيجاب الدية والكفارة أيضا:

فإما إيجاب الدية على العاقلة -كما هو الشأن في الجناية خطأ على الغير- فيرى بعض الحنابلة "القاضي" أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه إذا كان أكثر من الثلث، وهو قول الأوزاعي وإسحاق؛ وذلك لما روي أن رجلا ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه، فطارت شظية ففقأت عينه، فجعل عمر ديته على عاقلته، وقال:"هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد"، ولم نعرف لعمر مخالفا في عصره، ولأنها جناية خطأ، فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره، فعلى هذا الرأي إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء؛ لأنه لا يجب للإنسان شيء على نفسه، وإن كان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل نصيبه، وعليه ما زاد على نصيبه، وله ما بقي إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه.

ويرى أكثر أهل العلم "الحنفية والمالكية والشافعية وقول للحنابلة

ص: 464

وربيعة والثوري" أن جنايته هدر؛ وذلك لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه، فمات ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية، ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد، ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفا عنه، وليس على الجاني هاهنا شيء يحتاج إليه الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه، ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره، فإنه لو لم تحمل العاقلة موجب الجناية خطأ على الغير لأجحف به وجوب الدية لكثرتها.

وأما الكفارة، فيرى الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية: أنه لا يجب هنا في النفس كفارة، كما لا يجب ضمانها بالمال.

ويرى الشافعية والحنابلة: أن من قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله؛ لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا} الآية، ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ فوجبت الكفارة على قاتله، كما لو قتله غيره.

الترجيح: رجح ابن قدامة المقدسي "الحنبلي" الرأي الأول قائلا: "إنه الأقرب إلى الصواب إن شاء الله، فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بكفارة، وقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} إنما أريد بها إذا قتل غيره، بدليل قوله:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وقاتل نفسه لا تجب فيه دية بدليل قتل عامر بن الأكوع.

ولكن ما ذكره من الأثر يمكن الرد عليه، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة، ولم يقض بالكفارة، وقد سبق أن قيل: إن الغرة ثابتة بالحديث، والكفارة ثابتة بالقرآن، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي وضحت الديات لم تذكر الكفارة اعتمادا على

ص: 465

هذا، ومن هنا يمكن أن نقول: إنه إذا قتل إنسان نفسه تجب في ماله الكفارة.

إلا أن المعاني التي شرعت من أجلها الكفارة، إن كانت عبادة وتقربا، فلا بد من وجود الشخص؛ لأنه لا عبادة بدون النية، وإن كانت زجرا وتنبيها إلى التحرز عن الوقوع في الخطأ، فإن كان هذا بالنسبة للشخص نفسه، لقد فات المحل الذي يمكن أن يستجيب لذلك، وإن كان هذا بالنسبة للغير، فإن المحل موجود، ويمكن أن يتحقق بالنسبة له هذا الغرض، فيعلم الإنسان القاتل لنفسه أن عليه حين يرتكب هذه الجناية خطأ كفارة تؤخذ من ماله كما تؤخذ بقية الحقوق.

ولعل النظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيانه" يجعلنا ننظر إلى نفس الإنسان المعتدَى عليه، على أنه غير، سواءكان المعتدى عليه هو نفس هذا الإنسان المعتدي أم غير نفسه، ويؤيد هذا أنه معاقب على اقتراف هذا الجرم في الآخرة على كلا الحالين، بل بعقوبة أشد في الحالة الأولى كما سبق أن أوضحنا1.

ومن هنا نرى ترجيح الرأي الثاني، خاصة وأن حق الأرقاء في الحرية حق يتشوف الشرع إلى تحقيقه، وهو حق للغير، يلزم الوفاء به كسائر الحقوق، وكذلك حق المحتاجين في الإطعام.

وبعد، فهذا ما وفقنا الله تعالى إلى إخراجه من هذا المؤلَّف، وإننا لنحمده ونشكره على ما وهب، ونسأله جل شأنه أن يعيننا على إخراج الجزء الثاني منه في وقت قريب

إنه نعم المولى ونعم النصير،

د. حسن علي الشاذلي

1 راجع ما أوضحناه في هذا ص48.

ص: 466