الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي
المطلب الأول: الجزاء الآخروي
…
المبحث الرابع: عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي:
بينت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عقوبة القتل عمدا، وجعلت للقاتل عمدا جزاءين رئيسيين؛ أحداهما: أخروي، والثاني: دنيوي، ونبحث كلا منهما فيما يأتي:
المطلب الأول: الجزاء الأخروي:
القاتل عمدا إما أن يقتل نفسه، أو يقتل غيره، ولكل منهما جزاؤه الأخروي، ونبين هنا عقوبة كل منهما، مقدمين عقوبة قاتل غيره على عقوبة قاتل نفسه؛ تيسيرا للمقارنة، ولندرة وقوعها.
"الجزاء الأخروي لقاتل غيره عمدا":
الأصل في الجزاء قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} 1.
فقد حدد الله -جل شأنه- في هذه الآية العقوبة الأخروية لمن يقتل مؤمنا متعمدا، وهي خلوده في النار، وحلول غضب الله عليه ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له.
1 الآية 93 من سورة النساء.
ولقد استدل الفقهاء بهذه الآية على أن هذه العقوبة جزاء لكل من يقتل إنسانا معصوم الدم، سواء كان المقتول مسلما أو ذميا، أو كان القاتل مؤمنا أو غير مؤمن، ولقد أثار الفقهاء بعض الاعتراضات على الاستدلال بهذه الآية على المدعى، نوضحها والرد عليها فيما يلي:
أ- قد اعترض بأن هذا الدليل خاص بقتل المؤمن، والمدعى عام وهو أن كل قاتل تكون هذه العقوبة جزاء له مسلما كان أم ذميا؛ لأن موجب القتل العمد "المأثم والقصاص" وهو يعم المسلم والذمي لما سيجيء من أن المسلم يقاد بالذمي عند الحنفية، ولا شك أن وجوب القود لا ينفك عن لزوم الإثم، والآية المذكورة مخصوصة بقتل المؤمن.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن الآية وإن أفادت المأثم في قتل المؤمن عمدا بعبارتها، إلا أنها تفيد المأثم في قتل الذمي عمدا أيضا بدلالتها، بناء على ثبوت المساواة في العصمة بين المسلم والذمي؛ نظرا إلى التكليف -حيث إنه مخاطب، بدليل دعوته إلى الإيمان- أو إلى إقامته في دار الإسلام بمقتضى عقد الذمة، ويؤيد هذا الأحاديث الشريفة، ومنها ما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما" رواه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه، وما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ألا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أخفر ذمة الله، ولا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا" رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
ب- الآية تدل على أن القاتل مطلقا -مؤمنا كان أم غير مؤمن- مخلد في النار، مع أن المذهب عند أهل السنة والجماعة أن المؤمن لا يخلد في النار وإن ارتكب كبيرة ولم يتب.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بعدة أجوبة:
1-
قد أجمع على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: والله لا نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهري، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا، وجعل ينشد:
قتلت به فهرًا، وحملت عقله
…
سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثورتي
…
وكنت إلى الأوثان أول راجع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أؤمنه في حل ولا حرم"، وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة".
فإذا ثبت هذا فلا ينبغي أن تحمل على المسلمين، ويكون التخليد حينئذ للقاتل غير المسلم.
2-
وإذا قلنا: إن سبب النزول لا يخصص عموم الأية فيمكن أن يجاب بأن المراد بـ"من يقتل" في الآية "المستحل للقتل" بدلالة قوله تعالى: {خَالِدًا فِيهَا} ؛ فقد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} أي: "متعمدا مستحلا لقتله"، واستحلال القتل يؤدي إلى الكفر إجماعًا1، وبذلك التفسير يكون القتل بدون الاستحلال خارجا عن مدلول الآية، فلا يخلد المؤمن القاتل في النار؛ لأنه غير مستحل للقتل.
1 القرطبي ج5، ص334.
3-
ويمكن أن يجاب بأنا لا نسلم ظهور كون المراد بـ"من يقتل""المتسحل"؛ لجواز أن يكون المراد بالخلود المذكور في الآية المكث الطويل، وقد بين هذا المفسرون.
جاء في القرطبي ج1، ص241: الخلود البقاء، ومنه جنة الخلد، وقد تستعمل مجازا فيما يطول، كما جاء فيه أيضا ج5، ص335: والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} ، وقال تعالى:{يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} .
وقال زهير:
الا لا أرى على الحوادث باقيا
…
ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا
وهذا كله يدل على أن الخلود يطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول:"لأخلدن فلانا في السجن"، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون، ومثله قولهم في الدعاء:"خلد الله ملكه وأبد أيامه" أي: طوله.
ولئن سلم كون المراد بمن يقتل المستحل -كما ذكر في الكتب الكلامية وفي التفاسير أيضا- فالآية دالة على عظم تلك الجناية، كما تدل على تحقيق الإثم في قتل المؤمن عمدا بدون الاستحلال أيضا، وإلا لما لزم من استحلاله الخلود في النار.
ومما يدعم القول بعظم جناية القتل العمد من المؤمن أو غيره ما جاء في الأحاديث:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم".
وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس الدماء ".
وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأله سائل فقال: يا أبا العباس، هل للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ مرتين أو ثلاثا، ثم قال ابن عباس: ويحك وأنَّى له توبة!! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه، متلببا قاتله بيده الأخرى، تشجب أوداجه دما حتى يوقفا، فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى: رب هذا قتلني، فيقول الله تعالى للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار".
وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني"1.
ومن هنا يتبين لنا عظم جناية القتل عمدا.
ج- قبول توبة القاتل:
يرى المعتزلة أن آية النساء: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
…
} نسخت آية الفرقان: {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَاّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الآيات: 68-71] كما خصصوا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
1 القرطبي ج5، ص332.
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 1 بالقتل عمدا، فقالوا: التقدير "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا القتل عمدًا".
والصحيح -وهو مذهب أهل السنة- أن الله تعالى يقبل توبة القاتل إذا تاب للأدلة الآتية:
لقوله تعالى: {الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} 2، وقوله:{هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} 3، وقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 4، فجعله داخلا في المشيئة، وقال تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 5.
وأما آية النساء فهي مطلقة، وآية الفرقان مقيدة بالتوبة، والمطلق يحمل على المقيد، فيكون المعنى:"فجزاؤه جنهم خالدا فيها.. إلا من تاب"، لا سيما وقد اتحد الموجِب للعقاب، وهو القتل، والموجَب وهو التواعد بالعذاب في الآيتين.
والأخبار تؤيد هذا؛ منها حديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه: "تابعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئا من ذلك فهو كفارة، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه" أخرجه الصحيحان.
1 الآية 116 من سورة النساء.
2 الآية 114 من سورة هود.
3 الآية 25 من سورة الشورى.
4 الآية 48 من سورة النساء.
5 الآية 53 من سورة الزمر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلا قتل مائة رجل ظلما، ثم سأل: هل له من توبة؟ فدل على عالم، فسأله، فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن اخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد الله فيها، فخرج تائبا فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله إليهم ملَكا، فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها" 1 أخرجه مسلم، ولأن التوبة تصح من الكفر فمن القتل أولى.
الجزاء الأخروي لقاتل نفسه عمدا:
الأصل في هذا الجزاء ما ورد في السنة النبوية، ومنها:
ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدًا" الحديث.
وما روي في حديث جندب البجلي من قوله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في رجل قتل نفسه: "قال الله تعالى: بادرني عبدي، حرمت عليه الجنة" وقد تقدم نص الحديثين.
فقد نصت السنة على أن عقوبة قاتل نفسه عمدا هي الخلود الأبدي في النار وتحريم الجنة عليه، وإذا قارنا هذه العقوبة بعقوبة قاتل غيره عمدا، تبين لنا الفارق الكبير بين العقوبتين؛ إذ عقوبة قاتل غيره هي الخلود في النار، دون أن ينص على تأبيد خلوده فيها، مما فتح بابا للرجاء في أن يبقى بها المدة التي يشاؤها الله تعالى ثم يدخل الجنة، عند جمهور العلماء -كما بينا
1 المغني والشرح الكبير ج9، ص230.
آنفا- أما قاتل نفسه فقد أوصد أمامه هذا الباب؛ لأنه يئس من رحمة الله تعالى وقنط، ودل على جهله وغفلته عن الله الذي يفرج الكروب، ويفك العسر، وينقذ الملهوف، واليائس، والقانط، يقول الله جل شأنه بشأنهما:{إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} 1.
ويقول: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} 2.
وهذا يفسر لنا ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من عدم صلاته عليه، فقد روي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلا كانت به جراحة فأتى قرنا له4 فأخذ مشقصا5 فذبح به نفسه، فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، رواه ابن حبان في صحيحه.
كما أنه قد لوحظ أن عقوبته في الآخرة -بعد خلوده في النار أبدا- هي أن يفعل بنفسه في النار مثلما فعل بها في الدنيا -وهو تعريف القصاص كما سيأتي- فمن قتل نفسه ترديا أو بسكين أو بسم، أو خنق، أو ضرب نفسه برصاص -وهكذا من الأفعال التي يأباها الدين ويقبحها العقل- فقد جعل
1 الآية 87 من سورة يوسف.
2 الآية 56 من سورة الحجر.
3 الآية 53 من سورة الزمر.
4 القرن: بفتح القاف والراء جَعْبة النشاب.
5 المشقص: بكسر الميم وسكون الشين المعجمة فتح القاف: سهم فيه نصل عريض، وقيل: هو النصل العريض، وقيل: سهم فيه نصل طويل يرمى به الوحش.
الله نوع عقابه من جنس فعلته الشنعاء، فيخلق الله له نفس الآلة المستخدمة في الدنيا يستخدمها في نار جهنم، ويحس بعذابها آنًا بعد آنٍ خالدا مخلدا فيها أبدًا1.
1 وجاء في شرح صحيح مسلم للنووي ج2، ص313 ط الشعب: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا"، فقيل فيه أقوال:
أحدها: أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم، فهذا كافر وهذه عقوبته.
والثاني: أن المراد بالخلود طول المدة، والإقامة المتطاولة، لا حقيقة الدوام، كما يقال: خلد الله ملك السلطان، ويضعف هذا أن التأبيد يتنافى معناه لغة مع هذا التفسير، وأن تحريم الجنة عليه يمنع هذا الفهم شرعا.
والثالث: أن هذا جزاؤه؛ ولكن تكرم الله سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلما.