المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك] - الحاوي للفتاوي - جـ ٢

[الجلال السيوطي]

فهرس الكتاب

- ‌[الْمِنْحَةُ فِي السُّبْحَةِ]

- ‌[أَعْذَبُ الْمَنَاهِلِ فِي حَدِيثِ مَنْ قَالَ أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ]

- ‌[حُسْنُ التَّسْلِيكِ فِي حُكْمِ التَّشْبِيكِ]

- ‌[شَدُّ الْأَثْوَابِ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ]

- ‌[الْعَجَاجَةُ الزَّرْنَبِيَّةُ فِي السُّلَالَةِ الزَّيْنَبِيَّةِ]

- ‌[آخِرُ الْعَجَاجَةِ الزَّرْنَبِيَّةِ فِي السُّلَالَةِ الزَّيْنَبِيَّةِ]

- ‌[الدُّرَّةُ التَّاجِيَّةُ عَلَى الْأَسْئِلَةِ النَّاجِيَةِ]

- ‌[رَفْعُ الْخِدْرِ عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ]

- ‌[الْعُرْفُ الْوَرْدِيُّ فِي أَخْبَارِ الْمَهْدِيِّ]

- ‌[الْكَشْفُ عَنْ مُجَاوَزَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَلْفَ]

- ‌[الحديث المشهور على الألسنة أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يَمْكُثُ فِي قَبْرِهِ أَلْفَ سَنَةٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَا وَرَدَ أَنَّ مُدَّةَ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَا وَرَدَ أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ]

- ‌[ذِكْرُ مُدَّةِ مُكْثِ النَّاسِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا]

- ‌[ذِكْرُ مُدَّةِ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ]

- ‌[كَشْفُ الرَّيْبِ عَنِ الْجَيْبِ]

- ‌[كِتَابُ الْبَعْثِ] [

- ‌هَلْ وَرَدَ أَنَّ الزَّامِرَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمِزْمَارِهِ]

- ‌[حَدِيثُ أَوَّلُ مَا يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ]

- ‌[حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ حُورٌ عِينٌ]

- ‌[هَلْ وَرَدَ أَنَّ عَدَدَ دَرَجِ الْجَنَّةِ بِعَدَدِ آيِ الْقُرْآنِ]

- ‌[رَفْعُ الصَّوْتِ بِذَبْحِ الْمَوْتِ]

- ‌[إِتْحَافُ الْفِرْقَةِ بِرَفْوِ الْخِرْقَةِ]

- ‌[بُلُوغُ الْمَأْمُولِ فِي خِدْمَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌ الْإِيمَانُ

- ‌[مَبْحَثُ الْإِلَهِيَّاتِ]

- ‌[إِتْمَامُ النِّعْمَةِ فِي اخْتِصَاصِ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ]

- ‌[تَنْزِيهُ الِاعْتِقَادِ عَنِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ]

- ‌[مَبْحَثُ النُّبُوَّاتِ]

- ‌[تَزْيِينُ الْآرَائِكِ فِي إِرْسَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَلَائِكِ]

- ‌[الجواب على قَوْلِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُبْعَثْ إِلَى الْمَلَائِكَةِ]

- ‌[ذِكْرُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي أَخَذْتُ مِنْهَا إِرْسَالَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ]

- ‌[أَنْبَاءُ الْأَذْكِيَاءِ بِحَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ]

- ‌[كِتَابُ الْإِعْلَامِ بِحُكْمِ عِيسَى عليه السلام]

- ‌[لُبْسُ الْيَلَبِ فِي الْجَوَابِ عَنْ إِيرَادِ حَلَبَ]

- ‌[مَبْحَثُ الْمَعَادِ]

- ‌[اللُّمْعَةُ فِي أَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ السَّبْعَةِ]

- ‌[الِاحْتِفَالُ بِالْأَطْفَالِ]

- ‌[طُلُوعُ الثُّرَيَّا بِإِظْهَارِ مَا كَانَ خَفِيًّا]

- ‌[أَحْوَالُ الْبَعْثِ]

- ‌[تُحْفَةُ الْجُلَسَاءِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ لِلنِّسَاءِ]

- ‌[مَسَالِكُ الْحُنَفَا فِي وَالِدَيِ الْمُصْطَفَى]

- ‌[الْفَتَاوَى الصوفية]

- ‌[الزهد]

- ‌[الْقَوْلُ الْأَشْبَهُ فِي حَدِيثِ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ]

- ‌[الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُودِ الْقُطْبِ وَالْأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالْأَبْدَالِ]

- ‌[تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ]

- ‌[الْفَتَاوَى النَّحْوِيَّةُ وَمَا ضُمَّ إِلَيْهَا]

- ‌[مسائل متفرقة في النحو]

- ‌[فَجْرُ الثَّمْدِ فِي إِعْرَابِ أَكْمَلِ الْحَمْدِ]

- ‌[أَلْوِيَةُ النَّصْرِ فِي خِصِّيصَى بِالْقَصْرِ]

- ‌[الزَّنْدُ الْوَرِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ السَّكَنْدَرِيِّ]

- ‌[رَفْعُ السِّنَةِ فِي نَصْبِ الزِّنَةِ]

- ‌[الْأَجْوِبَةُ الزَّكِيَّةُ عَنِ الْأَلْغَازِ السُّبْكِيَّةِ]

- ‌[الْأَسْئِلَةُ الْمِائَةُ]

- ‌[تَعْرِيفُ الْفِئَةِ بِأَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ الْمِائَةِ]

- ‌[الْأَسْئِلَةُ الْوَزِيرِيَّةُ وَأَجْوِبَتُهَا]

- ‌[الْأَوْجُ فِي خَبَرِ عَوْجٍ]

الفصل: ‌[تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك]

الزَّوْجِيَّةِ، فَسُئِلَ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ حِنْثِ الِاثْنَيْنِ مَعَ كَوْنِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ حِنْثَ الْآخَرِ، فَقَالَ: الْوَلِيُّ إِذَا تَحَقَّقَ فِي وِلَايَتِهِ مُكِّنَ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ وَتَظْهَرُ رُوحَانِيَّتُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَالصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِمَنْ رَآهَا بِعَرَفَةَ، وَالصُّورَةُ الَّتِي رَآهَا الْآخَرُ فِي مَكَانِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَقٌّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ شَخْصٍ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ إِثْبَاتُ تَعَدُّدِ الصُّوَرِ الرُّوحَانِيَّةِ لَا الْجُسْمَانِيَّةِ. انْتَهَى.

وَقَدْ قَرَّرْتُ نَظِيرَ ذَلِكَ فِي الرُّوحِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي بَابِ مَقَرِّ الْأَرْوَاحِ فِي كِتَابِ الْبَرْزَخِ، قَالَ الشمس الداودي: قَالَ مُؤَلِّفُهُ شَيْخُنَا رضي الله عنه وَأَرْضَاهُ -: أَلَّفُتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، أَحْسَنَ اللَّهُ خِتَامَهَا بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ.

[تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ: فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ رُؤْيَةِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَةِ، وَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ مِمَّنْ لَا قَدَمَ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ بَالَغُوا فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ وَادَّعَوْا أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، فَأَلَّفْتُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ فِي ذَلِكَ وَسَمَّيْتُهَا: تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ، وَنَبْدَأُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» ) وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ أبي بكرة، وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ [الْأَنْصَارِيِّ] قَالَ الْعُلَمَاءُ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ (فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ) فَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْقِيَامَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بِلَا فَائِدَةٍ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ لِأَنَّ كُلَّ أُمَّتِهِ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ رَآهُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يَرَهُ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ غَائِبًا عَنْهُ فَيَكُونُ مُبَشِّرًا لَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَمَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ - يَعْنِي بِعَيْنَيْ

ص: 307

رَأْسِهِ - وَقِيلَ: بِعَيْنٍ فِي قَلْبِهِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أبو محمد بن أبي جمرة فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَاهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ رَآهُ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ فَسَيَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَهَلْ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، أَوْ هَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ؟ وَهَلْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ رَآهُ مُطْلَقًا أَوْ خَاصٌّ بِمَنْ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَالِاتِّبَاعُ لِسُنَّتِهِ عليه السلام؟ اللَّفْظُ يُعْطِي الْعُمُومَ، وَمَنْ يَدَّعِي الْخُصُوصَ فِيهِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم فَمُتَعَسِّفٌ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِعُمُومِهِ، وَقَالَ عَلَى مَا أَعْطَاهُ عَقْلُهُ: وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَرَاهُ الْحَيُّ فِي عَالَمِ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: وَفِي قَوْلِ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْمَحْذُورِ وَجْهَانِ خَطِرَانِ، أَحَدُهُمَا: عَدَمُ التَّصْدِيقِ لِقَوْلِ الصَّادِقِ عليه السلام الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَالثَّانِي: الْجَهْلُ بِقُدْرَةِ الْقَادِرِ وَتَعْجِيزِهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73] وَقِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام فِي الْأَرْبَعِ مِنَ الطَّيْرِ، وَقِصَّةَ عُزَيْرٍ، فَالَّذِي جَعَلَ ضَرْبَ الْمَيِّتِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ سَبَبًا لِحَيَاتِهِ، وَجَعَلَ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ سَبَبًا لِإِحْيَاءِ الطُّيُورِ، وَجَعَلَ تَعَجُّبَ عُزَيْرٍ سَبَبًا لِمَوْتِهِ وَمَوْتِ حِمَارِهِ ثُمَّ لِإِحْيَائِهِمَا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ - قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ رُؤْيَتَهُ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ سَبَبًا لِرُؤْيَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - أَظُنُّهُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ فَتَذَكَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَبَقِيَ يُفَكِّرُ فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - أَظُنُّهَا ميمونة - فَقَصَّ عَلَيْهَا قِصَّتَهُ، فَقَامَتْ وَأَخْرَجَتْ لَهُ مِرْآتَهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ رضي الله عنه: فَنَظَرْتُ فِي الْمِرْآةِ فَرَأَيْتُ صُورَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ أَرَ لِنَفْسِي صُورَةً، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهَلُمَّ جَرَّا [عَنْ جَمَاعَةٍ] مِمَّنْ كَانُوا رَأَوْهُ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ وَكَانُوا مِمَّنْ يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَرَأَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَانُوا مِنْهَا مُتَشَوِّشِينَ فَأَخْبَرَهُمْ بِتَفْرِيجِهَا وَنَصَّ لَهُمْ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ فَرْجُهَا، فَجَاءَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، قَالَ: وَالْمُنْكِرُ لِهَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يُكَذِّبَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِهَا فَقَدْ سَقَطَ الْبَحْثُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يُكَذِّبُ مَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِهَا فَهَذِهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُكْشَفُ لَهُمْ بِخَرْقِ الْعَادَةِ عَنْ أَشْيَاءَ فِي الْعَالَمَيْنِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ عَدِيدَةٍ، فَلَا يُنْكَرُ هَذَا مَعَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ وَلَيْسَ بِخَاصٍّ بِمَنْ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَالِاتِّبَاعُ

ص: 308

لِسُنَّتِهِ عليه السلام مُرَادُهُ وُقُوعُ الرُّؤْيَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا فِي الْيَقَظَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ فِي الْمَنَامِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً تَحْقِيقًا لِوَعْدِهِ الشَّرِيفِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ لِلْعَامَّةِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، فَلَا يَخْرُجُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى يَرَاهُ وَفَاءً بِوَعْدِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَحْصُلُ لَهُمُ الرُّؤْيَةُ فِي طُولِ حَيَاتِهِمْ إِمَّا كَثِيرًا وَإِمَّا قَلِيلًا بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِمْ وَمُحَافَظَتِهِمْ عَلَى السُّنَّةِ، وَالْإِخْلَالُ بِالسُّنَّةِ مَانِعٌ كَبِيرٌ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مطرف قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: قَدْ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتَرَكَ ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مطرف قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ [فِيهِ] فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ، إِنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ، قَالَ النووي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ كَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ فَكَانَ يَصْبِرُ عَلَى أَلَمِهَا، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَاكْتَوَى وَانْقَطَعَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَكَ الْكَيَّ فَعَادَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي، أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُشَاعَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَالَ القرطبي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِكْرَامًا لَهُ وَاحْتِرَامًا إِلَى أَنِ اكْتَوَى فَتَرَكَتِ السَّلَامَ عَلَيْهِ، فَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ. انْتَهَى.

وَأَخْرَجَ الحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: اعْلَمْ يَا مطرف أَنَّهُ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيَّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَأْسِي وَعِنْدَ الْبَيْتِ وَعِنْدَ بَابِ الْحُجْرَةِ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ ذَهَبَ ذَاكَ، قَالَ: فَلَمَّا بَرَأَ كَلَّمَهُ، قَالَ: اعْلَمْ يَا مطرف أَنَّهُ عَادَ إِلَيَّ الَّذِي كُنْتُ أَفْقِدُ، اكْتُمْ عَلَيَّ حَتَّى أَمُوتَ. فَانْظُرْ كَيْفَ حُجِبَ عمران عَنْ سَمَاعِ تَسْلِيمِ الْمَلَائِكَةِ لِكَوْنِهِ اكْتَوَى مَعَ شِدَّةِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَيَّ خِلَافُ السُّنَّةِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ عَلَى طَرِيقِ التَّحْرِيمِ لَمْ يَكْتَوِ عمران مَعَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ رَكِبَ الْمَكْرُوهَ فَفَارَقَهُ مَلَكٌ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَحَزِنَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلَمَّا اكْتَوَى بِسَبَبِ مَرَضِهِ تَرَكُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَيَّ يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ إِلَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعَبْدُ، وَطَلَبُ الشِّفَاءِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي جَوَازِ الْكَيِّ، وَلَكِنَّهُ قَادِحٌ فِي التَّوَكُّلِ وَهِيَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ وَرَاءَ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ، وَأَخْرَجَ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ

ص: 309

قَتَادَةَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُصَافِحُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ حَتَّى اكْتَوَى فَتَنَحَّتْ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ: مَا قَدِمَ عَلَيْنَا الْبَصْرَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً تُسَلِّمُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ جَوَانِبِ بَيْتِهِ.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وأبو نعيم، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ غزالة قَالَتْ: كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يَأْمُرُنَا أَنْ نَكْنُسَ الدَّارَ، وَنَسْمَعُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَلَا نَرَى أَحَدًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ: ثُمَّ إِنَّنِي لَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْعُلُومِ أَقْبَلْتُ بِهِمَّتِي عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ وَالْقَدْرُ الَّذِي أَذْكُرُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ابْنِي، عَلِمْتُ يَقِينًا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُمُ السَّالِكُونَ لِطُرُقِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَأَنَّ سَيْرَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ أَحْسَنُ السِّيَرِ، وَطَرِيقَهُمْ أَحْسَنُ الطُّرُقِ، وَأَخْلَاقَهُمْ أَزْكَى الْأَخْلَاقِ، بَلْ لَوْ جُمِعَ عَقْلُ الْعُقَلَاءِ وَحِكْمَةُ الْحُكَمَاءِ وَعِلْمُ الْوَاقِفِينَ عَلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِيُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ سِيَرِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَيُبَدِّلُوهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ جَمِيعَ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ مُقْتَبَسَةٌ [مِنْ نُورِ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ] وَلَيْسَ وَرَاءَ نُورِ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ - إِلَى أَنْ قَالَ: حَتَّى إِنَّهُمْ وَهُمْ فِي يَقَظَتِهِمْ يُشَاهِدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُمْ أَصْوَاتًا وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُمْ فَوَائِدَ ثُمَّ يَتَرَقَّى الْحَالُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الصُّوَرِ وَالْأَمْثَالِ إِلَى دَرَجَاتٍ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ النُّطْقِ، هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.

وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي كِتَابِ قَانُونِ التَّأْوِيلِ: ذَهَبَتِ الصُّوفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ طَهَارَةُ النَّفْسِ فِي تَزْكِيَةِ الْقَلْبِ وَقَطْعُ الْعَلَائِقِ وَحَسْمُ مَوَادِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْخُلْطَةِ بِالْجِنْسِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ عِلْمًا دَائِمًا وَعَمَلًا مُسْتَمِرًّا كُشِفَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَرَأَى الْمَلَائِكَةَ وَسَمِعَ أَقَوَالَهُمْ وَاطَّلَعَ عَلَى أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَمِعَ كَلَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ عِنْدِهِ: وَرُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَسَمَاعُ كَلَامِهِمْ مُمْكِنٌ لِلْمُؤْمِنِ كَرَامَةً وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَةً. انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ عز الدين بن عبد السلام فِي الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى: وَقَالَ ابن الحاج فِي الْمَدْخَلِ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَةِ بَابٌ ضَيِّقٌ وَقَلَّ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى صِفَةٍ عَزِيزٌ وُجُودُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ عُدِمَتْ غَالِبًا، مَعَ أَنَّنَا لَا نُنْكِرُ مَنْ يَقَعُ لَهُ هَذَا مِنَ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ حَفِظَهُمُ

ص: 310

اللَّهُ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ، قَالَ: وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَةِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: الْعَيْنُ الْفَانِيَةُ لَا تَرَى الْعَيْنَ الْبَاقِيَةَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي دَارِ الْبَقَاءِ وَالرَّائِي فِي دَارِ الْفَنَاءِ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أبو محمد بن أبي جمرة يَحِلُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَيَرُدُّهُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ يَرَى اللَّهَ وَهُوَ لَا يَمُوتُ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَمُوتُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً. انْتَهَى.

وَقَالَ الْقَاضِي شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي فِي كِتَابِ تَوْثِيقِ عُرَى الْإِيمَانِ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ: الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ مَا قُبِضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ، وَقَدْ رَأَى نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَأَخْبَرَ - وَخَبَرُهُ صِدْقٌ - أَنَّ صَلَاتَنَا مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ وَأَنَّ سَلَامَنَا يَبْلُغُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ الْبَارِزِيُّ: وَقَدْ سُمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلِهِ أَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَةِ حَيًّا بَعْدَ وَفَاتِهِ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْبَيَانِ نَبَأَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْفُوظٍ الدِّمَشْقِيِّ فِي نَظِيمَتِهِ. انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أكمل الدين البابرتي الحنفي فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي حَدِيثِ (مَنْ رَآنِي) : الِاجْتِمَاعُ بِالشَّخْصَيْنِ يَقَظَةً وَمَنَامًا لِحُصُولِ مَا بِهِ الِاتِّحَادُ، وَلَهُ خَمْسَةُ أُصُولٍ: كُلِّيَّةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الذَّاتِ، أَوْ فِي صِفَةٍ فَصَاعِدًا، أَوْ فِي حَالٍ فَصَاعِدًا، أَوْ فِي الْأَفْعَالِ، أَوْ فِي الْمَرَاتِبِ، وَكُلُّ مَا يُتَعَقَّلُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَبِحَسْبِ قُوَّتِهِ عَلَى مَا بِهِ الِاخْتِلَافُ وَضَعْفِهِ يَكْثُرُ الِاجْتِمَاعُ وَيَقِلُّ، وَقَدْ يَقْوَى عَلَى ضِدِّهِ فَتَقْوَى الْمَحَبَّةُ بِحَيْثُ يَكَادُ الشَّخْصَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ، وَمَنْ حَصَّلَ الْأُصُولَ الْخَمْسَةَ وَثَبَتَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْوَاحِ الْكُمَّلِ الْمَاضِينَ اجْتَمَعَ بِهِمْ مَتَى شَاءَ، وَقَالَ الشَّيْخُ صفي الدين بن أبي المنصور فِي رِسَالَتِهِ، وَالشَّيْخُ عفيف الدين اليافعي فِي رَوْضِ الرَّيَاحِينِ: قَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ قُدْوَةُ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ وَبَرَكَةُ أَهْلِ زَمَانِهِ أبو عبد الله القرشي: لَمَّا جَاءَ الْغَلَاءُ الْكَبِيرُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، تَوَجَّهْتُ لِأَنْ أَدْعُوَ، فَقِيلَ لِي: لَا تَدْعُ، فَمَا يُسْمَعُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ دُعَاءٌ، فَسَافَرْتُ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى قَرِيبِ ضَرِيحِ الْخَلِيلِ عليه السلام تَلَقَّانِي الْخَلِيلُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ ضِيَافَتِي عِنْدَكَ الدُّعَاءَ لِأَهْلِ مِصْرَ، فَدَعَا لَهُمْ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ اليافعي: وَقَوْلُهُ: تَلَقَّانِي الْخَلِيلُ، قَوْلُ حَقٍّ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَاهِلٌ بِمَعْرِفَةِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يُشَاهِدُونَ فِيهَا مَلَكُوتَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيَنْظُرُونَ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءً غَيْرَ أَمْوَاتٍ كَمَا نَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُوسَى عليه السلام فِي الْأَرْضِ، وَنَظَرَهُ أَيْضًا هُوَ

ص: 311

وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ وَسَمِعَ مِنْهُمْ مُخَاطَبَاتٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا جَازَ لِلْأَنْبِيَاءِ مُعْجِزَةً جَازَ لِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةً بِشَرْطِ عَدَمِ التَّحَدِّي. انْتَهَى.

وَقَالَ الشَّيْخُ سراج الدين بن الملقن فِي طَبَقَاتِ الْأَوْلِيَاءِ: قَالَ الشَّيْخُ عبد القادر الكيلاني: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الظُّهْرِ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ لِمَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَنَا رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ كَيْفَ أَتَكَلَّمُ عَلَى فُصَحَاءِ بَغْدَادَ؟ فَقَالَ: افْتَحْ فَاكَ، فَفَتَحْتُهُ، فَتَفَلَ فِيهِ سَبْعًا وَقَالَ: تَكَلَّمْ عَلَى النَّاسِ وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، فَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ وَجَلَسْتُ وَحَضَرَنِي خَلْقٌ كَثِيرٌ فَارْتُجَّ عَلَيَّ، فَرَأَيْتُ عَلِيًّا قَائِمًا بِإِزَائِي فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ لِمَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ قَدِ ارْتُجَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: افْتَحْ فَاكَ، فَفَتَحْتُهُ فَتَفَلَ فِيهِ سِتًّا، فَقُلْتُ: لِمَ لَا تُكْمِلُهَا سَبْعًا؟ قَالَ: أَدَبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ تَوَارَى عَنِّي فَقُلْتُ: غَوَّاصُ الْفِكْرِ يَغُوصُ فِي بَحْرِ الْقَلْبِ عَلَى دُرَرِ الْمَعَارِفِ فَيَسْتَخْرِجُهَا إِلَى سَاحِلِ الصَّدْرِ فَيُنَادِي عَلَيْهَا تُرْجُمَانُ اللِّسَانِ فَتَشْتَرِي بِنَفَائِسِ أَثْمَانٍ حُسْنَ الطَّاعَةِ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، وَقَالَ أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ خليفة بن موسى النهرملكي: كَانَ كَثِيرَ الرُّؤْيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقَظَةً وَمَنَامًا فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَكْثَرَ أَفْعَالِهِ مُتَلَقَّاةٌ مِنْهُ بِأَمْرٍ مِنْهُ إِمَّا يَقَظَةً وَإِمَّا مَنَامًا، وَرَآهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، قَالَ لَهُ فِي إِحْدَاهُنَّ: يَا خليفة لَا تَضْجَرْ مِنِّي، كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مَاتَ بِحَسْرَةِ رُؤْيَتِي، وَقَالَ الكمال الأدفوي فِي الطَّالِعِ السَّعِيدِ فِي تَرْجَمَةِ الصفي أبي عبد الله محمد بن يحيى الأسواني نَزِيلِ أَخْمِيمَ مِنْ أَصْحَابِ أبي يحيى بن شافع: كَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَلَهُ مُكَاشَفَاتٌ وَكَرَامَاتٌ كَتَبَ عَنْهُ ابن دقيق العيد، وابن النعمان، والقطب العسقلاني، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ يَرَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيَجْتَمِعُ بِهِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ عبد الغفار بن نوح القوصي فِي كِتَابِهِ الْوَحِيدِ: مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أبي يحيى أبو عبد الله الأسواني الْمُقِيمُ بِأَخْمِيمَ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّهُ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ سَاعَةٍ حَتَّى لَا تَكَادُ سَاعَةٌ إِلَّا وَيُخْبِرُ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْوَحِيدِ أَيْضًا: كَانَ لِلشَّيْخِ أبي العباس المرسي وُصْلَةٌ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ عليه السلام وَيُجَاوِبُهُ إِذَا تَحَدَّثَ مَعَهُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ تاج الدين بن عطاء الله فِي لَطَائِفِ الْمِنَنِ، قَالَ رَجُلٌ لِلشَّيْخِ أبي العباس المرسي: يَا سَيِّدِي صَافِحْنِي بِكَفِّكَ هَذِهِ فَإِنَّكَ لَقِيتَ رِجَالًا وَبِلَادًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا صَافَحْتُ بِكَفِّي هَذِهِ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: وَقَالَ الشَّيْخُ: لَوْ حُجِبَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -

ص: 312

طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا عَدَدْتُ نَفْسِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الشَّيْخُ صفي الدين بن أبي المنصور فِي رِسَالَتِهِ، وَالشَّيْخُ عبد الغفار فِي الْوَحِيدِ: حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أبي الحسن الوناني قَالَ: أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أبو العباس الطنجي قَالَ: وَرَدْتُ عَلَى سَيِّدِي أحمد بن الرفاعي فَقَالَ لِي: مَا أَنَا شَيْخُكَ، شَيْخُكَ عبد الرحيم بِقِنَا، فَسَافَرْتُ إِلَى قِنَا، فَدَخَلْتُ عَلَى الشَّيْخِ عبد الرحيم فَقَالَ لِي: عَرَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: رُحْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى تَعْرِفَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَحِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي وَإِذَا بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ مَمْلُوءَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَجَعْتُ إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ لِي: عَرَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: الْآنَ كَمُلَتْ طَرِيقَتُكَ، لَمْ تَكُنِ الْأَقْطَابُ أَقْطَابًا وَالْأَوْتَادُ أَوْتَادًا وَالْأَوْلِيَاءُ أَوْلِيَاءً إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ فِي الْوَحِيدِ: وَمِمَّنْ رَأَيْتُهُ بِمَكَّةَ الشَّيْخُ عبد الله الدلاصي، أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ لَهُ صَلَاةٌ فِي عُمْرِهِ إِلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَأَحْرَمْتُ أَخَذَتْنِي أَخْذَةٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي إِمَامًا وَخَلْفَهُ الْعَشَرَةُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَقَرَأَ صلى الله عليه وسلم فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ وَفِي الثَّانِيَةِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ لَا طَمَعًا فِي بِرِّكَ وَلَا رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَكَ لِأَنَّ لَكَ الْمِنَّةَ عَلَيْنَا بِإِيجَادِنَا قَبْلَ أَنْ لَمْ نَكُنْ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَلَّمَ الْإِمَامُ فَعَقَلْتُ تَسْلِيمَهُ فَسَلَّمْتُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ صفي الدين فِي رِسَالَتِهِ: قَالَ لِي الشَّيْخُ أبو العباس الحرار: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً فَوَجَدْتُهُ يَكْتُبُ مَنَاشِيرَ لِلْأَوْلِيَاءِ بِالْوِلَايَةِ، وَكَتَبَ لِأَخِي محمد مِنْهُمْ مَنْشُورًا قَالَ: وَكَانَ أَخُو الشَّيْخِ كَبِيرًا فِي الْوِلَايَةِ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ نُورٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ وَلِيٌّ، فَسَأَلْنَا الشَّيْخَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَفَخَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِهِ فَأَثَّرَتِ النَّفْخَةُ هَذَا النُّورَ.

قَالَ الشَّيْخُ صفي الدين: وَرَأَيْتُ الشَّيْخَ الْجَلِيلَ الْكَبِيرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيَّ أَجَلَّ أَصْحَابِ الشيخ القرشي، وَكَانَ أَكْثَرَ إِقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ لَهُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصْلَةٌ وَأَجْوِبَةٌ وَرَدٌّ لِلسَّلَامِ، حَمَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رِسَالَةً لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَتَوَجَّهَ بِهَا إِلَى مِصْرَ وَأَدَّاهَا وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَمِمَّنْ رَأَيْتُ بِمِصْرَ الشَّيْخَ أبا العباس العسقلاني أَخَصَّ أَصْحَابِ الشيخ القرشي، زَاهِدَ مِصْرَ فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بِمَكَّةَ يُقَالُ أَنَّهُ

ص: 313

دَخَلَ مَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ اللَّهُ بِيَدِكَ يَا أحمد.

وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ فَقِيهٍ فَرَوَى ذَلِكَ الْفَقِيهُ حَدِيثًا، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ بَاطِلٌ، فَقَالَ الْفَقِيهُ: وَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِكَ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَقُلْ هَذَا الْحَدِيثَ، وَكُشِفَ لِلْفَقِيهِ فَرَآهُ، وَفِي كِتَابِ الْمِنَحِ الْإِلَهِيَّةِ فِي مَنَاقِبِ السَّادَةِ الْوَفَائِيَّةِ لابن فارس قَالَ: سَمِعْتُ سَيِّدِي عليا رضي الله عنه يَقُولُ: كُنْتُ وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الشَّيْخُ يعقوب، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقَظَةً لَا مَنَامًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ قُطْنٌ ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَمِيصَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ وَالضُّحَى وَأَلَمْ نَشْرَحْ ثُمَّ غَابَ عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ بَلَغْتُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً أَحْرَمْتُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالْقَرَافَةِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُبَالَةَ وَجْهِي فَعَانَقَنِي، وَقَالَ لِي: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، فَأُوتِيتُ لِسَانَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ. انْتَهَى.

وَفِي بَعْضِ الْمَجَامِيعِ: حَجَّ سَيِّدِي أحمد الرفاعي فَلَمَّا وَقَفَ تُجَاهَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ أَنْشَدَ:

فِي حَالَةِ الْبُعْدِ رُوحِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا

تُقَبِّلُ الْأَرْضَ عَنِّي فَهْيَ نَائِبَتِي

وَهَذِهِ نَوْبَةُ الْأَشْبَاحِ قَدْ حَضَرَتْ

فَامْدُدْ يَمِينَكَ كَيْ تَحْظَى بِهَا شَفَتِي

فَخَرَجَتِ الْيَدُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَقَبَّلَهَا، وَفِي مُعْجَمِ الشَّيْخِ برهان الدين البقاعي قَالَ: حَدَّثَنِي الْإِمَامُ أبو الفضل بن أبي الفضل النويري أَنَّ السيد نور الدين الإيجي وَالِدَ الشريف عفيف الدين لَمَّا وَرَدَ إِلَى الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَمِعَ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ قَائِلًا مِنَ الْقَبْرِ يَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا وَلَدِي، وَقَالَ الْحَافِظُ محب الدين بن النجار فِي تَارِيخِهِ: أَخْبَرَنِي أبو أحمد داود بن علي بن هبة الله بن المسلمة أَنَا أبو الفرح المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور قَالَ: حَكَى شَيْخُنَا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد الصوفي الكرخي قَالَ: حَجَجْتُ وَزُرْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ الْحُجْرَةِ إِذْ دَخَلَ الشَّيْخُ أبو بكر الدياربكري وَوَقَفَ بِإِزَاءِ وَجْهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ دَاخِلِ الْحُجْرَةِ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أبا بكر، وَسَمِعَهُ مَنْ حَضَرَ.

وَفِي كِتَابِ مِصْبَاحِ الظَّلَامِ فِي الْمُسْتَغِيثِينَ بِخَيْرِ الْأَنَامِ للإمام شمس الدين محمد بن موسى بن النعمان قَالَ: سَمِعْتُ يوسف بن علي الزناني يَحْكِي عَنِ امْرَأَةٍ هَاشِمِيَّةٍ كَانَتْ

ص: 314

مُجَاوِرَةً بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ بَعْضُ الْخُدَّامِ يُؤْذِيهَا، قَالَتْ: فَاسْتَغَثْتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْتُ قَائِلًا مِنَ الرَّوْضَةِ يَقُولُ: أَمَا لَكِ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ فَاصْبِرِي كَمَا صَبَرْتُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، قَالَتْ: فَزَالَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ وَمَاتَ الْخُدَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَنِي، وَقَالَ ابن السمعاني فِي الدَّلَائِلِ: أَخْبَرَنَا أبو بكر هبة الله بن الفرج أَخْبَرَنَا أبو القاسم يوسف بن محمد بن يوسف الخطيب أَخْبَرَنَا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب حَدَّثَنَا علي بن إبراهيم بن علان أَخْبَرَنَا علي بن محمد بن علي حَدَّثَنَا أحمد بن الهيثم الطائي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أبي صادق عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَعْرَابِيٌّ بَعْدَ مَا دَفَنَّا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَثَا مِنْ تُرَابِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ فَسَمِعْنَا قَوْلَكَ وَوَعَيْتَ عَنِ اللَّهِ فَأَوْعَيْنَا عَنْكَ، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] وَقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَجِئْتُكَ تَسْتَغْفِرَ لِي، فَنُودِيَ مِنَ الْقَبْرِ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَكَ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ مُزِيلِ الشُّبُهَاتِ فِي إِثْبَاتِ الْكَرَامَاتِ لِلْإِمَامِ عماد الدين إسماعيل بن هبة الله بن باطيس مَا نَصُّهُ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى إِثْبَاتِ الْكَرَامَاتِ آثَارٌ مَنْقُولَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه قَالَ لعائشة رضي الله عنها: إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، قَالَتْ: هَذَانِ أَخَوَايَ محمد وعبد الرحمن، فَمَنْ أُخْتَايَ وَلَيْسَ لِي إِلَّا أسماء، فَقَالَ: ذُو بَطْنِ ابْنَةِ خَارِجَةَ قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهَا جَارِيَةٌ، فَوَلَدَتْ أم كلثوم، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ سَارِيَةَ حَيْثُ نَادَى وَهُوَ فِي الْخُطْبَةِ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ الْجَبَلَ، فَأَسْمَعَ اللَّهُ سَارِيَةَ كَلَامَهُ وَهُوَ بِنَهَاوَنْدَ، وَقِصَّتُهُ مَعَ نِيلِ مِصْرَ وَمُرَاسَلَتُهُ إِيَّاهُ وَجَرَيَانُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ثُمَّ أَتَيْتُ عثمان لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ - وَهُوَ مَحْصُورٌ - فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأَخِي، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْخُوخَةِ فَقَالَ: يَا عثمان حَصَرُوكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: عَطَّشُوكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَدْلَى لِي دَلْوًا فِيهِ مَاءٌ فَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ حَتَّى إِنِّي لَأَجِدُ بَرْدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَبَيْنَ كَتِفَيَّ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ نُصِرْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْطَرْتَ عِنْدَنَا، فَاخْتَرْتُ أَنْ أُفْطِرَ عِنْدَهُ، فَقُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ. انْتَهَى.

وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ عَنْ عثمان - مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِالْإِسْنَادِ - أَخْرَجَهَا الحارث بن أبي أسامة فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ فَهِمَ الْمُنْصِفُ مِنْهَا أَنَّهَا رُؤْيَةُ يَقَظَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ عَدُّهَا فِي الْكَرَامَاتِ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَنَامِ يَسْتَوِي فِيهَا كُلُّ أَحَدٍ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْخَوَارِقِ الْمَعْدُودَةِ فِي

ص: 315

الْكَرَامَاتِ وَلَا يُنْكِرُهَا مَنْ يُنْكِرُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابن باطيس فِي هَذَا الْكِتَابِ قَالَ: وَمِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ سَمْعُونَ الْبَغْدَادِيُّ الصُّوفِيُّ، قَالَ أبو طاهر محمد بن علي العلان: حَضَرْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ سَمْعُونَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ الْوَعْظِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ يَتَكَلَّمُ فَكَانَ أَبُو الْفَتْحِ الْقَوَّاسُ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ الْكُرْسِيِّ فَغَشِيَهُ النُّعَاسُ وَنَامَ، فَأَمْسَكَ أبو الحسين سَاعَةً عَنِ الْكَلَامِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ أبو الفتح وَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ أبو الحسين: رَأَيْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نَوْمِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أبو الحسين: لِذَلِكَ أَمْسَكْتُ عَنِ الْكَلَامِ خَوَفَ أَنْ تَنْزَعِجَ وَيَنْقَطِعَ مَا كُنْتَ فِيهِ، فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ سَمْعُونَ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقَظَةً لَمَّا حَضَرَ وَرَآهُ أبو الفتح فِي نَوْمِهِ، وَقَالَ أبو بكر بن أبيض فِي جُزْئِهِ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بَنَانًا الْحَمَّالَ الزَّاهِدَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بابن ثابت قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتِّينَ سَنَةً لَيْسَ إِلَّا لِلسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَرْجِعُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ تَخَلَّفَ لِشُغْلٍ أَوْ سَبَبٍ فَقَالَ: بَيْنَا هُوَ قَاعِدٌ فِي الْحُجْرَةِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: يَا ابن ثابت لَمْ تَزُرْنَا فَزُرْنَاكَ.

تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَكْثَرُ مَا تَقَعُ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَةِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ يَتَرَقَّى إِلَى أَنْ يُرَى بِالْبَصَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَمْرَانِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، لَكِنْ لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ كَالرُّؤْيَةِ الْمُتَعَارَفَةِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا هِيَ جَمْعِيَّةٌ حَالِيَّةٌ وَحَالَةٌ بَرْزَخِيَّةٌ وَأَمْرٌ وُجْدَانِيٌّ لَا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَنْ بَاشَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الشَّيْخِ عبد الله الدلاصي، فَلَمَّا أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَأَحْرَمْتُ أَخَذَتْنِي أَخْذَةٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَخَذَةٌ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ.

الثَّانِي: هَلِ الرُّؤْيَةُ لَذَاتِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم بِجِسْمِهِ وَرُوحِهِ أَوْ لِمِثَالِهِ؟ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ يَقُولُونَ بِالثَّانِي وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُرَى جِسْمُهُ وَبَدَنُهُ بَلْ مِثَالًا لَهُ صَارَ ذَلِكَ الْمِثَالُ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِهِ، قَالَ: وَالْآلَةُ تَارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وَتَارَةً تَكُونُ خَيَالِيَّةً، وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالِ الْمُتَخَيَّلِ، فَمَا رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هُوَ رُوحَ الْمُصْطَفَى وَلَا شَخْصَهُ بَلْ هُوَ مِثَالٌ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، قَالَ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فَإِنَّ ذَاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ، وَلَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ حَقًّا فِي كَوْنِهِ وَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ فَيَقُولُ الرَّائِي: رَأَيْتُ اللَّهَ فِي الْمَنَامِ، لَا يَعْنِي أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. انْتَهَى.

ص: 316

وَفَصَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَرُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَلَا يَمْتَنِعُ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَحْيَاءٌ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ مَا قُبِضُوا وَأُذِنَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَلَكُوتِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَقَدْ أَلَّفَ الْبَيْهَقِيُّ جُزْءًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ؛ وَقَالَ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ: الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ مَا قُبَضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَنَّهُ يُبَشَّرُ بِطَاعَاتِ أُمَّتِهِ وَيَحْزَنُ بِمَعَاصِي الْعُصَاةِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ تَبْلُغُهُ صَلَاةُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلُونَ وَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ شَيْئًا، وَقَدْ مَاتَ مُوسَى فِي زَمَانِهِ فَأَخْبَرَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ رَآهُ فِي قَبْرِهِ مُصَلِّيًا، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ رَآهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَرَأَى آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِذَا صَحَّ لَنَا هَذَا الْأَصْلُ قُلْنَا: نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم قَدْ صَارَ حَيًّا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَهُوَ عَلَى نُبُوَّتِهِ. انْتَهَى، وَقَالَ القرطبي فِي التَّذْكِرَةِ فِي حَدِيثِ الصَّعْقَةِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ: الْمَوْتُ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ وَمَوْتِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الشُّهَدَاءِ فَالْأَنْبِيَاءُ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَأَوْلَى، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي السَّمَاءِ وَرَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ جُمْلَتِهِ الْقَطْعُ بِأَنَّ مَوْتَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنْ غُيِّبُوا عَنَّا بِحَيْثُ لَا نُدْرِكُهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ كَالْحَالِ فِي الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ مَوْجُودِينَ أَحْيَاءً وَلَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ نَوْعِنَا إِلَّا مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ. انْتَهَى.

وَأَخْرَجَ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ» ) وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي الْجَامِعِ قَالَ: قَالَ شَيْخٌ لَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مَا مَكَثَ نَبِيٌّ فِي قَبْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى يُرْفَعَ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَصِيرُونَ كَسَائِرِ الْأَحْيَاءِ يَكُونُونَ حَيْثُ يُنْزِلُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَوَى عبد الرزاق فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أبي المقدام عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مَا

ص: 317

مَكَثَ نَبِيٌّ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وأبو المقدام هُوَ ثابت بن هرمز [الكوفي] شَيْخٌ صَالِحٌ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وأبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» ) وَقَالَ إمام الحرمين فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ الرافعي فِي الشَّرْحِ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ» ) زَادَ إمام الحرمين: وَرُوِيَ: أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ الْحَنْبَلِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ حَدِيثًا أَنَّ اللَّهَ لَا يَتْرُكُ نَبِيًّا فِي قَبْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ.

وَقَالَ الْإِمَامُ بدر الدين بن الصاحب فِي تَذْكِرَتِهِ - فَصْلٌ فِي حَيَاتِهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ تَصْرِيحُ الشَّارِعِ وَإِيمَاؤُهُ، وَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] فَهَذِهِ الْحَالَةُ وَهِيَ الْحَيَاةُ فِي الْبَرْزَخِ بَعْدَ الْمَوْتِ حَاصِلَةٌ لِآحَادِ الْأُمَّةِ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَحَالُهُمْ أَعْلَى وَأَفْضَلُ مِمَّنْ تَكُنْ لَهُ هَذِهِ الرُّتْبَةُ لَا سِيَّمَا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا تَكُونُ رُتْبَةُ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ أَعْلَى مِنْ رُتْبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَلْ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ هَذِهِ الرُّتْبَةُ بِتَزْكِيَتِهِ وَتَبَعِيَّتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذِهِ الرُّتْبَةَ بِالشَّهَادَةِ، وَالشَّهَادَةِ حَاصِلَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ، وَقَالَ عليه السلام:( «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ» ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الْحَيَاةِ لِمُوسَى فَإِنَّهُ وَصَفَهُ بِالصَّلَاةِ وَأَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوصَفُ بِهِ الرُّوحُ وَإِنَّمَا وُصِفَ بِهِ الْجَسَدُ، وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالْقَبْرِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْصَافِ الرُّوحِ لَمْ يَحْتَجْ لِتَخْصِيصِهِ بِالْقَبْرِ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ مَسْجُونَةٌ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْأَجْسَادِ، وَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ أَوِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ.

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَاضِعًا أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا» "، سُئِلَ هُنَا: كَيْفَ ذَكَرَ حَجَّهُمْ وَتَلْبِيَتَهُمْ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَهُمْ فِي الْأُخْرَى وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحُجُّوا وَيُصَلُّوا وَيَتَقَرَّبُوا بِمَا اسْتَطَاعُوا، وَأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي

ص: 318

الْأُخْرَى فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْعَمَلِ حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ مُدَّتُهَا وَاعْتَقَبَتْهَا الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ، هَذَا لَفْظُ الْقَاضِي عِيَاضٍ، فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَقُولُ: إِنَّهُمْ يَحُجُّونَ بِأَجْسَادِهِمْ وَيُفَارِقُونَ قُبُورَهُمْ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ مُفَارَقَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِقَبْرِهِ؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ حَاجًّا وَإِذَا كَانَ مُصَلِّيًا فَجَسَدُهُ فِي السَّمَاءِ وَلَيْسَ مَدْفُونًا فِي الْقَبْرِ. انْتَهَى.

فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ النُّقُولِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ وَيَسِيرُ حَيْثُ شَاءَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَفِي الْمَلَكُوتِ وَهُوَ بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُغَيَّبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ كَمَا غُيِّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً بِأَجْسَادِهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَفْعَ الْحِجَابِ عَمَّنْ أَرَادَ إِكْرَامَهُ بِرُؤْيَتِهِ رَآهُ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا دَاعِيَ إِلَى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ الْمِثَالِ.

الثَّالِثُ: سُئِلَ بَعْضُهُمْ كَيْفَ يَرَاهُ الرَّاؤُنَ الْمُتَعَدِّدُونَ فِي أَقْطَارٍ مُتَبَاعِدَةٍ؟ فَأَنْشُدُهُمْ:

كَالشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَضَوْؤُهَا

يَغْشَى الْبِلَادَ مَشَارِقًا وَمَغَارِبَا

وَفِي مَنَاقِبِ الشَّيْخِ تاج الدين بن عطاء الله عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ قَالَ: حَجَجْتُ، فَلَمَّا كُنْتُ فِي الطَّوَافِ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تاج الدين فِي الطَّوَافِ فَنَوَيْتُ أَنْ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ جِئْتُ فَلَمْ أَرَهُ ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي عَرَفَةَ كَذَلِكَ وَفِي سَائِرِ الْمَشَاهِدِ كَذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَأَلْتُ عَنِ الشَّيْخِ فَقِيلَ لِي: طَيِّبٌ، فَقُلْتُ: هَلْ سَافَرَ؟ قَالُوا: لَا، فَجِئْتُ إِلَى الشَّيْخِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: مَنْ رَأَيْتَ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي رَأَيْتُكَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ الرَّجُلُ الْكَبِيرُ يَمْلَأُ الْكَوْنَ لَوْ دُعِيَ الْقُطْبُ مِنْ حَجَرٍ لَأَجَابَ، فَإِذَا كَانَ الْقُطْبُ يَمْلَأُ الْكَوْنَ فَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الشَّيْخِ أبي العباس الطنجي أَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ مَمْلُوءَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

الرَّابِعُ: قَالَ قَائِلٌ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ تَثْبُتَ الصُّحْبَةُ لِمَنْ رَآهُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، أَمَّا إِنْ قُلْنَا: بِأَنَّ الْمَرْئِيَّ الْمِثَالُ فَوَاضِحٌ لِأَنَّ الصُّحْبَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ جَسَدًا وَرُوحًا، وَإِنْ قُلْنَا: الْمَرْئِيُّ الذَّاتُ فَشَرْطُ الصُّحْبَةِ أَنْ يَرَاهُ وَهُوَ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ، وَهَذِهِ رُؤْيَةٌ وَهُوَ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ لَا تُثْبِتُ صُحْبَتَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِأَنَّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ عُرِضُوا عَلَيْهِ فَرَآهُمْ وَرَأَوْهُ وَلَمْ تَثْبُتِ الصُّحْبَةُ لِلْجَمِيعِ لِأَنَّهَا رُؤْيَةٌ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ فَلَا تُفِيدُ صُحْبَتَهُ.

خَاتِمَةٌ: أَخْرَجَ أحمد فِي مَسْنَدِهِ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ طَرِيقِ أبي العالية

ص: 319

عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: ( «خَرَجْتُ مِنْ أَهْلِي أُرِيدُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا بِهِ قَائِمٌ وَرَجُلٌ مَعَهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُمَا حَاجَةً، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: لَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ قَامَ بِكَ هَذَا الرَّجُلُ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَكَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ مَا زَالَ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَلَّمْتَ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» ) .

وَأَخْرَجَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ تميم بن سلمة قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذِ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلٌ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ مُوَلِّيًا مُعْتَمًّا بِعِمَامَةٍ قَدْ أَرْسَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: (هَذَا جِبْرِيلُ) » .

وَأَخْرَجَ أحمد وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: ( «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ جِبْرِيلُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَمَرَرْتُ، فَلَمَّا رَجَعْنَا وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ الَّذِي كَانَ مَعِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» ) .

وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنْ حارثة قَالَ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْرَجَ أحمد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ:«كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ فَكَانَ كَالْمُعْرِضِ عَنْ أَبِي فَخَرَجْنَا فَقَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ يُنَاجِيكَ فَهَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَا عبد الله؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ هُوَ الَّذِي يَشْغَلُنِي عَنْكَ» .

وَأَخْرَجَ ابن سعد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:( «عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَنْزِلِهِ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّاخِلِ فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَرَ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ كُنْتَ تُكَلِّمُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ بَعْدَكَ أَكْرَمَ مَجْلِسًا وَلَا أَحْسَنَ حَدِيثًا مِنْهُ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَرِجَالًا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ) وَأَخْرَجَ أبو بكر بن أبي داود فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ عَنْ أبي جعفر قَالَ: «كَانَ أبو بكر يَسْمَعُ مُنَاجَاةَ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» -.

وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: ( «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ عَلَانِيَتُهُ وَسِرُّهُ أَهْلٌ أَنْ تُحْمَدَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ

ص: 320

شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَمِيعَ مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي، وَاعْصِمْنِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي، وَارْزُقْنِي عَمَلًا زَاكِيًا تَرْضَى بِهِ عَنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" ذَاكَ مَلَكٌ أَتَاكَ يُعَلِّمُكَ تَحْمِيدَ رَبِّكَ» ". وَأَخْرَجَ محمد بن نصر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي إِذْ سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، قَالَ: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الذِّكْرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:" «قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَأَدْخُلَنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَأُصَلِيَّنَ وَلَأَحْمِدَنَّ اللَّهَ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمِدْهُ بِهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا صَلَّى وَجَلَسَ لِيَحْمِدَ اللَّهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ بِصَوْتٍ عَالٍ مِنْ خَلْفٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، عَلَانِيَتُهُ وَسِرُّهُ، لَكَ الْحَمْدُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، [اللَّهُمَّ] اغْفِرْ لِي مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي، وَاعْصِمْنِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي، وَارْزُقْنِي أَعْمَالًا زَاكِيَةً تَرْضَى بِهَا عَنِّي، وَتُبْ عَلَيَّ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ» ".

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ محمد بن مسلمة قَالَ:" «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِعًا خَدَّهُ عَلَى خَدِّ رَجُلٍ، فَلَمْ أُسَلِّمْ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقَالَ لِي: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُسَلِّمَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ بِهَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا مَا فَعَلْتَهُ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَ عَلَيْكَ حَدِيثَكَ، فَمَنْ كَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ» ".

وَأَخْرَجَ الحاكم عَنْ عائشة قَالَتْ: " «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَاقِفًا فِي حُجْرَتِي هَذِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنَاجِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: بِمَنْ شَبَّهْتِهِ؟ قُلْتُ: بِدِحْيَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتِ جِبْرِيلَ» ".

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حذيفة قَالَ: " «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ خَرَجَ، فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا عَارِضٌ قَدْ عَرَضَ لَهُ، فَقَالَ لِي: يَا حذيفة هَلْ رَأَيْتَ الْعَارِضَ الَّذِي عَرَضَ لِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَهَا، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَبَشَّرَنِي بالحسن والحسين أَنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ فاطمة سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ".

وَأَخْرَجَ أحمد، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وأبو نعيم، وَالْبَيْهَقِيُّ، كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، «عَنْ أسيد بن حضير، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا هِيَ بِمِثْلِ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَقَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ تَنْظُرُ النَّاسُ

ص: 321

إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» .

وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ:«رَأَيْتُ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلَيْنِ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدُهُمَا وَعَنْ يَسَارِهِ أَحَدُهُمَا، يُقَاتِلَانِ أَشَدَّ الْقِتَالِ، ثُمَّ ثَلَّثَهُمَا ثَالِثٌ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ رَبَّعَهُمَا رَابِعٌ أَمَامَهُ» .

وَأَخْرَجَ إسحاق بن راهويه فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وأبو نعيم وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ مَا عَمِيَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِيَ بَصَرِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى.

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قَالَ: " «جِئْتُ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثَةِ رُءُوسٍ، فَوَضَعْتُهُنَّ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا رَأْسَانِ فَقَتَلْتُهُمَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَرَبَهُ، فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ذَاكَ فُلَانٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» ".

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَلَكُ يَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنَ النَّاسِ يُثَبِّتُونَهُمْ، فَيَقُولُ: إِنِّي دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ حَمَلُوا عَلَيْنَا مَا ثَبَتْنَا، لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] .

وَأَخْرَجَ أحمد، وابن سعد، وَابْنُ جَرِيرٍ، وأبو نعيم فِي الدَّلَائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" «كَانَ الَّذِي أَسَرَ العباس أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ أبو اليسر رَجُلًا جَمُوعًا، وَكَانَ العباس رَجُلًا جَسِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا أبا اليسر كَيْفَ أَسَرْتَ العباس؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، هَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ» ".

وَأَخْرَجَ ابن سعد وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عمار بن أبي عمار:" أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِنِي جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، قَالَ: اقْعُدْ فَقَعَدَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى خَشَبَةٍ كَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ارْفَعْ طَرْفَكَ [فَانْظُرْ، فَرَفَعَ طَرْفَهُ] فَرَأَى قَدَمَيْهِ مِثْلَ الزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ» ".

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:" «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ حُفْرَةٍ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ فَنَادَانِي، يَا عبد الله اسْقِنِي، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ تِلْكَ الْحُفْرَةِ فِي يَدِهِ سَوْطٌ، فَنَادَانِي يَا عبد الله لَا تَسْقِهِ ; فَإِنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ حَتَّى عَادَ إِلَى حُفْرَتِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: أَوَقَدْ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ أبو جهل وَذَاكَ عَذَابُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ".

ص: 322

مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ رُؤْيَتُهُ الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَ عَقِبَهُ وَضَرْبُهُ بِالسَّوْطِ، فَإِنَّهُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِتَعْذِيبِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُقْبَضَ، فَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَوَهَنَ عَظْمِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَأَنَا أُصَلِّي وَأَدْعُو أَنْ أُقْبَضَ، إِذَا أَنَا بِفَتًى شَابٍّ مِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ، وَعَلَيْهِ رَوَاحٌ أَخْضَرُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُو بِهِ؟ قُلْتُ: وَكَيْفَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ حُسْنَ الْعَمَلِ، وَبَلْغَ الْأَجَلِ، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا رَتَايِيلُ الَّذِي يَسُلُّ الْحُزْنَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا.

وَأَخْرَجَ ابن عساكر فِي تَارِيخِهِ، عَنْ سعيد بن سنان قَالَ: أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ سَمِعْتُ حَفِيفًا لَهُ جَنَاحَانِ قَدْ أَقْبَلَ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ الدَّائِمِ الْقَائِمِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى سبحانه وتعالى، ثُمَّ أَقْبَلَ حَفِيفٌ يَتْلُوهُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَفِيفٌ بَعْدَ حَفِيفٍ يَتَجَاوَبُونَ بِهَا حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَإِذَا بَعْضُهُمْ قَرِيبٌ مِنِّي فَقَالَ: آدَمِيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ، هَذِهِ الْمَلَائِكَةُ.

تَذْنِيبٌ: وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ هُنَا مَا أَخْرَجَهُ أبو داود مِنْ طَرِيقِ أبي عمير بن أنس، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، «أَنَّ عبد الله بن زيد قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَأَرَانِي الْأَذَانَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا» . وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، أَنَّ عبد الله بن زيد قَالَ: لَوْلَا اتِّهَامِي لِنَفْسِي لَقُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ نَائِمًا، وَفِي سُنَنِ أبي داود مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى:«جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَأَذَّنَ ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ لَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ يَقْظَانًا غَيْرَ نَائِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا» .

فَقَالَ الشَّيْخُ ولي الدين العراقي فِي شَرْحِ سُنَنِ أبي داود: قَوْلُهُ: " إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ " مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ، فَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّ نَوْمَهُ كَانَ خَفِيفًا قَرِيبًا مِنَ الْيَقَظَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ. قُلْتُ: أَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي تَعْتَرِي أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ وَيُشَاهِدُونَ فِيهَا مَا يُشَاهِدُونَ، وَيَسْمَعُونَ مَا يَسْمَعُونَ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ

ص: 323