الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاعدة السابعة
أقسام البدع
(1)
1 -
تنقسم البدع إلى فعلية وتركية: فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل مثلاً قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه بالحلف أو يتركه قصداً بغير حلف، فهذا الترك إما أن يكون لأمر يُعتبر مثله شرعاً أو لا: فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، كالذي يحرم على نفسه الطعام الفلاني من اجل أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، وكالذي يمنع نفسه من تناول اللحم لكونه مصاباً بمرض الكلى فإنه يهيجه عليه فلا مانع من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض كان الترك هنا مطلوب، فهذا راجع إلى العزم على الحِمْيَة (2) من المضرات، وأصله قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فلْيتزوج، فإنه أغَض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (3) ذلك أنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان، فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذراً من الوقوع في الحرام واستبراءً للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعاماً لا يدرى أهو له أو لغيره.
* وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تديناً أو لا: فإن لم يكن تديناً فالتارك
(1) الاعتصام (1/ 275 - 276)، الإبداع (ص51 - 60)، محاضرات العقيدة والدعوة (1/ 100) بتصرف.
(2)
الحِمْية: الإقلال من الطعام ونحوه مما يضر.
(3)
رواه الإمام البخاري (5066).
عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة لكن التارك يصير عاصياً بتركه أو اعتقاده التحريم فيما أحل الله.
وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين إذ قد فرضنا الفعل جائزاً شرعاً فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل كترك كثير من العُبّاد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكاً وتعبداً لله بتعذيب النفس وحرمانها، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] فنهى أولاً عن تحريم الحلال وأشعر ثانياً بأن ذلك اعتداء وأن من اعتدى لا يحبه الله.
* وكذلك ترك المطلوبات الشرعية وجوباً أو ندباً يسمى بدعة إن كان الترك تديناً، لأنه تدين بضد ما شرع الله، أما تركها كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر فإن كان في واجب فمعصية، وإلا فلا، مثال الترك تديناً: أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حدُّوه وذلك هو الضلال البعيد فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين.
2 -
تنقسم البدع إلى اعتقادية وعملية: البدعة في الدين نوعان:
النوع الأول: بدعة قوليّة اعتقاديّة: كمقالات الجهميّة والمعتزلة والرّافضة (الشيعة) وسائر الفرق الضّالّة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات: كالتّعبّد لله بعبادة لم يشرعها، كالطواف حول الأضرحة والذكر أمام الجنائز وكصلاة الرغائب وصلاة ليلة النصف من شعبان، أو من أعمال القلب التي ليست اعتقادية كالنية في صلاة ركعتين بنية طول العمر مثلاً. وهذا النوع أقسام:
أ- ما يكون في أصل العبادة: بأن يُحْدِث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يُحْدِث صلاة غير مشروعة، أو صياماً غير مشروع أصلًا، أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد
الموالد وغيرها.
ب- ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلاً.
جـ - ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مُطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
د- ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
3 -
تنقسم البدع إلى حقيقية وإضافية:
* البدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا استدلال معتبر عن أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، ومن أمثلتها:
- التقرب إلى الله بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعي إليه وفقد المانع الشرعي كرهبانية النصارا.
- نِحَل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع كالإحراق بالنار، ومن ذلك ما يفعله الشيعة يوم عاشوراء من خدش الرؤوس والوجوه واللطم والنواح لكون الحسين رضي الله عنه قتل في هذا اليوم، يفعلون تلك المآتم زاعمين أنها تقربهم من الله تعالا.
- تحكيم العقل ورفض النصوص في دين الله وقد قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلّهِ} [الأنعام: 57، يوسف: 40، 67].
- الطواف بغير البيت كالأضرحة، والوقوف على غير عرفة بدل عرفة، ووضع
الهياكل على القبور وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة.
* البدعة الإضافية: هي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلَّق فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مِثْل ما للبدعة الحقيقية، أي أنها بالنسبة لإحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه، لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات المحضة.
* من البدع الإضافية التي تَقْرُبُ من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعاً إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهماً أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حُدَّ لها.
ومثال ذلك: أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زماناً دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خص منه يوماً من الجمعة بعينه، أو أياماً من الشهر بأعيانها لا من جهة ما عينه الشارع، فلا شك أنه رأْيٌ محض بغير دليل، ضاهَى به تخصيص الشارع أياماً بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة، إذ هي تشريع بغير مستند.
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصاً، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقَصْد يَقْصِد مثلَه أهلُ العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعاً زائداً، وهذا كله إن فرضْنا أصل العبادة مشروعاً، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة.
أمثلة على البدع الإضافية:
- صلاة الرغائب وهي اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة.
- صلاة ليلة النصف من شعبان وهي مائة ركعة بكيفية خاصة.
- صلاة بر الوالدين وصلاة مؤنس القبر وصلاة ليلة ويوم عاشوراء، فأنت إذا نظرت إلى الصلاة تجدها مشروعة في الأصل وإذا نظرت إلى ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة تجدها بدعة.
- التأذين للعيدين أو للكسوف فإن الأذان من حيث هو: قربة، وباعتبار كونه للعيدين أو للكسوفين بدعة.
- الاستغفار عقب الصلاة على هيئة الاجتماع ورفع الصوت، فالاستغفار في ذاته سنة وباعتبار هيئته من رفع الصوت واجتماع المستغفرين وفي المسجد بدعة.
- تخصيص يوم لم يخصه الشارع بصوم، أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام، كصيام يوم النصف من شعبان (1) وصيام يوم المولد النبوي ويوم السابع والعشرين من رجب وتخصيص لياليهم بالقيام فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصهما بيوم أو بليلة بدعة.
- رفع الصوت بالذكر أو القرآن أمام الجنازة، فالذكر باعتبار ذاته مشروع، وكذا القرآن باعتبار ذاته مشروع وباعتبار ما عرض له من رفع الصوت غير مشروع وكذا وضعه في ذلك الموضع غير مشروع، فهو مبتدَع من جهتين: من جهة موضعه ومن جهة كيفيته.
- خَتْم الصلاة المعروف على الوجه المعروف (في غير المساجد التي تلتزم بالسنة
(1) أما إن صامه على أنه أحد الأيام البيض (13، 14، 15) فهذا من السنة، فعن ملحان القيسي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: قال: «هن كهيئة الدهر» ، رواه الإمام أبو داود (2449)، وصححه الشيخ الألباني.
في إقامة العبادات) فإنه من جهة كونه قرآناً وذكراً ودعاء مشروع، ومن جهة ما عرض له من الاجتماع عليه بصوت واحد وترديده خلف أحدهم غير مشروع.
- الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المؤذن عقب الأذان مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان فالصلاة والسلام مشروعان باعتبار ذاتهما ولكنهما بدعة باعتبار ما عرض لهما من الجهر وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان.