المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عاشرا: معاملة أهل الذمة - الرد على اللمع

[شحاتة صقر]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌كيف تناقش مبتدعاً

- ‌منهج الأستاذ محمد حسين في كتابه

- ‌أقوال للشيخ حسن البنا رحمه الله في وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهديها لأتباعه

- ‌قواعد أساسية في السنن والبدع ينبغي معرفتها

- ‌القاعدة الأولىتعريف البدعة

- ‌القاعدة الثانيةالحث على التمسك بالدين وإحياء السنة والتحذير من الابتداع

- ‌القاعدة الثالثةالأسباب التي أدت إلى ظهور البدع

- ‌القاعدة الرابعةتقسيم السنة إلى فعلية وتركية

- ‌القاعدة الخامسةالأصل في العبادات المنع

- ‌القاعدة السادسةمفاسد البدع

- ‌القاعدة السابعةأقسام البدع

- ‌القاعدة الثامنةهل في الدين بدعة حسنة

- ‌القاعدة التاسعةحكم البدعة في الدين بجميع أنواعها

- ‌القاعدة العاشرةالفرق بين البدعة والمصالح المرسلة

- ‌القاعدة الحادية عشرةالفرق بين البدع والاستحسان

- ‌القاعدة الثانية عشرةالمبتدع يتبع المتشابه وينصر به بدعته

- ‌القاعدة الثالثة عشرةالمبتدع يتخذ من زلات العلماء حجة لبدعته على الشرع

- ‌القاعدة الرابعة عشرةهل كل خلاف معتبر

- ‌القاعدة الخامسة عشرةأسباب الخطأ من أهل العلم

- ‌القاعدة السادسة عشرةأقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها

- ‌القاعدة السابعة عشرةقواعد عامة لمعرفة البدعة

- ‌القاعدة الثامنة عشرةالخلاف في بعض البدع

- ‌القاعدة التاسعة عشرةالفرق بين البدعة والمبتدع

- ‌الرد على الشبهات التي استدل بها الأستاذ محمد حسين على جواز الابتداع في الدين وأن في الإسلام بدعة حسنة

- ‌الشبهة الثالثةتقسيم بعض العلماء البدع إلى حسنة وقبيحة

- ‌موقف الأستاذ محمد حسين من الأحاديث الضعيفة

- ‌مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين

- ‌تجلية بدع وأخطاء (اللمع)

- ‌أولاً: الذكر الجماعي

- ‌ثانياً: صلاة النافلة مطلقاً جماعة وفي المساجد

- ‌ثالثاً: إحياء عشر ذي الحجة جماعة في المساجد

- ‌رابعاً: الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌خامساً: احتفال الشخص بعيد ميلاده أو عيد ميلاد أولاده

- ‌سادساً: الاحتفال بعيد الأم

- ‌سابعاً: الاحتفال بعيد شم النسيم

- ‌ثامناً: مسألة اللحية

- ‌تاسعاً: مسألة طول الملابس وقِصَرِها

- ‌عاشراً: معاملة أهل الذمة

- ‌حادي عشر: تلقين الميت بعد دفنه

- ‌ثاني عشر: إقامة السرادقات لأخذ العزاء

- ‌ثالث عشر: قراءة القرآن على القبر

- ‌رابع عشر: مسألة التوسل

- ‌خامس عشر: مسألة إخراج القيمة في زكاة الفطر

- ‌سادس عشر: مسألة الأسماء والصفات

- ‌مناقشة بعض آراء الأستاذ محمد حسين في كتابه(سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم)

- ‌بين الأستاذ محمد حسين والشيخ حسن البنا. . مقارنة

- ‌وختاماًً

الفصل: ‌عاشرا: معاملة أهل الذمة

‌عاشراً: معاملة أهل الذمة

* قال الشيخ السيد سابق: «الذمة هي العهد والأمان، وعقد الذمة هو أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار على كفرهم بشرطين:

1 -

أن يلتزموا أحكام الإسلام في الجملة.

2 -

أن يبذلوا الجزية (1).

والأصل في هذا العقد، قول الله سبحانه:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وهذا العقد دائم غير محدود بوقت، ما دام لم يوجد ما ينقضه.

- وإذا تم عقد الذمة، ترتب عليه حرمة قتالهم والحفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم والكف عن أذاهم.

- وتجرى أحكام الإسلام على أهل الذمة في ناحيتين:

1 -

المعاملات المالية، فلا يجوز أن يتصرفوا تصرفاً لا يتفق مع تعاليم الإسلام كعقد الربا وغيره من العقود المحرمة.

2 -

العقوبات المقررة فيقتص منهم وتقام الحدود عليهم متى فعلوا ما يوجب ذلك، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم يهوديين زنيا بعد إحصانهما (2).

- أما ما يتصل بالشعائر الدينية، من عقائد وعبادات وما يتصل بالأسرة

ص: 178

من زواج وطلاق فلهم فيه الحرية المطلقة، وإن تحاكموا إلينا، فلنا أن نحكم لهم بمقتضى الإسلام أو نرفض ذلك.

- الجزية: مبلغ من المال، يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم.

- يشترط فيمن تُؤخذ منهم:

1 -

الذكورة. 2 - التكليف. 3 - الحرية.

فلا تجب على امرأة، ولا صبا، ولا عبد، ولا مجنون، كما أنها لا تجب على مسكين يُتَصدق عليه، ولا على من لا قدرة له على العمل، ولا الأعمى أو المقعد، وغيرهم من ذوي العاهات، ولا المترهبنين في الأديرة، إلا إذا كان غنياً من الأغنياء.

- تسقط الجزية عمن أسلم.

- ينتقض عهد الذمة بالامتناع عن الجزية، أو إباء التزام حكم الإسلام إذا حكم حاكم به، أو تعدى على مسلم بقتل، أو بفتنة عن دينه، أو زنى بمسلمة أو أصابها بزواج، أو عمل عمل قوم لوط، أو قطع الطريق، أو تجسس أو آوى الجاسوس، أو ذكر الله أو رسوله أو دينه بسوء.

- وإذا انتقض عهده، كان حكمه حكم الأسير» (1).

- فينتقل من الذمة إلى الحرابة، وإذا صار حربياً يخير فيه الإمام بين أربعة أشياء: إما القتل أو الاسترقاق، أو المن بدون شيء، يعنى مجاناً، أو المن بفداء: إما بمال أو بمنفعة (2).

(1) فقه السنة (3/ 403 - 411) بتصرف.

(2)

الشرح الممتع (3/ 502).

ص: 179

الولاء والبراء

من أصول العقيدة الإسلامية أنه يجب على كل مسلم أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51](1).

* من مظاهر موالاة الكفار: (2)

1 -

إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم وهذا ـ في بعض صوره ـ من نواقض الإسلام وأسباب الردة.

2 -

يحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، من عاداتهم وعباداتهم، سمتهم وأخلاقهم، كحلق اللحى وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة وفي هيئة اللباس، والأكل والشرب وغير ذلك، لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبه به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«من تشبه بقوم فهو منهم» (3).

3 -

السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة كالعلاج، والتجارة والتعليم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم ـ فيجوز بقدر الحاجة ـ، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين.

ويشترط كذلك لجواز السفر أن يكون مظهراً لدينه معتزاً بإسلامه، مبتعداً عن

(1) محاضرات في العقيدة والدعوة د. صالح الفوزان (1/ 221).

(2)

انطر: محاضرات في العقيدة والدعوة (1/ 223 - 229) بتصرف، الولاء والبراء في الإسلام للشيخ محمد بن سعيد القحطاني (ص235/، 241) بتصرف، منة الرحمن في نصيحة الإخوان للشيخ ياسر برهامي (ص34).

(3)

رواه الإمام أبو داود (4031) وقال الشيخ الألباني: (حسن صحيح).

ص: 180

مواطن الشر، حذِراً من دسائس الأعداء ومكائدهم.

وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.

4 -

لا يجوز أن يُوَلّى الكافر ولاية فيها سلطان على المسلمين أو إطلاع علا أسرارهم كاتخاذهم وزراء ومستشارين (1)، لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً (2) وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].

قال الإمام ابن القيم: «ولما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتهم نوعاًَ من

(1) ومع ذلك يقول الأستاذ محمد مهدي عاكف مرشد (الإخوان المسلمين) إن كلمة الولاية مقصود بها الرئاسة فقط، أما باقي الوزارات والهيئات فهي مناصب وليست ولاية، ويحق للأقباط العمل وتولي المسئولية بها، وقال أيضاً: العلاقة بيننا وبينهم (الأقباط) أكثر من ممتازة ودائماً نضعهم على قوائم انتخاباتنا في النقابات ومجلس الشعب والشورى (جريدة الغد 8/ 6/2005، العدد 14، ص 6) وقال الأستاذ محمد مهدي عاكف في تصريحات خاصة لـ (المصري اليوم بتاريخ 9/ 10/2005): «إن الجماعة عادة ما تنسق مع منير فخري عبد النور (نصراني) في دائرة الوايلا، ولا نكتفي بترك الدائرة له بدون منافسة وإنما نساعده فيها» اهـ. وهذا الكلام ما هو إلا ثمرة التنازلات، ونطلب منه أن يقرأ الآية المذكورة (آل عمران: 118) وتفسيرها في الظلال (1/ 452)، ونطلب منه أيضاً أن يقرأ قول الدكتور عبد الكريم زيدان: «من شروط أهل الحل والعقد العدالة الجامعة لشروطها

ومن شروط العدالة الإسلام فيشترط أن يكون الشخص مسلماً» ا. هـ (أصول الدعوة: ص209).

بل قال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح - أحد كبار الإخوان المسلمين- في تصريحات لجريدة العربي الناصري العدد 879 السنة 11 الأحد 5/ 10/2003: «نحن لا نعترض على اختيار مسيحي رئيساً لمصر بالانتخاب؛ لأن هذا حق لأي مواطن بغض النظر عن ديانته وعقيدته السياسية فحتى لو كان زنديقا فمن حقه أن يرشح نفسه وإذا اختاره الشعب فهذه إرادته؛ لأن البديل في هذه الحالة هو أن تحارب الشعب وتصبح مستبداً وهذا نرفضه تماماً، فنحن مع ما يختاره الشعب أيا كان

».

وأكد د. محمد السيد حبيب النائب الأول للمرشد العام أن مكتب الإرشاد طلب من بعض الأقباط ترشيح أنفسهم في الانتخابات (انتخابات مجلس الشعب 2005) إلا أنهم رفضوا مشيراً إلى أن الجماعة قررت دعم أحد الشخصيات القبطية المرشحين في الانتخابات (جريدة الجمهورية 18/ 10/2005 ص5).

وتأمل الآتي: قال منتصر الزيات ـ محامي الجماعات الإسلامية ـ أمام أبناء دائرة بولاق الدكرور أنه رغم تمثيله للتيار الإسلامي إلا أن الإخوان المسلمين تعمدوا ترشيح أحد قيادات الإخوان أمامه في الدائرة وقد كان الأجدر بالإخوان المسلمين أن يُخلو الدائرة لأخٍ لهم يرفع نفس الشعارات التي يرفعونها. وقال: لم أكن أتصور أن الإخوان الذين أخلوا بعض الدوائر من أجل الأقباط والحزب الوطني يرفضون إخلاء دائرتي. (جريدة الجمهورية 8/ 10/1426هـ، 10/ 11/2005).

(2)

بطانة الرجل: خاصته، لا يألونكم خبالاً: لا يقصرون في عمل ما يضركم.

ص: 181

توليهم وقد حكم تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة أبداً، والولاية إعزاز فلا تجتمع ومعاداة الكافر أبداً» (1).

5 -

الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين لأجل الفرار بالدين، لأن الهجرة بهذا المعنا ولهذا الغرض واجبة على المسلم، لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة.

6 -

التأريخ بتاريخهم، خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم كالتاريخ الميلادي.

7 -

مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة أو الإعجاب بمهاراتهم وأخلاقهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد، قال تعالى:{وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَا} [طه: 131]، وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات، والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب.

8 -

مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها (2).

(1) أحكام أهل الذمة (1/ 242).ورغم وضوح هذا الأمر سُئل الدكتور حمدي حسن المتحدث الإعلامي باسم نواب الإخوان المسلمين الـ 88في مجلس الشعب المصري ـ سُئل ـ: يتّهِمُكم البعض بعدم الوضوح في مسألة الأقباط خاصةً في مسألة ترشيح قبطي لمنصب رئاسة الجمهورية؟ فأجاب: «نحن نقول: إن الأصل عندنا هو المواطنة، ولا فارق بين مواطن مصري وآخر. وإذا ترشح قبطي لمنصب الرئاسة واختاره الشعب فنحن مع خيار الشعب» (الأسرة العربية العدد2924، 9رمضان1427هـ2/ 10/2006)

ويعجب المرء حينما يجد نيجيريا ذلك البلد المسلم يحكمها نصراني رغم أن أكثر من90% من سكانها مسلمون.

وما هذا إلا ثمرة من ثمار الديمقراطية الخبيثة التي تسوي بين المسلم والكافر.

(2)

والعجيب أن يذكر د. محمد جمال حشمت مرشح الإخوان المسلمين عن دائرة دمنهور ـ في إحدى نشرات دعاياته الانتخابية لانتخابات (عام 2005) ـ أن من إنجازاته في الفترة التي قضاها في مجلس الشعب: مشاركة الإخوة الأقباط في جميع مناسباتهم الدينية.

ص: 182

9 -

التسمى بأسمائهم.

10 -

الاستغفار لهم والترحم عليهم.

11 -

الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الباطلة، فالذي يحب الكافر لأجل كفره، فهو كافر بإجماع الأمة، فالمحبة والرضا أمران جازمان لا يخرجان عن كونهما كفراً إذا كانا للكفار، أو إيماناً إذا كانا للمؤمنين.

12 -

مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين: إن المداهنة والمجاملة قد تبدأ بأمر صغير ثم تكبر وتنمو حتى تؤدى إلى الخروج من الملة.

13 -

تعظيم وإطلاق الألقاب عليهم مثل السادة والحكماء.

14 -

مبادأتهم بالسلام، قال صلى الله عليه وآله وسلم:«لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام» (1).

15 -

مودتهم ومحبتهم قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].

16 -

مصاحبتهم واتخاذهم أصدقاء قال صلى الله عليه وآله وسلم: «الرجل على دين خليله فَلْينظر أحدكم من يخالل» (2).

* معاملات جائزة لا تدخل ضمن الموالاة (3): لا محبة، ولا أخوة، ولا صداقة، ولا مودة، ولا موالاة بين المسلمين والكفار، وهذا لا يمنع جواز المعاملات الآتية:

(1) رواه الإمام مسلم (2167).

(2)

رواه الإمام أبو داود (4833) وحسنه الشيخ الألباني.

(3)

دعوة أهل الكتاب للشيخ سعيد عبد العظيم (278 - 280)، منة الرحمن (ص35)(بتصرف).

ص: 183

1 -

البيع والشراء والإجارة مع الكفار، فيما يحل مثله بين المسلمين من غير مهانة للمسلم.

2 -

قبول الهدية منهم وإهداؤهم في غير أعيادهم تأليفًا لهم أو دفعاً لمفسدتهم أو لمصلحة أخرى راجحة.

3 -

عيادة مريضهم لدعوته إلى الإسلام.

4 -

الزواج من الكتابية العفيفة ـ يهودية أو نصرانية ـ ولكن بشرط بغضها على دينها، ولا يحل للمؤمنات الزواج بالكافر مطلقاً، ولا البقاء تحته إذا أسلمت ولم يسلم هو.

5 -

البر والإقساط وصلة الرحم والأقارب منهم في غير مودة ومحبة.

6 -

الانتفاع بما عندهم من علوم الدنيا حين تنعدم الاستفادة من هذه العلوم من مسلم تقي.

7 -

عدم أذيته في ماله، أو دمه، أو عرضه إذا كان غير محارب.

8 -

تشميته إذا عطس وحمد الله بأن يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم.

9 -

يرحمه بالرحمة العامة كإطعامه إذا جاع، وسقيه إن عطش، ومداواته إن مرض، وكإنقاذه من تهلكة.

10 -

رد السلام عليهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (1).

* تنبيه: هناك فرق بين البر والصلة والعدل معهم بشرع الله، وبين المحبة والموالاة التي هي من أعمال القلب أصلاً (2)، قال الحافظ ابن حجر: «البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهى عنه في قوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] فإنها عامة في

(1) رواه الإمام البخاري (6258).

(2)

منة الرحمن (ص35).

ص: 184

حق من قاتل ومن لم يقاتل» (1).

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء واتخاذهم أولياء شيء أخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين

فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة، ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم، وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة، وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر» (2).

* موقف المسلم من أعياد الكفار (3):

أولاً: اجتناب حضورها: اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد الكفار والتشبه بهم فيها.

ثانياً: اجتناب موافقتهم في أفعالهم: قد لا يتسنى لبعض المسلمين حضور أعياد الكفار لكن يفعل مثل ما يفعلون فيها، وهذا من التشبه المذموم المحرم، قال شيخ الإسلام: «لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام

(1) فتح الباري كتاب الهبة باب 29 (قبل شرح حديث 2619) ورغم وضوح الآية في النهي عن محبة الكافرين ومودتهم نجد في البرنامج الانتخابي للمستشار مأمون الهضيبي، والذي نشرته جريدة (أفاق عربية) يوم الخميس 28/رجب 1421 هـ 26/ 10/2000 (ص 7) تحت بند حادي عشر: في مجال الأخوة الأقباط تحت رقم 6: الحرص على روح الأخوة المصرية التي أظلت أبناء مصر على مر القرون مسلمين وأقباط وإشاعة الأصول الداعية إلى المحبة والمودة بينهم (وقد أصبح الأستاذ الهضيبي - فيما بعد - المرشد السادس (للإخوان المسلمين).

وقد نادى الإخوان المسلمون بنفس هذه المقولة في مبادرتهم حول الإصلاح في مصر (ص37 - 38) التي أعلنت في 12 محرم 1425 هـ/3 مارس 2004 م.

(2)

في ظلال القرآن (2/ 909 - 910) بتصرف.

(3)

أعياد الكفار وموقف المسلم منها لإبراهيم الحقيل (ص71 - 78) بتصرف.

ص: 185

ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام» (1).

ثالثاً: اجتناب المراكب التي يركبونها لحضور أعيادهم: قال مالك: «يكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم لنزول السخطة واللعنة عليهم» (2).

رابعاً: عدم الإهداء لهم أو إعانتهم على عيدهم ببيع أو شراء، قال أبو الحفص الحنفي:«من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالا» (3).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «

لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم.

وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه» (4).

خامساً: عدم إعانة المسلم المتشبه بهم في عيدهم على تشبهه: قال شيخ الإسلام: «وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجَب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تُقبل

(1) مجموع الفتاوى (3/ 175) الطبعة القديمة (25/ 329).

(2)

اللمع في الحوادث والبدع (1/ 294).

(3)

فتح الباري (2/ 294).

(4)

اقتضاء الصراط المستقيم (ص208) ونقله عن عبد الملك بن حبيب في الواضحة (كتاب في الفقه المالكي).

ص: 186

هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه، ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر» (1).

سادساً: عدم تهنئتهم بعيدهم: وسيأتي كلام الإمام ابن القيم في الرد على قول الأستاذ محمد حسين: «ويهنيها في عيدها» .

* مسألة: لو أراد المسلم أن يحتفل مثل احتفالهم لكنه قدم ذلك أو أخره عن أيام عيدهم فراراً من المشابهة؟

الجواب: هذا نوع من التشبه وهو حرام؛ لأن المحرك له على إحداث احتفاله وجود عيدهم، ولأن حريم الشيء يدخل فيه، وحريم العيد ما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال، فهذه حكمها حكمه فلا يُفعل شيء من ذلك؛ فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم كيوم الخميس والميلاد، ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع أو الشهر الآخر، وإنما المحرك على إحداث ذلك وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك، فهذا أيضاً من مقتضيات المشابهة (2).

سابعاً: اجتناب استعمال تسمياتهم ومصطلحاتهم التعبدية:

إذا كانت الرطانة لغير حاجة مما يُنهى عنه لعلة التشبه بهم فاستخدام تسميات أعيادهم أو مصطلحات شعائرهم مما هو أولى في النهي عنه وذلك مثل استخدام لفظ المهرجان على كل تجمع كبير وهو اسم لعيد ديني عند الفرس.

(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص204).

(2)

اقتضاء الصراط المستقيم (ص201).

ص: 187

* مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين:

أولاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص93 - 94): «

عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حق الجار: إن مرض عدته وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعوز سترته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها» رواه الطبراني، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «الجيران ثلاثة جار له حق، وهو الجار الكافر، وجار له حقان هو الجار المسلم

» الحديث، فجعل للكافر حقاً هو حق الجوار، فيكون له كل حقوق الجار.

* الرد: الحديثان ضعيفان (1) ورغم ذلك بنى عليهما المؤلف هذا الحكم رغم تقريره أن الحديث الضعيف لا يجوز العمل به في الأحكام والعقائد (اللمع) ص32.

وإنما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (2)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:«حق المسلم على المسلم ست» قيل: «ما هن، يا رسول الله؟» ، قال:«إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتّبِعه» (3).

* الإحسان إلى الجار الكافر يدخل في باب البر والإقساط إليه في غير مودة ومحبة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (4).

قال الحافظ ابن حجر: «واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد

(1) انظر ضعيف الجامع الصغير (2728، 2674) للشيخ الألباني والسلسلة الضعيفة (3493) له أيضاً.

(2)

رواه الإمام البخاري (1240)، الإمام مسلم (2162).

(3)

رواه الإمام مسلم (2162/ 5).

(4)

رواه الإمام البخاري (6014).

ص: 188

والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأُوَل كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيُعطى كلٌ حقه بحسب حاله وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي، وقد حمله عبد الله بن عمرو أحد من روى الحديث على العموم فأمر لما ذبحت له شاة يهدى منها لجاره اليهودي أخرجه في الأدب المفرد، والترمذي (1) وحسّنه» (2) ا. هـ.

فإهداء الجار الكافر تأليفاً له يدخل في باب البر والإقساط إليه وسيأتي ـ إن شاء الله ـ الكلام على تشيع جنازتهم وتهنئتهم بأعيادهم.

ثانياً: ذكر (ص94): «عن شقيق بن وائل قال: ماتت أمي نصرانية فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له، فقال: «اركب دابة وسِرْ أمام جنازتها»

ففيه تشييع جنازة أهل الذمة».

* الرد:

1 -

قال الأستاذ محمد حسين نفسه (ص96 - 97): «سئل ابن تيمية رحمه الله: «هل يجوز للمسلم إذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإذا مات أن يتبع جنازته؟» ، فقال في الفتاوى الكبرى (3) الجزء الرابع والعشرين:«لا يتبع جنازته، وأما عيادته فلا بأس بها فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام» .

2 -

يوضح هذا الأثَرَ ـ الذي ذكره الأستاذ محمد حسين ـ ما قاله الإمام ابن القيم بعد أن ذكره: «وقال حنبل: سألت أبا عبد الله عن المسلم تموت له أم نصرانية أو أبوه أو أخوه أو ذو قرابته، ترى أن يَلِيَ شيئاً من أمره حتى يواريه؟ قال: إن كان أبا أو أما

(1) رواه الإمام الترمذي (2024) وصححه الشيخ الألباني.

(2)

فتح الباري (10/ 533) شرح حديث (6014).

(3)

مجموع الفتاوى (12/ 377) الطبعة القديمة (24/ 265) وليس الفتاوى الكبرى فالفتاوى الكبرى خمسة أجزاء فقط.

ص: 189

أو أخا أو قرابة قريبة وحضره فلا بأس، قد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن يواري أبا طالب (1)، قلت: فترى أن يفعل هو ذلك؟ قال: أهل دينه يلونه وهو حاضر يكون معهم، حتى إذا ذهبوا به تركه معهم وهم يلونه» (2).

3 -

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة:

س: ما حكم الله في حضور جنائز الكفار، الذي أصبح تقليداً سياسياً وعرفاً متبعاً؟

ج: إذا وجد من الكفار من يقوم بدفن موتاهم فليس للمسلمين أن يتولوا دفنهم، ولا أن يشاركوا الكفار ويعاونوهم في دفنهم أو يجاملوهم في تشييع جنائزهم، عملاً بالتقاليد السياسية، فإن ذلك لم يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن الخلفاء الراشدين، بل نهى الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم على قبر عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول، وعلل ذلك بكفره، قال تعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَاَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84]، وأما إذا لم يوجد من يدفنه دفنه المسلمون كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى بدر، وبعمه أبي طالب لما توفي قال لعليّ:«اذهب فَوَارِه» (3).

4 -

عن علي قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن عمك الشيخ الضال قد مات» ، قال:«اذهب فَوَارِ أباكَ، ثم لا تُحْدِثَنَّ شيئاً حتى تأتيَني» فذهبت فواريتُه، وجئتُه، فأمرني فاغتسلتُ ودعا لي (4).

فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحضر جنازة عمه، رغم أنه كان يحميه ويدافع عنه، وأمر ابنه علياً أن يواريه ولما جاء أمره بالاغتسال.

(1) رواه الإمام أبو داود كتاب الجنائز باب (7) الرجل يموت له قرابة مشرك حديث (3214) وصححه الشيخ الألباني.

(2)

أحكام أهل الذمة (1/ 159 - 160).

(3)

فتاوى اللجة الدائمة (9/ 10 - 11).

(4)

رواه الإمام أبو داود (3214) وصححه الشيخ الألباني. لا تحدثن: لا تفعلن.

ص: 190

ثالثاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص98): «هل يعقل أن يبيح الإسلام أن يتزوج المسلم بالكتابية ولا يعاملها بالحسنى كسائر الزوجات؟ هل تكون له زوجة وأم أولاده ولا يحبها ويواسيها ويهنيها في أعيادها؟ إن فقه الإسلام يأمر الزوج أن يحترم مشاعرها؟ بل لها أن تذهب إلى الكنيسة وتتعبد على دينها ولا يمنعها من ذلك» .

* الرد:

1 -

قوله: «هل يعقل

؟»

نقول: العقل ليس مصدراً من مصادر التشريع، وإنما يجب علينا اتباع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال:«لو كان الدين بالرَأْي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على ظاهر خُفَيْهِ» (1).

2 -

قال الشيخ السيد سابق: «يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب

والزواج بهن، وإن كان جائزاً، إلا أنه مكروه لأنه لا يؤمن أن يميل إليها، فتفتنه عن الدين، أو يتولى أهل دينها، فإن كانت حربية (2) فالكراهية أشد لأنه يكثّر سواد أهل الحرب، ويرى بعض العلماء حرمة الزواج من الحربية، فقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال:«لا تحل» ، وتلا قول الله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29](3).

* ومما يدل على كراهة التزوج منهن ما ثبت أن حذيفة تزوج يهودية فكتب إليه عمر: «طلِّقها» ، فكتب إليه:«لمَ؟ أحرام هي؟» ، فكتب إليه: «لا، ولكنى

(1) رواه الإمام أبو داود (162) وصححه الشيخ الألباني.

(2)

الحربية: المقيمة في غير ديار الإسلام.

(3)

فقه السنة (2/ 378 - 279) بتصرف.

ص: 191

خفت أن تعاطوا المومسات منهن» (1).

* اشترط الجمهور وهم الذين يقولون بحل زواج الكتابيات عدة شروط ينبغي توافرها في الكتابية قبل الزواج بها:

أ- أن تكون عفيفة.

ب- أن تكون متمسكة بدينها (2).

جـ- وأن تكون ذمية عند بعض العلماء بمعنى أنّها خاضعة لسيطرة المسلمين.

ومع ذلك فقد اتفقوا على أن الأوْلى ترك التزوج بالكتابية مخافة أن تؤَثّر على ولدها، وأن تلتبس البغي بالعفيفة كما قال عمر بن الخطاب لحذيفة بن اليمان (3) رضي الله عنهما، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد حث على الزواج بذات الدين من المسلمات فكيف بغير المسلمات أصلاً.

* تنبيه: هذا الزواج لابد أن يظل معه بغض هذه المرأة على دينها، ولا مانع من استمرار النكاح مع وجود البغضاء، فكم من بيوت تقوم على غير الحب من مصالح ومنافع أخرى (4).

3 -

قال الإمام ابن القيم: «وأما الخروج إلى الكنيسة والبيعة، فله أن يمنعها منه، نص عليه ـ أي نص عليه الإمام أحمد ـ وفي رواية يعقوب بن بختان في الرجل تكون له المرأة النصرانية: لا يأذن لها في الخروج إلى عيد النصارى أو البيعة، وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال وأبي الحارث في الرجل تكون له الجارية النصرانية تسأله الخروج إلى أعيادهم وكنائسهم وجموعهم: لا يأذن لها في ذلك» .

قال الإمام ابن القيم: «وإنما وجه ذلك أنه لا يعينها على أسباب الكفر وشعائره

(1) تمام المنة في فقه الكتاب وصحيح السنة للشيخ عادل العزازا، وعزا الأثر لسعيد بن منصور (716) وصححه، المومسات: الزوانى البغايا.

(2)

أي تكون على دين النصارى حقًا، ليست علمانية أو ملحدة أو فيها كفر إعراض عن التدين بالكلية.

(3)

جريمة الزواج بغير المسلمات فقها وسياسة لعبد المتعال الجبري (ص 90).

(4)

فضل الغني الحميد تعليقات مهمة على كتاب التوحيد للشيخ ياسر برهامي (ص116).

ص: 192

ولا يأذن لها فيه» (1).

4 -

قول الأستاذ محمد حسين: «ويهنيها في أعيادها» :

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه» (2).

* ولا يخفى أن من الحكم الظاهرة لإباحة الزواج بالكتابية أن يكون ذلك سبباً في إسلامها، لا أن يكون سبباً وعوناً لها على التمسك بدينها.

وبنفس منطق الأستاذ محمد حسين: هل يُعقل أن يكون المسلم مطالَباً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة لكل أحد، ثم هو لا يبذل قصارى جهده في دعوة زوجته وأم ولده إلى الإسلام. ثم هل يُعقل أن يخاف المسلم على أبنائه من معاشرة الكفار والفجار حتى لا يتأثر بهم، ثم هو يأتي لهم بأم كافرة يسمح لها بالذهاب إلى الكنيسة ويهنئها في عيدها، رغم تمسكها بكفرها.

* سؤال: نقل الأستاذ محمد حسين (ص98) عن الإمام أحمد المنع من الدخول على الكفار بِيَعهم في أعيادهم، فما رأيه فيما يفعله الإخوان المسلمون من الدخول على النصارى الكنائس لتهنئتهم بعيدهم؟ راجع كلام الإمام ابن القيم السابق قبل أسطر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «روى البيهقي بإسناد صحيح، في باب: كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم، والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم: عن

(1) أحكام أهل الذمة (1/ 314).

(2)

أحكام أهل الذمة (1/ 161 - 162).

ص: 193

عطاء بن دينار، قال: قال عمر: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم» (1).

تنبيه: قال الأستاذ محمد حسين (ص98): «جاء في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) للإمام ابن تيمية رحمه الله: قيل للإمام أحمد بن حنبل: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور يابور ودير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون ويشهدون الأسواق، ويجلبون الغنم فيه والبقر والرقيق والبر والشعير وغير ذلك، إلا أنهم إنما يدخلون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بِيَعَهم؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بِيَعَهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس» .اهـ.

توضيح: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (في نفس الكتاب 1/ 228): «فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية، لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة

وأيضاً، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل سوقاً يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوماً أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل ليشتري منها، بل هذا أجود؛ لأن البائع في هذه السوق ذمي، وقد أقروا على هذه المبايعة.

ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه، في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أرض الشام، وهي دار حرب، مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية.

(1) اقتضاء الصراط المستقيم ص306 - 308 بتصرف.

ص: 194

فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا».

رابعاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص99): «يقول الله عز وجل: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، فقد نُهينا عن سب الكفار والمشركين وعذرهم الله بجهلهم، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم عذر قومه المخالفين له في العقيدة فقال: «اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون» ».

الرد:

1 -

الجهل نوعان:

أ- جهل يُعذر صاحبه وهو الجهل الناشيء عن عدم البلاغ، قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].

ب- جهل لا يُعذر صاحبه وهو الجهل الناشيء عن الإعراض عن قبول الحجة، فكل المشركين جهلة من هذا الباب، وقد وصفهم الله بالجهل وعدم العلم في مواضع كثيرة من كتابه الكريم قال تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6]، وقال سبحانه في شأن آل فرعون:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].

والمقصود بعدم العلم في الآية والحديث: اعتقاد الأمر على غير ما هو عليه، وهذا ليس عذراً لهم لأن الحجة أقيمت عليهم بإرسال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبلوغهم الدعوة.

2 -

أخطأ الأستاذ محمد حسين في تفسير الآية، ولو كلف نفسه الرجوع إلى أحد التفاسير ما قال ذلك.

ص: 195

قال الحافظ ابن كثير: «يقول الله تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن سبّ آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها وهي مقابلة المشركين بسَبّ إله المؤمنين» (1).

ويجوز سب آلهتهم عند أمن الفتنة كما فعل أبو بكر رضي الله عنه في صلح الحديبية (2).

3 -

قال الأستاذ محمد حسين: «وعذرهم الله بجهلهم» :

الرد:

عذر من؟! المشركين الذين يسبون الله عز وجل ويعبدون الأصنام؟! فلماذا يدخلهم النار؟! وإذا كان الله عز وجل قد عذر الكافر المشرك أبا لهب بجهله فلِمَ قال: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3]؟! ولماذا قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقال تعالى:{إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72]؟! بل لماذا قال الله تعالى في حق النصارى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} [مريم: 88 - 93] وقال عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [سورة المائدة: 72] وقال عز وجل: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة المائدة: 17].

وإذا كان الله قد عذرهم بجهلهم وإذا كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد عذرهم، فلماذا حاربهم

(1) تفسير القرآن العظيم عند تفسير الآية 108من سورة الأنعام.

(2)

رواه البخاريُّ (2529).

ص: 196

- صلى الله عليه وآله وسلم ولماذا قتلهم؟!

وقول الأستاذ محمد حسين: «إن الله عذرهم بجهلهم» ـ وهم مشركون ـ هل معناه أنهم سيدخلون الجنة؟ ولو فتح الأستاذ محمد حسين (في ظلال القرآن) أو أي كتاب تفسير؛ ما وقع فيما وقع فيه، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير الآية: «

لقد أُمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله ـ سبحانه ـ وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه، فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الجليل العظيم» (1).

ولو أكمل الأستاذ محمد حسين الآية ما قال ذلك، قال تعالى:{كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108].

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: «وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ}، أي: من الأمم الخالية على الضلال {عَمَلَهُمْ} الذي كانوا فيه، ولله الحكمة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره، {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ} أي معادهم ومصيرهم، {فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي يجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر» (2)، فإذا كان الله قد عذرهم فَلِمَ توعّدهم على شركهم بمجازاتهم بأعمالهم؟

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية: «إن الطبيعة التي خلق الله الناس بها، أن كل من عمل عملاً، فإنه يستحسنه ويدافع عنه

وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء مع علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق» (3)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر هذه الآية ونظائرها: «فأصل ما يوقع الناس في السيئات الجهل وعدم العلم بكونها تضرهم ضرراً راجحاً أو ظن أنها تنفعهم نفعاً

(1) الظلال (2/ 1169).

(2)

تفسير القرآن العظيم عند تفسير الآية 108 من سورة الأنعام.

(3)

في ظلال القرآن (2/ 1169) بتصرف.

ص: 197

راجحاً» (1).

* يتضح مما سبق أن قول الأستاذ محمد حسين أن الله عذر الكفار والمشركين بجهلهم ـ قول خطير لأنه ينافي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (2).

قال الإمام النووي في شرح الحديث: «فيه نسْخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور

وإنما ذكر اليهود والنصارى تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أوْلا» (3).

وانظر أيضاً البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، (2/ 73 - 79) باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عناداً وحسداً وبغياً وجحوداً.

4 -

قول الأستاذ محمد حسين: ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم عذر قومه المخالفين له في العقيدة، فقال:«اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون» .

توضيح: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضَربَه قومه فأَدْمَوْهُ، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (4).

قال الحافظ ابن حجر: «يحتمل أن ذلك لما وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر لأصحابه أنه وقع لنبي آخر قبله، وذلك فيما وقع له يوم أحد لما شُج وجهه وجرى الدم منه،

(1) مجموع الفتاوى (7/ 392) الطبعة القديمة (14/ 290 - 291).

(2)

رواه الإمام مسلم (240).

(3)

شرح صحيح الإمام مسلم (حديث 240).

(4)

رواه البخاري (3477، 6929)، ورواه مسلم (1792) بنحوه.

ص: 198

فاستحضر في تلك الحالة قصة ذلك النبي الذي كان قبله فذكر قصته لأصحابه تطييباً لقلوبهم

وفي صحيح ابن حبان من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ، قال ابن حبان:«معنى هذا الدعاء الذي قال يوم أحد لما شج وجهه: أي اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي، لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقاً» » (1).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «

وكذلك ينفع دعاؤه (أي دعاء الرسول) لهم (أي للكفار) بألا يعجل عليهم العذاب في الدنيا كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يحكى نبِيّاً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ، ورُوي أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا، قال تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّا} [فاطر: 5]» (2).

خامساً: قال الأستاذ محمد حسين (ص100): «إن الله أثبت أخوّة بين المخالفين في العقيدة هي أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة بين المتخالفين في العقيدة، فقال سبحانه وتعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50]، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [هود: 61]، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود: 84]، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 106]، {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 161]، فهذه أخوة خلاف أخوة العقيدة في قوله تعالى: {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] فلا مشاحة في أن نقول: إخواننا النصارا، أو نقول: إخواننا وأبناء وطننا من النصارا، ولا عيب أن نتناصح ونتشارك في المصالح الوطنية المشتركة» .

* الرد:

(1) فتح الباري (6/ 630 - 631) بتصرف.

(2)

مجموع الفتاوى (1/ 109)، الطبعة القديمة (1/ 144).

ص: 199

1 -

من أصول الإيمان أن الأخوّة لا تكون إلا للمسلمين يقول الله تعالا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فحصرالإخوة في المؤمنين دون غيرهم من الكافرين (1).

قال الإمام القرطبي: «إنما المؤمنون إخوة أي في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوَّة الدين أَثْبَتُ من أخوَّة النسب فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب» (2).

وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برءاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم، وهو الكفر بهم والإيمان بالله وهي العداوة والبغضاء لا تنقطع حتى يؤمن القوم بالله وحده وهي المفاصلة الحاسمة التي لا تستبقي شيئاً من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان» (3).

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: «الكافر ليس أخاً للمسلم والله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] فليس الكافر يهوديا أو نصرانيا أو غيرهم أخاً للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحباً وصديقاً» (4).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «أما قول: «يا أخي» لغير المسلم فهذا حرام

(1) معالم التيار الفكرى عند القرضاوي لإبراهيم عبده الشرفاوى (ص55) ومما ذكره من أخطاء للدكتور القرضاوي: رفضه لبعض الأحاديث زاعماً معارضتها للقرآن، وقوله أن الكفار إخوان لنا، واعتراضه على مسمى الجزية، وقوله بجواز مودة الكفار، وقوله بجواز أن تمثل المرأة المسلمة، وقوله بجواز لمس المرأة الأجنبية، وتحليله الأغانا، وتحليله أكل الحيوانات التي ذبحها أهل الكتاب بطريقة الصعق الكهربا، وقوله بجواز دخول السينما

.الخ.

(2)

تفسير القرطبي (سورة الحجرات، الآية 10).

(3)

في ظلال القران (6/ 3542).

(4)

فتاوى نور على الدرب (1/ 370).

ص: 200

ولا يجوز، إلا أن يكون أخاً له من النسب أو الرضاع، وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع لم يبق إلا أخوة الدين والكافر ليس أخاً للمؤمن في الدين» (1).

ورغم ذلك يقول الأستاذ محمد حسين: «لا مشاحة أن نقول: «إخواننا» ، أو نقول:«إخواننا وأبناء وطننا من النصارا» »!!

2 -

معنى الأخوة في الآيات التي ذكرها الأستاذ محمد حسين أن الله قد أخبر بأنه قد بعث هؤلاء الأنبياء إلى أقوامهم، وأن بينهم نسباً فليسوا هم غرباء عنهم، وإنما ذوو قرابة، فلا حرج أن يسمى المسلم الكافر أخاً إذا كان أخاً له في النسب أو الرضاعة، وهؤلاء الأنبياء المذكورون ذوو نسب مع قومهم، فبينهم أخوة نسب لا أخوة دين.

قال الإمام الألوسي: «معنى كونه عليه السلام أخاهم أنه منهم نسباً، وهو قول الكثير من النسابين» (2).

وقال الإمام القرطبي: «قيل له أخوهم لأنه منهم وكانت القبيلة تجمعهم كما تقول: يا أخا تميم» (3).

3 -

ما ذكر في الآيات حكاية عن أنهم من قومهم، ولم يذكر القرآن أنهم قالوا لهم: يا إخوتنا، أو أنتم إخواننا، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، بل ثبت العكس عن إبراهيم عليه السلام حيث قال هو والذين آمنوا معه:{إِنَّا برءاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ} .

4 -

بنى الأستاذ محمد حسين على فهمه من هذه الآيات أن الله أثبت أخوة بين المتخالفين في العقيدة هي أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة بين المتخالفين في العقيدة، ونقول ما المصالح المشتركة التي كانت بين إبراهيم عليه السلام وقومه والتي

(1) المجموع الثمين (3/ 113).

(2)

روح المعاني (8/ 154).

(3)

تفسير القرطبي (تفسير الآية 50 من سورة هود).

ص: 201

ضحى بها بقوله هو والذين آمنوا معه لقومهم: {إِنَّا برءاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]؟ وما المصالح المشتركة التي كانت بين نوح عليه السلام وقومه التي ضحى بها بقوله: {رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] وما المصالح المشتركة التي كانت بين لوط عليه السلام وقومه والتي ضحوا بها بقولهم: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56].

هل كان بين الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم إلا العداوة والصدّ عن سبيل الله ومحاربة دين الله عز وجل {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] فهل بعد ذلك يقول الأستاذ محمد حسين: «أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة» ؟!!

وأين كانت أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة عندما كانت قريش ـ قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعذبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم قرشيون مثلهم من بني قومهم؟

5 -

اتضح مما سبق أن أنبياء الله عليهم السلام كانوا محارَبين من أقوامهم ورغم ذلك قال الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50] وغيرها من الآيات، واتضح مما سبق أنها أخوة النسب ومثلها أخوة القومية والوطنية، وهذه الأخوة التي ذكرها الله اقتضت مزيد النصح والشفقة عليهم من الخلود في النار وإقامة الحجة وليس المودة والموالاة، أما التي تقتضي المودة والموالاة فهي قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونسأل الأستاذ محمد حسين: هل يقول إخواننا الفلسطينيون عن اليهود العرب الذين يحاربونهم: «إخواننا اليهود» ؟ وهل يقول إخواننا المسلمون المقيمون في أمريكا عن الأمريكان: إخواننا الأمريكان (أخوة المصالح المشتركة)؟ وإذا قال بجواز ذلك، هل يجوز له أن يقول: الأخ شارون والأخ بوش والأخت كونداليزا؟

ص: 202

6 -

أما قول الأستاذ محمد حسين: «ولا عيب أن نتناصح ونتشارك في المصالح الوطنية المشتركة» ، فنترك الرد للأستاذ سيد قطب رحمه الله حيث يقول: «إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب، ولكنه مَنْهِاّ عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم، وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقى مع طريق أهل الكتاب، (1) ومهما أبدى لهم من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه (2) ولن يكُفَّهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له

وسذاجة أي سذاجة وغفلة أي غفلة، أن نظن أن لنا وإياهم طريقاً واحداً نسلكه للتمكين للدين! أمام الكفار والملحدين! فهم مع الكفار والملحدين، إذا كانت المعركة مع المسلمين!!! وهذه الحقائق الواعية يغفل عنها السذج منا في هذا الزمان وفي كل زمان

ناسين تعاليم القرآن كله، وناسين تعليم التاريخ كله

إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن وإذا قرؤوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام، فظنوها دعوة الولاء التي يحذِّر منه القرآن» (3).

7 -

وبينما نسمع من الأستاذ محمد حسين هذا القول فيما يتعلق بالنصارى نجده في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم)(ص34) يصف علماء المسلمين ـ المخالفين له في مسألة شرعية ـ بأنهم قَليلوا الصلة بالقرآن والعلم، مع أن رأيهم هو الراجح، فهل هذا نصيب إخوانك المسلمين من التناصح؟ فهلا قلت عنهم مثل ما قلت عن النصارا.

(1) قال الدكتور جابر قميحة: أعلن الإخوان أن الحزب الذي يدعون إلي إنشائه يتسع لعنصري الأمة المسلمين والأقباط. (أفاق عربية 8/ 10/1426 - 10/ 11/2005) وللقاريء أن يتخيل حزباً إسلامياً بهذا الشكل.

(2)

وصدق رحمه الله فقد أعلن النصارى الذين يلمعهم (الإخوان المسلمون) أمثال ميلاد حنا رفضهم للشريعة الإسلامية، بل قال ميلاد حنا:«في اليوم الذي يفوز فيه الإخوان المسلمون بأكثر من 50? من المقاعد، فإن الأقباط الأغنياء سيغادرون البلاد وسيبقى الأقباط الأفقر، وربما يغير بعضهم دينه وأتمنى أن أموت قبل أن يأتي هذا اليوم» (الشرق الأوسط 22/ 11/2005)، وانظر:(الأهرام 25/ 10/1426 - 27/ 11/2005).

(3)

في ظلال القرآن (2/ 910) عند تفسير الآية 51 من سورة المائدة.

ص: 203

ولنا سؤال: أليس بينكم وبين إخوانكم المسلمين من العاملين للإسلام مصالح مشتركة وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نجد منكم الحرص على هذه المصالح؟ بل نجد من البعض التحذير والتنفير منهم بحجة أنهم متشددون؟ أليس هؤلاء الإخوة أقرب إليكم من النصارا؟

سادساً: قال الأستاذ محمد حسين (ص100): «إن العقيدة والعبادة لا إكراه فيها، والقاعدة التي سنّها الصحابة رضوان الله عليهم هي (اتركوهم وما يدينون)»

تعليق: قاعدة {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ليس معناها تصحيح مذهب الكافرين، أو السكوت عن ما هم عليه من باطل أو إقرارهم عليه، أو التهاون في جهادهم ودعوتهم إلى الإسلام، ولو أن الصحابة فعلوا ذلك لما فتحوا البلاد ولا نشروا الإسلام، ولا وصل الإسلام إلينا في مصر، قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (256) من سورة البقرة:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَاَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، يقول تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جليّ دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه، بل مَن هداه الله للإسلام وشرَح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فانه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسوراً، وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبَى أحد منهم الدخول فيه ولم ينْقَدْ له أو يبذل الجزية قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى:{سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، وقال تعالا:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً

ص: 204

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123].

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أمير المؤمنين، عمر في الصحابة رضي الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء ـ جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم:«أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء، من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (1)، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليباً، ولا كتباً (2)، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين» رواه حرب بإسناد جيد.

وفي رواية أخرى رواها الخلال: «وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفيّاً، في جوف كنائسنا، ولا نُظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا، فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليباً، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثا ًـ والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج يوم الأضحى والفطر ـ ولا شعانينا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور» ، إلى أن قال:«وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين، في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا» .

(1) الزُّنّار: حزام يشده النصارى على أوساطهم.

(2)

أي: من كتب دينهم.

ص: 205

وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها (1).

تنبيه هام: قال الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة رقم 303) عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك (فقد) حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» : «صحيح، وفيه دليل على بطلان الحديث الشائع على ألسنة الخطباء والكتاب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في أهل الذمة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» . وهذا مما لا أصل له عنه صلى الله عليه وآله وسلم»، انظر الضعيفة رقم (1103)، وللحديث شاهد بلفظ آخر وهو التالي رقم (304):«من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا» : (حسن) ا. هـ.

سابعًا: مسألة الصلاة في الكنيسة: إذا تيسر وجود غير الكنائس ليصلي فيها لم تجز الصلاة في الكنائس ونحوها، لأنها معبد للكافرين يعبدون فيه غير الله، ولما فيها من التماثيل والصور وإلا جاز للضرورة، قال عمر رضي الله عنه:«إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها والصور» وكان ابن عباس رضي الله عنهما يصلى في البيعة إلا بيعة فيها التماثيل والصور (2).

* تنبيه: الصلاة في الكنيسة تختلف عن دخولها لتهنئة الكفار بأعيادهم، وقد سبق بيان أن هذا لا يجوز.

(1) اقتضاء الصراط المستقيم 217 - 218.

(2)

فتاوى اللجنة الدائمة (6/ 272) والأثران أخرجهما البخاري تعليقاً في الصلاة، باب الصلاة في البيعة. (والبيعة: كنيسة النصارى).

ص: 206

ثامنًا: تعزية أهل الكتاب والكفار:

* قال ابن قدامة في المغنى (2/ 212): «وتوقف أحمد رحمه الله عن تعزية أهل الذمة وهي تُخَرَّج على عيادتهم وفيها روايتان: إحداهما: لا نعودهم، فكذلك لا نعزيهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تبدؤوهم بالسلام» وهذا في معناه.

والثانية: نعودهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى غلاماً من اليهود كان مرض يعوده فقعد عند رأسه، فقال له:«أَسْلِم» ، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له:«أَطِعْ أبا القاسم» ؛ فأسلم، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:«الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» رواه الإمام البخاري» ا. هـ.

* سئل الشيخ ابن عثيمين: ما حكم تعزية أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار إذا مات لهم ميت؟ وما حكم حضور دفنه والمشي في جنازته؟

فأجاب: «لا يجوز تعزيته بذلك، ولا يجوز أيضاً شهود جنائزهم وتشييعهم، لأن كل كافر عدو للمسلمين، ومعلوم أن العدو لا ينبغي أن يواسَى ولا يُشَجَّع للمشي معه، كما أن تشييعنا لجنائزهم لا ينفعهم، ومن المعلوم أيضاً أنه لا يجوز لنا ندعو لهم لقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (1) [التوبة: 113]» (2).

(1) أحكام وفتاوى التعزية والمآتم (ص40).

(2)

والعجيب أن يقدم الدكتور يوسف القرضاوي العزاء في بابا الفاتيكان الهالك يوحنا بولس الثاني، ويُثْني على نشاطه في نشر دينه ويدعو الله أن يرحمه ويثيبه (كما جاء في برنامج (الشريعة والحياة) الذي عُرض على قناة الجزيرة بتاريخ 3/ 4/2005 وها هي مقتطفات من كلامه: قال - هدانا الله وإياه-: نقدم عزاءنا في هذا البابا الذي كان له مواقف تُذكر وتُشكر له

مواقف الرجل العامة وإخلاصه في نشر دينه ونشاطه حتى رغم شيخوخته وكبر سنه، فقد طاف العالم كله وزار بلاداً ومنها بلاد المسلمين نفسها، فكان مخلصاً لدينه وناشطاً من أعظم النشطاء في دعوته والإيمان برسالته

لا نستطيع إلا أن ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه بقدر ما قدم من خير للإنسانية، وما خلف من عمل صالح أو أثر طيب

ونسأل الله أن يعوض الأمة المسيحية فيه خيراً. ا. هـ كلام الدكتور القرضاوي.

* تعليق: كان البابا مخلصاً لدعوته في نشر دينه وكان يحاول رد المسلمين عن دينهم في إندونسيا وبنجلاديش وفي غيرها من بلاد المسلمين مستغلاً الفقر المدقع الذي يعانونه، فهل هذا من الخير الذي قدمه للإنسانية والذي يدعو الدكتور القرضاوي الله تعالى أن يثيبه عليه؟! وهل هذه الأفعال ترضي الدكتور القرضاوي حتى يدعو الله أن يرحمه؟ وإذا كان لا يجوز للمسلم أن يدعو بالرحمة للكافر ولو كان من أهل الذمة - حتى ولو كان أباً أو أخاً أو عماً - فهل يجوز - من وجهة نظر الدكتور القرضاوي - الدعاء بالرحمة لرجل قضى حياته في نشر الكفر والصد عن سبيل الله ومحاولة رد المسلمين عن دينهم بشتى الوسائل؟ ومن الجدير بالذكر أن الأستاذ مهدي عاكف - مرشد الإخوان المسلمين - قد نعى وفاة البابا وأشار إلى دوره في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات والمنكوبين. ا. هـ[آفاق عربية (702) الخميس 7/ 4/2005)] وبالطبع كان للبابا دور في صد المنكوبين المسلمين عن سبيل الله ومحاولة تنصيرهم.

ص: 207