الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين
أولاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص34) أن الاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع، فناقض نفسه حيث قال (ص32):«جواز العمل بالحديث الضعيف في غير الأحكام والعقائد» ، ونقل نحو هذا الكلام (ص33)، مع العلم أن «الاستحباب حكم من الحكام الخمسة التي لابد لإثباتها من دليل تقوم به الحجة» (1)، وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الأصل الثالث فراجعه.
ثانياً: نقل (ص34) أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقاً (راجع الأصل السابع: هل هناك إجماع من العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؟) حيث نقلنا أنه خالف في ذلك الأئمة يحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبو بكر بن العربي ونقلنا كلام الحافظ ابن حجر والشيخين الألباني وأحمد شاكر.
ثالثاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص35) عن الإمام ابن قيم الجوزية (في كتاب إعلام الموقعين) أن الإمام أحمد يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره وفي رواية: ضعيف الحديث عندنا أحب مِنْ رَأْي الرجال.
* الرد:
1 -
بتر الأستاذ محمد حسين ما نقله، وكان الواجب عليه ـ من باب الأمانة العلمية ـ نقل الكلام كاملاً.
قال الإمام ابن القيم عند بيان ترجيح الإمام أحمد الحديث الضعيف والمرسل على القياس بشرطه ما نصه: «وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا
(1) تمام المنة في التعليق على فقه السنة للشيخ الألباني (ص35).
ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب في العمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من اقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب» (1).
2 -
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو شيخ ابن قيم الجوزية: «من نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه، ولكن كان في عُرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مخوّف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك.
وأول من عُرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام ـ صحيح وحسن وضعيف ـ هو أبو عيسى الترمذي في جامعه، والحسن عندهم ما تعددت طرقه، ولم يكن في رواته متهم، وليس بشاذ، فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به؛ ولهذا مثّل أحمد بن حنبل الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما» (2).
3 -
قال الإمام الشاطبي: «روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: الحديث الضعيف خير من القياس، وظاهره يقتضى العمل بالحديث غير الصحيح؛ لأنه قدّمه على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين، بل هو إجماع السلف رضي الله عنهم، فدل على أنه عنده أعلى رتبة من العمل بالقياس.
والجواب عن هذا: أنه كلام مجتهد يُحتمل في اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ليس له على ذلك دليل يقطع العذر، وإن سَلِم فيمكن حمله على خلاف ظاهره، لإجماعهم على طرح الضعيف الإسناد، فيجب تأويله على أن يكون أراد به الحسن السند، وما
(1) إعلام الموقعين: (1/ 33).
(2)
مجموع الفتاوى (1/ 180).
قاربه، على القول بإعماله، أو أراد «خير من القياس» لو كان مأخوذاً به، فكأنه يرد القياس بذلك الكلام مبالغة في معارضة من اعتمده أصلاً حتى رد به الأحاديث
…
أو أراد بالقياس القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ففضّل عليه الحديث الضعيف وإن لم يعمل به» (1).
رابعاً: نقل (ص35) أن الفقيه قد يعلم صحة الحديث ـ إذا لم يكن في سنده كذاب ـ بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به.
* الرد:
1 -
إذا كان الحديث ضعيفاً ويوافق آية من كتاب الله فما يمنعه من الاستدلال بالآية وكذلك إذا كان يوافق بعض أصول الشريعة، فليستدل بأصول الشريعة، أما أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يصح نسبته إليه فلا.
قال الإمام مسلم: «
…
الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثماً بفعله ذلك غاشَّاً لعوام المسلمين، إذ لا يُؤْمَن على من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة». (2)
2 -
إذا فرض أن كل فقيه صحح الأحاديث لموافقتها لآية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فما فائدة علم الحديث أصلاً.
خامساً: قوله (ص35) وجوب العمل بالحديث الضعيف إذا تلقاه الناس بالقبول وعملوا بمدلوله ويكون ذلك تصحيحاً له.
(1) الاعتصام (1/ 218 - 219).
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي (1/ 82).
* الرد:
عمل العلماء بالحديث ليس لأنهم صححوه بل لعملهم بمدلوله بدليل آخر وهو الإجماع، ويوضح ذلك قول الإمام الصنعانى في (سبل السلام) بعد أن ذكر حديث «الماء الطهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه»:«قال النووي: «اتفق المحدِّثون على تضعيفه» والمراد تضعيف رواية الاستثناء (1) لا أصل الحديث (2) فإنه قد ثبت في حديث بئر بضاعة، ولكن هذه الزيادة قد أجمع العلماء على القول بحكمها، قال ابن المنذر:«أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس» ، فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه، لا هذه الزيادة» (3) ا. هـ. ويؤيد ذلك أيضاً ما نقله الأستاذ محمد حسين (ص38):«هذا الحديث ضعيف بالاتفاق مع ثبوت حكمه بالإجماع» ا. هـ.، فالإجماع دليل على صحة المعنا، وليس على صحة لفظ الحديث، فلا يكون تصحيحًا له.
تنبيه: بعض الأحاديث ـ التي ذكر الأستاذ محمد حسين أنها ضعيفة واستدل بها على هذا الرأي ـ صححها بعض العلماء فمثلاً:
- حديث «لا وصية لوارث» نقل الأستاذ محمد حسين نفسه (ص35) عن الكوثرى أن بعض المحققين صحح سنده، وذكر الشيخ الألباني رحمه الله في (الإرواء): قول الترمذي عن هذا الحديث: «حسن صحيح» ، وقول البوصيرى في الزوائد:«إسناده صحيح» ، وذكر قول ابن عباس رضي الله عنه في البخاري (2747): «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع،
(1) وهي قوله: إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه.
(2)
وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الماء طهور» .
(3)
سبل السلام شرح بلوغ المرام (1/ 22).
وللزوج الشطر والربع»، ثم قال الشيخ الألباني:«الحديث صحيح لا شك فيه بل هو متواتر كما جزم بذلك السيوطى وغيْره» (1).
- حديث «مَنْ ذَرَعَه القَيءُ وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فَلْيَقْضِ» ، قال الإمام الدارقطني:«رواته ثقات كلهم» ، وقال الإمام الحاكم:«صحيح على شرط الشيخين» ، ووافقه الإمام الذهبا، وصححه الشيخ الألباني (2).
- حديث «القاتل لا يرث» صححه الشيخ الألباني (3).
- حديث صلاة التسابيح: قال الحافظ المنذرى: وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجُرّى وشيخنا أبو محمد عبد الرحمن المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسى (4) وقد صححه الشيخ الألباني (صحيح الترغيب: 677، 678).
أما قول الأستاذ محمد حسين: «ولا يزال من يقول إن صلاة التسابيح بدعة محدثة» (ص39) فالرد عليه: أن من قال هي بدعة فالحديث عنده غير صحيح.
قال الشيخ ابن عثيمين: صلاة التسابيح لا تصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال الإمام أحمد رحمه الله في حديثها:«لا يصح» ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:«إنه كذب» . (5)
* تنبيه: الرد على ما ذكره (ص36، 37) فيما يتعلق ببدعة تلقين الميت في قبره، سيأتي إن شاء الله أثناء الرد على البدع.
(1) انظر إرواء الغليل (1655).
(2)
انظر إرواء الغليل (923).
(3)
الإرواء (167، 172).
(4)
الترغيب والترهيب كتاب النوافل باب 17.
(5)
فتاوى أركان الإسلام (ص363).