الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
34-
التصنيف العائلي: اللغات الهندية الأوربية وغير الهندية الأوربية
إن أهم ما نتج عن المنهج المقارن هو تصنيف اللغات وربطها بسلسلة نسبية على أسس تاريخية، إنه المنهج المقارن الذي سمح للغويين التاريخيين أن يصرحوا -في شيء كبير من الثقة- أن لغات مثل الأرمينية والحثية يجب أن تدرج ضمن اللغات الهندية الأوربية، على الرغم من التغير الكبير الذي لحقها، والاختلاط الذي تعرضنا له، وإنه كذلك المنهج المقارن الذي سمح للغوي الحديث أن يؤكد أن اللغة الإنجليزية واحدة من اللغات الهندية والأوربية من الفرع الجرماني، وليس -كما يعتقد كثير من المتعلمين غير المتخصصين- أنها خليط من الجرمانية والرومانسية.
ولعل أول ثمرة من ثمرات البحث المقارن كانت السماح بعزل اللغات المنتمية إلى العائلة الهندية الأوربية، عن غيرها من اللغات التي ظهر فيما بعد أنها تشكل بذاتها عائلات لغوية أخرى، وبالنسبة للغات الهندية الأوربية فقد سمحت المماثلة بينها في بعض الظواهر التركيبية النحوية الأساسية، والمفردات الضرورية، ونظام التقابلات الصوتية المطردة سمحت بخلق إحساس بقرابتها. ولكن ظهر من ناحية أخرى -وعن طريق الملاحظة- أن اللغات الشمالية الباقية حتى العصر الحاضر "الكلتية، والجرمانية، والإيطاليقية، واليونانية، والألبانية، والبلطية السلافية، والأرمينية، والهندية والإيرانية" تشكل فيما بينها مجموعتين اثنتين رئيسيتين على أساس الاختلاف الصوتي المعين بينها. فاللغات الكلتية والجرمانية والإيطاليقية، وبوجه عام اليونانية والألبانية توجد فيها -تحت ظروف معينة- أصوات طبقية، وينضم إليها في ذلك اللغة الطخارية المنقرضة، في حين أننا نجد اللغات البلطية السلافية، والأرمينية، والهندية والإيرانية تشتمل على حروف صفيرية في نفس المواقع.
وقد أدى هذا إلى تصنيف ثان لتلك العائلة الهندية الأوربية إلى مجموعتين هما Satcm Languages، و Centum Languages، مع الزعم بأنه في عصر ما قبل التاريخ وجد قسمان من المتكلمين الأصليين للغات الهندية الأوربية يمثل أحدهما الجزء الشرقي، والآخر الجزء الغربي.
ومع أن هذه النظرية قد عدلت مؤخرا حينما اكتشف أن اللغة الطخارية التي تعتبر جغرافيا من اللغات الهندية الأوربية الشرقية ترتبط بالمجموعة اللغوية المسماة Centum فإنها ما تزال صالحة للاستعمال، لأنها -على الأقل- تمدنا بأساس معقول ومناسب للتصنيف اللغوي.
وقد كان التوصل إلى بعض المشابه -عن طريق المقارنة- بين مجموعتين أو مجموعات من اللغات، واكتشاف اشتراكها -دون غيرها- في بعض السمات سببًا في ظهور نظريات أخرى، وعلى سبيل المثال توجد نظرية تقول بأصل موحد للمجموعتين الإيطاليقية والكلتية يمتد إلى ما وراء فترة انفصال اللغات الغربية، وقد أسست هذه النظرية على ما لوحظ من أن كلتا المجموعتين تنقسم إلى قسمين فرعيين يمكن أن يسمى أحدهما مجموعة p والآخر مجموعة1 q. وهناك ظواهر مماثلة ساعدت على تكوين نظريات تقول بوحدة اللغات الجرمانية السلافية في وقت ما، وحتى على القول بوجود انقسام في المجموعة الإيطاليقية مع الأسكانية والأمبرية التي تبدو فيها خصائص مشتركة مع الجرمانية، وقد يؤدي هذا باللاتينية والفالسكانية إلى أن تشكل بنفسها مجموعة الإيطاليقية مع احتمال إضافة الصقلية القديمة. ولكن النتائج الحاسمة في الموضوع تبدو مفتقرة إلى البرهان، في حدود الشواهد التي في أيدينا، رغم أن هذه النظريات تشكل موضوعات هامة للمناقشة.
1 في المجموعة الإيطالية تملك اللاتينية quis و quinque ولكن الأسكانية تملك في مقابلهما pis و pumpe "بمعنى من وخمسة". وفي المجموعة الكلتية تملك الأيرلندية cuig و ceathair ولكن الويلزية تملك في مقابلهما pump و pedwar "بمعنى خمسة وأربعة".
وفي فترة متأخرة كان للطريقة المقارنة الفضل الكبير في نسبة الخط المينوي Minoan المسمى Linear B inscriptions إلى العائلة الإفريقية مع افتراض أنها تمثل صورا مبكرة للنقوش الإغريقية "حوالي 1400 ق. م" أكثر قدما من قصائد هوميروس "800 ق. م" التي كان ينظر إليها حتى ذلك الوقت باعتبارها أقدم أمثلة مسجلة للإغريقية، وإن الاكتشافات الحديثة التي تتم من وقت لآخر تخضع هي الأخرى للدراسة المقارنة، وتتكون نظريات جديدة على أساس نتائج هذه المقارنات، ومن الملاحظ أنه في بعض الأحيان تؤيد الشواهد الجديدة نظرية قديمة لم تكن مؤكدة "كما حدث في دراسة العالم Kurilowicz للأصوات الحنجرية للغة الحثية التي أيدت نظرية Do Saussure القديمة أن كل الجذور الهندية الأوربية تفضل القالب: ساكن، علة، ساكن" ولكن في بعض الأحيان تختلف الشواهد الجديدة مع النظرية القديمة.
ومن بين كل العائلات اللغوية تعد اللغات الهندية الأوربية هي المجموعة الوحيدة التي لاقت عناية كبيرة حتى الآن، وعليها أسست نظريات، ومنها استخلصت نتائج تعتبر أكثرها دقة وصوابا، ويرجع ذلك لسببين هامين: أحدهما تيسر المادة المبكرة المسجلة التي سمحت بعمل مقارنات شاملة، أما الثاني فهو طبيعة الاهتمام الذي حف بتلك اللغات نظرا للكثرة الكثيرة من المتكلمين بها "حوالي نصف سكان العالم يتكلمون لغات من أصل هندي أوربي"، وللدور الكبير الذي لعبه المتكلمون بها في ميدان الحضارة العالمية.
ويليها في درجة العناية، ويقاربها في مدى قدم النصوص المسجلة "في الحقيقة ترجع هذه المسجلات اللغوية إلى فترة زمنية أسبق من اللغات الهندية الأوربية"، وفي الأثر الذي لعبته في الحضارة الإنسانية "ولكن ليس في عدد المتكلمين" اللغات الحامية السامية Hamito-Semitic "بالإضافة إلى فرع ثالث هو الكوشية المتكلمة في أثيوبيا والأماكن المجاورة"، وتتمثل
اللغات الحامية في المصرية القديمة والقبطية الحديثة والبربرية "من بين اللهجات البربرية المستعملة الآن اللهجة الطوارقية ولهجة الشلحا وكلتاهما موجودة في الشمال الإفريقي، وكذلك لهجة جزر الكناري التي بادت الآن" ومن المعتقد أنه في وقت ما كانت اللغات الحامية تغطي كل إفريقيا الشمالية، وكانت تتكلم في كل من ليبيا ونوميديا، إلى أن حل محلها جزئيا لغات سامية وفدت أولا على أيدي الفينيقيين "فينيقيي قرطاجة القديمة" ومؤخرا على أيد العرب. أما الفرع السامي لهذه العائلة فله أعضاء قديمة متميزة مثل الأكادية "لسان البابليين والآشوريين" والفينيقية "بفرعها القرطاجي أو البونيقي" والعبرية "وكذلك اللغات المتصلة بمناطق الكتاب المقدس مثل الآرامية والسريانية والمؤابية" العربية والأمهرية والتيجرية المتكلمة في أثيوبيا والمصدرة في الغالب من الجنوب العربي وهنا مرة أخرى بسبب كثرة المواد التاريخية المسجلة فإن الدراسة المقارنة قد توصلت إلى تصنيف دقيق لتلك اللغات، ووصف لها.
وإن فقه اللغة الحامي السامي بدافع من الاهتمام التاريخي العام قد أصبح من الناحية العلمية على قدم المساواة في الأهمية مع اللغات الهندية الأوربية.
أما بالنسبة للعائلات اللغوية الأخرى فإن الدراسات التاريخية أكثر صعوبة، هناك فقط العائلة الصينية التبتية التي لها تاريخ قديم، وحضارة عريقة تعد على قدم المساواة -على الأقل- مع اللغات الهندية الأوربية، والحامية السامية. ولكن بالنسبة لهذه العائلة يوجد عيب كبير قلل من إمكانية الدراسة التاريخية أو العقلية ولكن الآن -وباستخدام البراعة والمهارة الاستنباطية- أمكن للباحثين أن يصلوا إلى بعض النتائج الهامة، مثل إعادة تركيب الصينية القديمة، واللغات اللصيقة بها مثل التايلاندية، والبورمية، والتبتية، وذلك من خلال معاجم القافية -إلى حد كبير- والألفاظ المقترضة منها في اليابانية والكوربة، وهناك
شيء مماثل كان يجب التوصل إليه بالنسبة للفرع الياباني الكوري، ولكن النتائج حتى الآن تافهة، أما اللغات الأورالية والألطائية فتعد مسجلاتها اللغوية متأخرة، نوعًا، كما هو بالنسبة للغات القوقازية ولغات إندونيسيا والفليبين ومدغشقر وساموا ونيوزلاندة وهاواي، أما بالنسبة للعائلة الدرافيدية الموجودة في جنوبي الهند فما تزال الشواهد غامضة وفي حال اللغات الهندية الأمريكية يعتبر الوصول إلى مادة مكتوبة مسجلة أمرا لا أمل فيه، وكذلك الحال بالنسبة لزنوج إفريقية ولغات المواطنين الأستراليين الأصليين واللغات البابوانية، وإلى جانب هذه الندرة في المادة المسجلة يجب أن نضيف عاملا آخر وهو نقص الإحساس بالأهمية الذي ظل مسيطرًا حتى الآن على دراسة تلك اللغات التي قامت بدور صغير أو لم تقم بأي دور في الحضارة الأوربية التي كان -وما يزال- يعتقد، سواء كان ذلك حقًا أو باطلا، أنها الحضارة العليا.
وعلى الرغم من أسبقية علم اللغة التاريخي في ميدان البحث اللغوي، ومن التقدم المطرد الذي أمكن تحقيقه خلال القرنين الماضيين فما زالت هناك جهود ضخمة يمكن بذلها حتى بالنسبة لتلك اللغات التي لاقت اهتمامًا كبيرًا. فإن هناك اكتشافات جديدة لكتابات مسجلة ما تزال يتوصل إليها، ويجب كلما اكتشفت شيء من ذلك أن يعاد النظر في النتائج المقارنة السابقة، التي كان بعضها فرضيا، ويدخل عليها من التعديلات ما هو ضروري بعد الاستفادة من تلك الشواهد الجديدة، وحينما يكون الحصول على مادة مكتوبة -بالنسبة للغات القديمة- غير متيسر يتجه البحث المقارن إلى اللغات الحية، ويأخذ قيمة كبيرة وهنا نجد المنهجين التاريخي والوصفي يدخلان في شكل انسجامي تعاوني مثمر.