الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
41-
عوامل مساعدة؛ الثقافة، المنحنى الثقافي، الدين، التأثير التاريخي:
في حين ترتبط هذه الموضوعات -إلى حد ما- بمجالات علم اللغة الوصفي والتاريخي، فهي أيضا موضوعات وثيقة الصلة بعلم اللغة الجغرافي، ما دامت تنعكس على المركز الحالي للغات العالم.
إن الصلة بين اللغة وثقافة الجماعة "التي تعد اللغة جزءا منها" لتعد من الموضوعات الهامة لعالم الأنثروبولوجيا. وكلمة ثقافة Culture ذاتها كلمة مضللة، لأن لها معنيين محتملين. فهي عند عالم الأجناس البشرية تعني الحصيلة الكلية للتقاليد والعادات، والأعراف، وطرق الحياة لأي طائفة اجتماعية سواء كانت متقدمة لدرجة عالية أو متأخرة، ومعنى هذا أن كل الجماعات عند عالم الأجناس البشرية -مهما صغرت أو كانت بدائية- لها ثقافة، وكل الثقافات على درجة واحدة من المساواة. أما كلمة ثقافة في مدلولها التقليدي فترتبط بالممارسة المتقدمة للحضارة التي عادة ما تعبر عن نفسها عن طريق اللغة المكتوبة وتشمل أشياء مثل الأدب والشعر والفلسفة والعلم والحصيلة الفكرية والمستويات المرتفعة للحياة والاتصال وحفظ الصحة. وهذا التباين الدلالي بين المعنيين قد أدى إلى سوء فهم متكرر، وربما كان علاج هذه الحالة في وضع كلمة أخرى لأحد هذين المعنيين.
إن ثقافة أي أمة أو جماعة ترتبط ارتباطا وثيقا بنمط لغتها ما دامت الأخيرة تعكس عادة نشاطات هذه الطائفة. وإن مدرسة العالم الأمريكي Whorf فيما وراء علم اللغة metalinguistics لتذهب أبعد من هذا وتزعم أن نمط
اللغة المتكلمة يفرض تأثيره المباشر على هذه النشاطات، وإن كان هذا الزعم ما يزال محل خلاف كبير1.
ومهما يكن من شيء فلا شك أن اللغة تشكل جزءا من الوعي الثقافي للجماعة، وهي تعد واحدة من أقدم المظاهر لهذا الوعي. وإن التمييز بين جماعة وأخرى ليؤسس غالبا -على الأقل من الناحية الظاهرية- على اللغة.
إذا كنت تتكلم لغتي فأنت تنتسب إلى مجموعتي، أما إذا اختلفت لغتك عن لغتي فأنت تنتمي إلى جماعة أخرى غير جماعتي، ونحن نتصرف على هذا الأساس، ومن ثم فاللغة في الغالب مفتاح لسلوك الجماعة، وتسمح بالتنبؤ بمشكلة رد فعل الجماعة تجاه المواقف المتنوعة. وإن عالم اللغة الجغرافي ليتعلم منذ البداية أن تجاهل العامل اللغوي في أي صورة من صور العلاقات الثقافية المتبادلة يعد خطأ كبيرا، وأن هناك شيئا واحدا لا بد أن يأخذه في اعتباره فوق كل الأشياء -إلى جانب المعتقدات الدينية- وهو لغة الجماعة التي يدرسها.
وحينما ننتقل من الحضارات المتخلفة إلى الحضارات المتقدمة يصبح العامل اللغوي في الثقافة أكثر أهمية، ما دامت اللغة -وبخاصة في صورتها المكتوبة- تقوم بدور الأداة أو الواسطة للثقافة، بمعنييها الأنثروبولوجي والتقليدي.
وعند هذه النقطة لا بد أن يؤخذ في الاعتبار، ليس فقط اللغة أو الثقافة الأولى للجماعة التي ندرسها، ولكن أيضا العوامل اللغوية الثقافية من الدرجة الثانية أو الثالثة، وإن من الأمم ما يتمتع بحضارة عالية، وينعم بثقافة خصبة خاصة به، ومع ذلك يتعرض للوقوع تحت تأثير تيار ثقافي أجنبي. ومن ذلك ما عرف عن كثير من الأمم الأوربية خلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، من أنها كانت واقعة تحت تأثير التيار الثقافي الفرنسي. وقد
1 انظر Whorf في كتابه Language، Thought and Reality المطبوع في لندن عام 1956 بتحقيق: J.B. Carroll.
انعكس هذا بسرعة في تغيير كثير من تقاليدها ومظاهرها حتى تتفق مع الثقافة التي أعجبوا بها. ومن الناحية اللغوية فإن هذا التيار الثقافي يبدو أثره في استعمال اللغة ذات الثقافة الرفيعة، وفي دراستها، وهذا بدوره يؤدي إلى خلق ما يمكن أن يسمى باللغة الثانية للأمة موضوع الدراسة. وإنه ليقال إن اللغة الفرنسية يتكلمها -على سبيل المثال- ليس أقل من مليون إيطالي، أو بعبارة أخرى شخص بين كل خمسة وعشرين، وهذا المركز يختلف في أسبابه -ولكن ليس في تأثيراته- عن الآخر الناشيء في قطر كان مستعمرا مثل الهند حيث تتحدث نسبة كبيرة من السكان اللغة الإنجليزية. وبالمعنى الذي شرح فيما سبق أصبحت اللغة الإنجليزية مؤخرا لغة ثقافية ناشرة نفوذها ليس فقط في الأقطار المستعمرة في الأصل، ولكن أيضا في أقطار لم يربطها رابط استعماري بها قط مثل تركيا والاتحاد السوفيتي، حيث لم يكن بهما مطلقا أي نوع من الاستعمار الإنجليزي أو الأمريكي.
إن العامل الديني لا بد أيضا أن يؤخذ في الاعتبار في أبحاث علم اللغة الجغرافي، فالنفوذ اللغوي البادي في اللغات الدينية مثل اللاتينية في البلاد الكاثوليكية الرومانية، والعربية في البلاد الإسلامية التي تتحدث اللغة العربية لا يمكن أن يتجاهله عالم اللغة الجغرافي. وهذا النفوذ اللغوي الديني يعني عادة أن اللغة التي يرتبط المتكلمون بها بعقيدة معينة سوف تأخذ كلمات وترجمات مفترضة من اللغة المقدسة، وأن بعضا من أبناء اللغة -قل أو أكثر، وإن كان في العادة يضم كل رجال الدين- سوف يستعملون -بصورة أو أخرى- اللغة المقدسة كلغة متكلمة. وربما كانت إيطاليا من أجل ذلك توصف بأنها دولة لغتها الثانية الفرنسية، ولغتها اللاتينية.
وقد لا يستحق التنبيه منا أن ننص على أن التاريخ الماضي يحمل نفوذا هائلا على الحالة اللغوية للدول الحديثة. وحتى الآن نجد أن هذا العامل كثيرا ما أهمل، أو بولغ في قيمته. وهناك أسباب تاريخية عميقة تكشف عن السبب في اختيار دولة إسرائيل الجديدة اللغة العربية بدلا من البيدية كلغة قومية ورسمية، وعن
السبب في أن الأيرلنديين يشعرون بأهمية اتخاذ الغيلية Gaelic كلغة وطنية في حين أن الأسكتلنديين لا يحملون نفس الشعور. وإن المعرفة بتاريخ الأمة الماضي سوف يعطي -غالبا- فهما ثاقبا للحقائق والاتجاهات اللغوية في الحاضر والمستقبل.
وربما كان من المرغوب فيه أن نؤكد مرة ثانية أن علوم اللغة الوصفية والتاريخية والجغرافية، ولو أنها متصلة ومترابطة، فإن لكل منهما نظرته الخاصة إلى اللغات.
فبالنسبة لعالم اللغة الوصفي كل اللغات على قدم المساواة لأنها -من وجهة نظر علم اللغة الوصفي- من الناحية الفعلية متساوية، وتتقاسم نفس الخصائص الأساسية "تركيبات صوتية وفونيمية، نظام نحوي، مفردات لغوية مستعملة".
أما بالنسبة لعالم اللغة التاريخي فاللغات تتفاوت في أهميتها تبعا لمدى انتشارها وسهولة معرفة تاريخها الماضي.
وإن لغة مثل اليونانية القديمة -بما تملكه من نصوص مسجلة مبكرة، وبما تتمتع به من وضوح تطورها التاريخي المبني على الوثائق- لا يمكن أن توضع على قدم المساواة مع لغة مثل الـMenomini التي لا تملك أي تاريخ مسجل.
إن اليونانية بالنسبة لعالم اللغة التاريخي على الرغم من ضآلة حجم المتكلمين بها اليوم، واختفاء نفوذها الحديث، لتعد أهم بكثير من اللغة الإندونيسية وحتى الروسية. وعالم اللغة الجغرافي لا بد أن ينظر إلى اللغات من زاوية أهميتها النسبية في عالمي اليوم والمستقبل القريب.
وإنه لمن اللغو أن نتوقع من اللغوي الجغرافي أن يعامل لغات مثل Hopi و Zuni على قدم المساواة مع لغة مثل الفرنسية والإسبانية، تتمتع بجمهور كبير، وبرقعة أرضية واسعة وبمكانة سياسية واقتصادية مرموقة.
وليس هذا نوعا من التقييم للغات، أو حكما ذاتيا بعيدا عن الموضوعية