المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ وظيفة علم اللغة الجغرافي: - أسس علم اللغة

[ماريو باي]

فهرس الكتاب

- ‌الفهرس:

- ‌المقدمات

- ‌مقدمة المترجم

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌القسم الأول: قضايا أساسية

- ‌علم اللغة وفقه اللغة

- ‌ اللغة، الكتابة، الإيماءات، الإشارات، الرموز:

- ‌ خصائص اللغة المتكلمة:

- ‌امتداد آفاق اللغة

- ‌ مستويات التحليل اللغوي:

- ‌ علم الأصوات، علم الأصوات العام، علم الفونيمات:

- ‌ الكتابة الصوتية والكتابة الفونيمية:

- ‌ التركيب القواعدي؛ صرف ونحو:

- ‌ المفردات؛ علما الدلالة وتاريخ الكلمات:

- ‌ تصنيف اللغات:

- ‌ علم اللغة المقارن؛ إعادة التركيب اللغوي:

- ‌ الكتابة:

- ‌ توزيع اللغات وعلم اللغة الجغرافي:

- ‌ الموقع وعدد المتكلمين وتوزيع اللغات في الوقت الحاضر:

- ‌ لغات المناطق وأهميتها النسبية:

- ‌ اللغة الأدبية، اللغة الوطنية، اللهجات، اللغة الدارجة، العامية:

- ‌ الصورة اللغوية المتغيرة:

- ‌القسم الثاني: علم اللغة الوصفي "اصطلاحات أساسية

- ‌ علم الأصوات:

- ‌ علم الفونيم:

- ‌الفونيمات الثانوية النبر- التغنيم- المفصل

- ‌ علم المورفيم:

- ‌ المورفوفونيم:

- ‌ التركيب النحوي؛ علم القواعد:

- ‌ المفردات:

- ‌القسم الثالث: علم اللغة الوصفي "منهج البحث

- ‌ التحليل الفونيمي والمورفيمي

- ‌ بناء نحو وصفي:

- ‌ إعداد الأطلس اللغوي:

- ‌القسم الرابع: علم اللغة التاريخي "إصطلاحات أساسية

- ‌نقاط إتصال مع علمي اللغة الوصفي والجغرافي

- ‌التغير الفونولوجي والقياسي

- ‌ التغير الصرفي والنحوي:

- ‌ التغير المعجمي؛ الاشتقاق، التركيب، الوضع، الافتراض:

- ‌القسم الخامس: علم اللغة التاريخي "منهج البحث

- ‌ المادة اللغوية المدونة:

- ‌ المنهج المقارن:

- ‌ التصنيف العائلي: اللغات الهندية الأوربية وغير الهندية الأوربية

- ‌ منهج لإعادة البناء الداخلي للغة:

- ‌ تاريخ اللغات والإحصاء المعجمي:

- ‌القسم السادس: علم اللغة الجغرافي "اصطلاحات ومصاعب رئيسية

- ‌ وظيفة علم اللغة الجغرافي:

- ‌ اللغات والمتكلمون؛ البلاد واللغات:

- ‌ اللغات المساعدة والبديلة:

- ‌ أنظمة الكتابة والتعرف اللغوي:

- ‌ عوامل مساعدة؛ الثقافة، المنحنى الثقافي، الدين، التأثير التاريخي:

- ‌ اللهجات والتنوعات المحلية؛ اللغات الطبقية:

- ‌القسم السابع: علم اللغة الجغرافي؛ "منهج البحث

- ‌ التعداد السكاني وإحصاءات القراءة والكتابة:

- ‌ التقارير التعليمية:

- ‌ دراسات للمناطق ولغاتها:

- ‌القسم الثامن: تاريح موجز لعلم اللغة

- ‌العصور القديمة والوسطى

- ‌من النهضة العلمية حتى عام 1800:

- ‌القرن التاسع عشر:

- ‌القرن العشرون:

- ‌نظرة إلى الأمام:

- ‌ملاحق

- ‌مدخل

- ‌المحلق رقم3

- ‌قائمة بمصطلحات الكتاب:

- ‌قائمة اللهجات واللغات والعائلات اللغوية

الفصل: ‌ وظيفة علم اللغة الجغرافي:

‌القسم السادس: علم اللغة الجغرافي "اصطلاحات ومصاعب رئيسية

".

37-

‌ وظيفة علم اللغة الجغرافي:

إن علم اللغة الوصفي يختص أساسًا بدراسة اللغة من الناحية التجريدية، ويوصف لغات معينة من النواحي الفونيمية والصرفية والنحوية والمجمية، أما علم اللغة التاريخي فيعالج تطور اللغة أو اللغات، وإعادة بناء اللغات الأم المفترضة على أساس الدراسة المقارنة للملامح الموجودة في اللغات المتفرعة عنها. ولا واحد من هذين الفرعين التقليديين، يعد من وظيفته الأساسية دراسة لغات العالم اليوم، وعلاقاتها الجغرافية، وتوزيعها على خريطة العالم، وبيان أهمية كل من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقد نالت هذه المشكلات شيئًا ضئيلا من الاهتمام حين عولجت في بعض الكتيبات الحديثة خلال تناولها لبعض المسائل اللغوية التاريخية أو الوصفية.

صفحات قليلة -لا تتجاوز فصلا واحدًا في العادة- قد خصصت لبيان عدد المتكلمين اليوم بكل لغة، ولدراسة توزيع اللغات في العالم، وأحيانًا ما تجد المعلومات عن هذا الموضوع موزعة في فصول متعددة من الكتاب، كأنها شيء عرضي أو ثانوي بالنسبة لتركيب اللغة نفسها، أو لتطورها التاريخي، ونادرًا -إن لم يكن معدومًا- ما يشار إلى تلك الملامح والسمات ذات الأهمية العلمية العظمي، ليس فقط بالنسبة للغويين المتخصصين، ولكن أيضًا بالنسبة للشخص.

ص: 183

المتعلم العادي1. وإن موضوع علم اللغة الجغرافي الذي يشمل لغات العالم بأسرها نادرًا، إن لم يكن معدومًا ما يعالج في منهج دراسي عادي في مرحلة الدراسة العالية أو الجامعية، التي تتناول اللغات معزولا بعضها عن بعض، ولا تلي بالا إلى غير القواعد النحوية، والقضايا الأدبية، ومن أجل هذا فإن الشخص المتعلم العادي كثيرا ما يخرج من دراسته العالية إما بتصور خاطئ أو مبالغ فيه عن أهمية لغة أو أكثر من اللغات الأجنبية التي درسها، وإما بجهل فاضح بالدور الذي تلعبه لغات أخرى متنوعة في عالمنا اليوم.

وربما كان هذا مقبولا فيما مضي حين كانت الجنسيات المختلفة -وخصوصًا الغربية منها- تعيش حياة منعزلة نوعًا عن غيرها، أما الآن ونحن في أواخر القرن العشرين فلا يمكن قبول هذا بعد أن تقدمت وسائل الاتصال

1 إذا أخذنا سبعة من الكتب في الحقلين الوصفي والتاريخي كنموذج لهذا الإهمال نجد النسبة لما يمكن أن يعتبر -ولو لقدر بسيط من علم اللغة الجغرافي- كالآتي:

أ- كتاب Bloomfield المسمى Language نجد فيه الصفحات: 57-73، 281-296، أي 31 صفحة من 564 صفحة.

ب- كتاب L.H. Cray المسمى Foundation of Language لا نجد فيه شيئا، أو من ص295-418 بشيء من التجوز، أي 123 صفحة من 530 صفحة.

جـ- كتاب Sturtevant المسمى An Introduction to Linguisic لا نجد فيه شيئا مع أنه يبلغ 173 صفحة.

د- كتاب Hockett المسمى Course in Modern Linguistics نجد فيه الصفحات 539-549، 587-598، أي 22 صفحة من 621 صفحة.

هـ- كتاب Gleasson المسمى Introduction to Descriptive Linguistcs نجد فيه الصفحات من 408-438، 457-479، أي 54 صفحة من صفحة 503.

و كتاب Lehmann المسمى Historical Linguistics من صفحة 17-50 أي 22 صفحة من 295 صفحة.

ز- كتاب Hughes المسمى The Science of Language من صفحة 73-144 أي 71 صفحة من 305 صفحة.

ولا يتفق مع منهجنا في علم اللغة الجغرافي سوى أول هذه الكتب وآخرها.

ص: 184

والالتقاء، وقربت المسافات إلى أقصى مدى ممكن، وحصل تبادل في الثقافة ووسائل التجارة، وأصبح أي اضطراب سياسي في مكان ما لا يؤثر فقط على بلد واحد أو منطقة واحدة، وإنما ينعكس في مناطق بعيدة من العالم. إنه ليس مقبولا أو مستساغا الآن أن يعتقد شخص مثقف أن اللغة الإسبانية هي المتكلمة في البرازيل1، وأن يتحير أمام صحيفة معروضة في محل لبيع الصحف أهي مكتوبة بالروسية أم البولندية2، وهناك حاجة ملحة الآن لوضع تعليمات يمكن أن تمد دارسي اللغات بمعلومات أقل ما تحويه، تعريفهم باللغات الرئيسية في العالم، ومكانها على الخريطة، ومن المتكلمون بها، وما عددهم، وما قيمتهم من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن غير أي جهد لتحويل الدارس إلى متكلم باللغات الرئيسية -الأمر الذي يعد مستحيلا بشكل واضح- فإن هذا النوع من الدراسة سوف يزوده على الأقل بالسمات الهامة لتلك اللغات من ناحيتيها المتكلمة والمكتوبة، بقصد التعرف على كل، إن لم يكن هناك قصد آخر.

هذا النوع من المعلومات -ذو الطابع العملي بدرجة كبيرة- يشكل الأساس لعلم اللغة الجغرافي في معناه العام الأولي. إنه لمن الأهمية بمكان للمتعلم الجامعي -على الأقل- أن يعرف أن البرتغالية تتكلم في البرازيل، وأن الصينية -بلهجاتها المتعددة- تملك أكثر من 600 مليون متكلم، وأن الألمانية والروسية -أكثر من الإنجليزية والفرنسية- يمكن أن تستعملا الآن كلغات بديلة في المجر، وفي تشيكوسلوفاكيا، تمامًا كما هو هام أن يعرف الفرق بين الصوت والفونيم، أو يعرف أن اللغة الرومانية متفرعة عن اللاتينية، وأن اللاتينية متفرعة بدورها عن الأسرة الهندية الأوربية، أما في معناه العلمي المعقد فإن علم اللغة

1 اللغة المتكلمة هي البرتغالية لا الإسبانية.

2 مثل المؤلف هذا السؤال من شخص مثقف ثقافة عالية جدا، يعرف من اللغات اللاتينية واليونانية والفرنسية والألمانية والإيطالية.

ص: 185

الجغرافي يتناول -في تفصيل- لغات المناطق المتنوعة على وجه الأرض، وكيف يمكن الاستفادة منها، أو إحلال غيرها محلها، وماذا تمثل من وجهة النظر العملية للرجل العسكري، والموظف الحكومي، والباحث العلمي، والفني والمبشر، وقوات الأمن الدولية، ولسرعة تحركات هذه الطبقات ونحوها فإنه لا يكفي أن يعرف الفرد منهم معلومات سريعة عن لغات منطقة معينة1. إنهم يجب أن يلقنوا بعض معلومات عن لغات مناطق أخرى، ربما تعرضوا للانتقال المفاجئ إليها، وأهم من هذا ضرورة إعداد دراسات مفصلة، وعمل إحصاءات عن اللغات، والأمية، والمركز التعليمي لمناطق العالم المختلفة، وكذلك إعداد علماء لغة جغرافيين مدربين يمكنهم أن يسايروا التطورات السريعة المتوقعة في هذا الحقل، وهذه المعلومات أكثر فنية مما قد يبدو للنظرة السطحية، ولا يمكن أن تكتسب بين يوم وليلة، وهذه الدراسة ليست تابعة، إلا من بعض جوانب غير مباشرة لعلم اللغة التاريخي، أو الوصفي، ولكنها تشكل حفلا خاصا بنفسها.

وبينما نجد بعض مصطلحات علم اللغة الجغرافي تتفق مع مصطلحات علم اللغة الوصفي أو التاريخي، فهناك مصطلحات كثيرة نادرًا ما تستعمل في الأعمال اللغوية التقليدية.

مصطلح اللغة الأهلية أو البلدية indigenous language يطلق على اللسان المتكلم الشائع الاستعمال في منطقة معينة مثل البنجالي في الجزء الشمالي الشرقي من الهند، والجزء الشرقي من باكستان، إنها ربما تتطابق أو لا تتطابق مع اللغة الوطنية national language أو الرسمية official language.

1 ضابط في الجيش وثيق الصلة بالمؤلف عين في المملكة العربية السعودية، وأخبر بضرورة تعلمه اللغة العربية في مدرسة اللغات تابعة للجيش الأمريكي، وقبل مضي شهرين على هذا الأمر ألغي الأمر السابق وصدر الأمر بإرساله إلى كوريا، وقد أمر من أجل ذلك بترك تعلم اللغة العربية، والالتحاق بفصول اللغة الكورية.

ص: 186

اللغة الأولى هي اللغة الشائعة الاستعمال بين جميع أفراد الأمة، مثل اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة، الأمريكية، أو التي تحاول الحكومة الوطنية أن تجعلها كذلك، مثل اللغة الهندية في الهند، أو التانحالوغية في الفليبين، إذ كل منهما في الحقيقة لغة لفريق من المواطنين، ولكن تحاول الحكومة أن تفرضها على سائر أفراد الشعب، إنها ربما كانت أيضًا لغة لا تجد إلا تأييدًا حكوميًا قليلا ولا يحتاج إليها في الوثائق الرسمية أو النقوش وذلك مثل اللغة الرومانشية في سويسرا. أما اللغة الرسمية فهي تلك التي تستعمل في الوثائق الرسمية، وفي المقابلات على المستوى الحكومي "الألمانية والفرنسية والإيطالية تعد لغات رسمية في سويسرا، والفرنسية والفلمنكية في بلجيكا، والإنجليزية، والأفريكانية في جنوب إفريقية، والفرنسية والإنجليزية في كندا" واللغة الرسمية ليست بالضرورة اللغة الأهلية للمنطقة بأسرها، بل ربما لم تكن لغة أهلية على الإطلاق "مثل الإنجليزية في بورتوريكو التي تعد رسمية هناك مع الإسبانية". وصورة اللغة الرسمية والوطنية دائمة التغير في حين أن اللغة الأهلية -على الرغم من تعرضها لتغيرات طويلة الأجل -أكثر استقرارا بدرجة ملموسة. فالأردية في شرق باكستان -على سبيل المثال- كانت اللغة الرسمية الثابتة، ولكن البنجالية هي اللغة الأهلية "الأردية هي اللغة الأهلية في غرب باكستان"، ونتيجة لفتن أهلية أصبحت البنجالية لغة رسمية بالاشتراك مع الأردية.

وقد خلق استعمار القرون الماضية ما يسمى باللغات الاستعمارية colonial languages، أو colonizing languages، أو لغات الاستعمار languages of colonization التي تطلق على اللغات الرسمية الأساسية في المناطق المحتلة بقوات استعمارية. وبهذا المعنى أصبحت الإنجليزية اللغة الاستعمارية والرسمية في الهند فارضة نفسها على اللغات الأهلية المتعددة وتظل اللغة الاستعمارية المفروضة superimposed حية حتى بعد اختفاء القوة الاستعمارية وكثيرا ما تظل لغة رسمية، أو واحدة من اللغات الرسمية للبلد الحديث الاستقلال ومن أمثلة ذلك اللغة الإنجليزية في نيجيريا، وغانا، واللغة

ص: 187

الفرنسية في الأمم الجديدة التي خرجت عن الوصاية الفرنسية في أفريقيا.

وهناك نوع أكثر غموضًا وخفاء حيث تفرض اللغة كلغة منطقة area "or regional" language كما فعلت الروسية في شرقي أروبا، وكما فعلت الفرنسية أو الإنجليزية في مناطق متنوعة من العالم، حيث لا يعد أي منها لغات أهلية أو رسمية، وفي هذه المناطق تميل اللغة الأهلية إلى أن تكون لغة تابعة satellite language وتتعرض لكل أنواع التأثير من اللغة السائدة حيث تفترض منها كلمات وتعبيرات وتركيبات، ولكن مع احتفاظها باستقلالها ومركزها كلغة منفصلة.

وهذا يوجد غالبًا ما يسمى بمنطقة النفوذ اللغوي linguistic sphere of influence حيث يكون لسان المجموعة الغالبة متكلما ومفهومًا بشكل واسع، ويؤثر في مجموعة اللغات التابعة.

وفي بعض الأوقات تصبح لغة المستمر لغة رسمية، وربما أيضًا وطنية وأهلية عن طريق ما يعرف بالإحلال اللغوي linguisic replacement وقد حدث هذا بالنسبة للغة الإنجليزية في أمريكا الشمالية، وأستراليا ونيوزلاندة، وبالنسبة للغة الفرنسية في الأقاليم الكندية بمنطقة كوبيك، وبالنسبة للإسبانية، والبرتغالية جنوب ريوجراند، وحينئذ فإن اللغات الأهلية الأصلية، ربما تميل إلى الاختفاء وربما عاشت في حالة وجود سلمي أو تكاملي مع اللغات الجديدة، مثل لغة Quichua في بيرو و Aymara في بوليفيا، Tupi-Guarani في باراجواي، ونادرًا ما يحدث أن تندمج اللغتان في لغة واحدة على أساس متعادل، وإن كان المعتاد حدوث اقتراض شامل للكلمات والصيغ من كلام الجانبين، وربما ينتج عن ذلك خلق لغة مشتركة مبسطة أو مهجنة pldgin أو creole language حيث تسيطر اللغة المتولدة، ولكن مع خضوع ملحوظ للعادات الكلامية للسكان الأصليين، وربما كانت عملية التوصيل إلى لغة مشتركة مبسطة، أو لغة مهجنة تسير ببطء شديد، كما حدث مع لغة

ص: 188

الأفريكانيين في جنوب إفريقيا، التي ما تزال أساسا الهولندية، وربما كانت العملية ملحوظة التقدم، كما في اللغة الإنجليزية الميلانيزية المبسطة، أو الفرنسية الهاييتية المهجنة، وربما يصيب اللغة المهجنة نوع من عدم الاستقرار، فتصبح لغة وطنية، ولغة رسمية، كما هو الحال بالنسبة للغة الأفريكانية والمالطية "أساسًا عربية ولكن مع تأثيرات إيطالية كبيرة" وربما كان أدخل في عدم الاستقرار اللغة المخلطة للمهاجرين أو المجنسين، الجدد، التي تميل عادة إلى الاختفاء بعد جيل أو جيلين، مثل الإيطالية، والييدية وغيرها من لهجات المهاجرين immigrant dialects في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذه الأنواع يتم عادة خلق صيغتين كلاميتين منفصلتين، ولكن غير ثابتتين إلى حد كبير، أولاهما لغة المهاجرين الأصلية المحرفة، عن طريق إضافة أعداد هائلة من الكلمات والتعبيرات المأخوذة من لغة البلد المستضيف، ولكن مع الاحتفاظ بنماذجها الفونيمية الأصلية، وتطويع الكمات والتعبيرات المقترضة لنظامها الصوتي، أما ثانيهما فلهجة المهاجرين التي يساء فيها نطق لغة البلد المستضيف، وربما يساء استخدامها بوجه عام، ويتم الاستعياب والامتصاص absorption حينما يتأتى للجيل الثاني أن يتمكن من لغة البلد المستضيف، ويستخدمها كلغة أهلية أو بلدية، ولكن الامتصاص قد ينتج آثاره أيضًا حينما ينتقل السكان الأصليون إلى لغة الاستعمار، كما حدث مع أناس كثيرين من أصل هندي في أقطار مثل المكسيك والبرازيل الذين لا يتحدثون الآن سوى الإسبانية والبرتغالية، كذلك ربما يعمل الامتصاص عمله بطريقة عكسية، كما حدث مع القوط أو الفرنكيين المتكلمين بالجرمانية حينما دخلوا الإمبراطورية الرومانية، فتحولوا إلى متكلمين باللغة اللاتينية العامية والرومانسية القديمة، ولكن مع مساهمتهم الفعالة في تنمية المادة اللغوية الرومانسية، والنورمانديون المتكلمون بالفرنسية قد امتصوا بنفس الطريقة داخل المجموعة المتكلمة باللغة الإنجليزية في القرون التي تلت الغزو النورماندي، على الرغم من أنهم تركوا آثارهم الملحوظة في الطور الذي لحق اللغة الإنجليزية بعد ذلك.

ص: 189

أما مصطلح اللغة المقدسة liturgical tongue فيستعمل عادة في الطقوس الدينية مثل اللغة اللاتينية في المناطق الكاثوليكية الرومانية، ومثل هذه اللغة تؤثر بعمق في اللغة المتكلمة بهذه المنطقة، حيث يظهر مفعولها في شكل كلمات وصيغ وتعبيرات كثيرة، واللغة العربية باعتبارها لغة القرآن المقدسة تتكلم وتفهم على شكل واسع في البلاد المسلمة التي لا تتكلم اللغة العربية مثل إيران وباكستان.

وكثيرا ما تبرز لغة ما نتيجة لقيمتها الثقافية، وبهذا نجدها تدرس وتستعمل في بلاد لا تتخدها لغة بلدية، وإن مكانة اللغة الفرنسية لمعروفة جيدا باعتبارها لغة دبلوماسية، ولغة ذات ثقافة عامة في معظم أنحاء العالم، وعلى امتداد فترات طويلة تبلغ قرونا عديدة، وعلى الرغم من أن نفوذها ربما كان لبعض الوقت راجعا إلى نفوذها السياسي أو العسكري فإن مكانتها اليوم ثقافية محضة.

واللغة الفارسية مثل الفرنسية -في كثير من البلاد الإسلامية- حيث تتخذ لغة ثقافية Cultural language وغالبا، ما تمتزج الصفات المقدسة والثقافية لدرجة يصعب معها تخليصهما بعضهما من بعض، وقد بدأت اللغة اللاتينية كلغة مفروضة نتيجة الاستعمار، ثم أصبحت لغة أهلية في الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية، واستمرت لغة مقدسة وثقافية مدة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية، وما تزال حتى الآن تستعمل بهاتين الصفتين.

واللغة الوسط Koine or compromise language هي تلك الصيغة التي تحوي ملامح من لهجات عدة متصلة، والتي تبرز في النهاية كلغة بلدية ورسمية.

وإن اللهجات اليونانية القديمة قد تبلورت عن لغة وسط استعملت في الفترة اليونانية الكلاسيكية المتأخرة، وخلال آلاف السنين في الإمبراطورية البيزنطية.

وإن اللغة النموذجية الأدبية الإيطالية قد انبثقت عن نفس الطريق، وربما وصف كذلك بأنها لغة وسط، ومثل هذا قد يصدق على لغة الباهاسا في

ص: 190

إندونيسيا، التي تعد الآن لغاة رسمية للجمهورية الإندونيسية، حالة محل لغة أقدم كانت تستعمل بصفة غير رسمية في مسائل التجارة، وهي لغة الملايو "وكانت أحيانا ما تسمى بلغة السوق الملايي".

ومفهوم المصطلحات: اللغة الأساسية primary، والثانوية Secondary والمساعدة auxiliary، والبديلة Substitute ضرورية في علم اللغة الجغرافي التطبيقي، إن اللغة الأساسية لبلد إنما هي في العادة لغتها البلدية والوطنية والرسمية، إنها اللغة التي تتمتع باعتراف الحكومة، والتي تستعمل في الوثائق والاتصال، إلى جانب تعليمها في المدارس، ولكن غالبا ما توجد لغة ثانوية يعرفها جمهور كبير من السكان، وتستعمل في مجالات كثيرة، ومثال ذلك اللغة الألمانية، في المجر، وتشيكوسلوفاكيا وشمال يوغوسلافيا: أما اللغة المساعدة أو البديلة، فهي تلك التي قد تستعمل في مجالات خاصة، وحتى في الأوساط الرسمية، ومثال ذلك في اللغة الفرنسية، في شمالي إفريقية العربية التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي "الجزائر وتونس ومراكش".

أما المصطلح التوزيع اللغوي linguistic distribution فيستخدم حين الحديث عن طريق انتشار اللغة في مناطق مختلفة من العالم. الإنجليزية والفرنسية لغتان من أوسع اللغات انتشارا، والإسبانية والبرتغالية والعربية والألمانية على درجة أقل من الانتشار أما الروسية -التي كانت في يوم ما مقصورة على الاتحاد السوفيتي- فإنها تحاول الآن بعزم وتصميم أن توسع مجال انتشارها في أوربا الشرقية، أما الإيطالية والصينية والهندستانية والبنغالية والإندونيسية واليابانية فإنها لغات مقيدة إلى حد كبير بمناطقها المحلية. واللغة حينما تغادر موطنها الأصلي تكون قابلة للتعرض لعوامل الانتشار، والتوسع diffusion، أو لعوامل التبدد والانحلال dispersion. وهذا ينطبق مثلا على اللغة الإيطالية التي اكتسبت الانتشار والتوسع على أيدي المهاجرين إلى مختلف العالم، ولكنها في نفس الوقت خضعت لعامل التبدد والانحلال

ص: 191

حيث تلاشت بعد الجيل الثاني أو الثالث من على ألسنة المتكلمين بها من المهاجرين.

أما المصطلحات: ثنائية اللغة bilingualism، أو ثلاثية اللغة trilingualism أو تعدد اللغة multilingualism فهي مصطلحات تصف حالات معينة حينما يتكلم فرد أو مجموعة ما لغتين أو أكثر على درجة واحدة تقريبا. وإن ثنائية اللغة من السهل تحقيقها حينما تكون اللغتان مستعملتين جنبًا إلى جنب منذ الطفولة المبكرة، وبشرط أن تستمرا إلى فترة متأخرة، وما يقال من أن ثنائية اللغة أو ثلاثيتها تلحق الضرر بالتطور النفسي للفرد فدعوى لا دليل عليها. كذلك لا دليل على الدعوى الآخرى أن الثنائية تعوق التمكن من إحدى اللغتين أو كلتيهما، إن التمكن من أي لغة يتوقف على الفرد، وليس على عدد اللغات المراد تعلمها فالشخص الذي يتكلم بطريقة ناقصة سوف يتكلم لغة واحدة بنفس الطريقة الناقصة.

أما المصطلح: معامل القراءة والكتابة literacy coefficient، فيستخدم بالنسبة لكل لغة على حدة، على أساس مئوي يبين نسبة المتكلمين باللغة الذين يعرفون القراءة والكتابة، والذين بالتالي يستطيعون مباشرة الاتصال عن طريق الصيغة المكتوبة.

وأما المصطلح معامل القومية nationalism coefficient فيشير إلى عامل تقل الصفة الموضوعية فيه، وهو عامل المشيئة الصادرة عن المتكلمين بلغة ما بالإبقاء على حياة لغتهم، وهو عامل غالبا ما تختلط فيه عوامل الدين والجنس وعوامل أخرى1.

وهناك مجموعة أخرى من المصطلحات تختص بميدان اللغات الصناعية

1 لاحظ مثلا أن العامل الديني كان ملاحظا في الاحتفاظ باللغة العبرية، واتخاذها لغة رسمية في دولة إسرائيل، إلى جانب عامل "الرغبة في الحياة" وتبدو فاعلية هذين العاملين كذلك بالنسبة للغة الكلتية في أيرلندا.

ص: 192

المؤلفة للاستعمال العالمي، مثل الإسبرانتو، والإنترلينجوا. وهذه اللغات كثيرا ما توصف بأنها مركبة constructed، أو صناعية artifical "إشارة إلى أنها من صنع عقل إنساني فردي، وليست نتيجة نمو طبيعي عفوي"، أو دولية international، أو عالمية universal "للإشارة إلى وظيفتها المرجوة"، أو مساعدة1 auxiliary "للإشارة إلى أنها لم يقصد بها أن تحل محل لغة موجودة بالفعل وإنما تساعدها فقط"، أو لغة وسيطة interlanguage "للإشارة إلى وظيفتها كوسيلة بين المتكلمين بلغات طبيعية مختلفة" ومن بين المصطلحات المستخدمة كذلك مصطلح اللغة المعدلة modified language "مثل Latino Sine Flexione التي تستخدم اللغة اللاتينية في مفرداتها العادية، ونظام جملها، ولكن مع التخلص من النهايات التصريفية، وعلامات الإعراب المعقدة، ومع توحيد مقاييسها لخدمة أغراض عالمية".

كذلك يستخدم المصطلح اللغة الأساسية basic language "مثل الإنجليزية الأساسية التي حوول فيها تقليل عدد المفردات عن طريق الاستعانة بالعبارات المفسرة المرادفة واستخدام التجمعات الكلامية". أما مصطلح اللغة الأولية priori Language فيشير إلى اللغة التي وضعت من غير إشارة، ومن غير مماثلة لأي لغة موجودة بالفعل، وذلك مثل لغة Ro أو لغة Suma. ومصطلح اللغة التابعة posteriori Language يطلق على تلك التي كونت عن طريق مزج وحدات من لغات مختلفة حية بالفعل، وذلك مثل الإسبرانتو والإنترلنجوا. أما المصطلح يصوت phonetize فيعني المحاولة لجعل الطريقة الكتابية للغة ما صوتية "مثل: تهذيب الهجاء الإنجليزي English Speling Reform". وهو لهذا لا يقف على قدم المساواة مع المصطلحات

1 لا تخلط بين هذا المصطلح وسميه الذي استعمل مؤخرا في سياق مغاير.

ص: 193

السابقة التي تمس تشكيل اللغات، إذ هو لا يعدو محاولة التغيير للصيغة المكتوبة فقط.

وهناك مصطلح آخر، هو التعريف اللغوي language identification وهو يتعلق بالصيغة المكتوبة أو المنطوقة للغة، أو بهما كليهما، وهو جزء من علم اللغة الجغرافي مكمل لعلم الأنماط التركيبي، وللتصنيف اللغوي على أساس القرابة التاريخية، والهدف هنا في معظمه هدف عملي، وهو القدرة على أن تدل من أصوات لغة منطوقة أو مظهر لغة مكتوبة، على نوع اللغة التي تواجهها، ومن نواح كثير يعد هذا العلم المسمى بالتعرف اللغوي مشابها لدرجة كبيرة لقولك "من أين أنت؟ "، إنه أسلوب فني للعمل، عن طريق يمكن تحديد المنطقة اللغوية الصغيرة التي ينتمي إليها المتكلم، والتي قد تصل إلى نصف قطر قدره عشرة أميال من مسقط رأسه، وذلك عن طريق خصائصه الكلامية المتميزة والقدرة على تمييز اللغات التي يواجهها الإنسان -عن طريق صيغتها المتكلمة أو المكتوبة- قد تكون على قدر كبير من الأهمية حتى إذا لم يكن الشخص متكلما أو فاهما لتلك اللغات1.

أما المصطلحات التي يشترك فيها علم اللغة الجغرافي مع التاريخي أو الوصفي فمنها language in contact الذي يشير إلى وجود لغتين أو أكثر مستعملتين في مناطق متلاصقة، وتؤثر كل منهما على الأخرى بطريقة مستمرة في تطورها على الرغم من احتمال كونهما غير مرتبطتين أصلا من ناحية القرابة اللغوية، أو أنماط البناء والتركيب، وعلى سبيل المثال فإن الرومانية والبلغارية والألبانية كلها تنتمي إلى الفرع البلقاني، ولكنها تنتمي إلى ثلاث مجموعات مختلفة من الفصيلة الهندية الأوربية، ويبدو أنها جميعا قد طورت بشكل موحد خاصية

1 للمؤلف مقالة في مجلة البوليس الأمريكي "سبتمبر، أكتوبر 1959" بعنوان "ماذا قال؟ " وهي تعالج موضوع إمكانية التعرف على المجرم، وتحديد منطقته عن طريق دراسة ملامحه الكلامية.

ص: 194

تأخير أداة التعريف. أما مصطلح المنطقة المركزية focal area، أو مصطلح مركز الهيبة اللغوية linguistige prestige centre فيشير إلى المنطقة اللغوية ذات المركز المتميز، والتي يخرج منها الابتكار اللغوي وينتشر خارجًا1.

أما مصطلحا الانتقال transition والمناطق ذات الدرجات graded areas فيستعملان حيث توجد منطقة تخضع لنفوذ لغوي من منطقتي إشعاع لغوي مختلفتين، أو حيث تلتقي خصائص محافظة وتحررية في منطقة واحدة. أما المصطلح، المناطق الأثرية relic areas فيشير إلى المناطق المحافظة التي تقاوم التجديد والابتداع. أما المصطلح، الانقسام اللهجي dialectalization فيعني الاتجاه الطردي المركزي الطبعي للغة نحو الانقسام إلى لهجات، ويصاحبه اتجاه آخر نحو التجمع dedialectalization نتيجة لنفوذ العوامل الجذبية المركزية، المتمثلة في مركز الحكم، أو سهولة وسائل الاتصال والانتقال، أو التعليم، أو الشعور القومي، أو التقاليد الأدبية، أما المصطلح الانقسام الطبقي social stratification فيعني ميل الكلام المحلي إلى الانقسام إلى لغات طبقية class languages على أساس الفروق الاقتصادية أو التعليمية2.

أما المصطلح اللغة الدارجة vernacular أو umgangssprache فيتناول اللغة التي تتمتع بصفة التفاهم المشترك، أو اللغة العامة التي يستعملها

1 في العصور الوسطى فرضت باريس -باعتبارها مركز الحكم- لهجتها على مناطق واسعة، إلى أن صارت اللهجة الباريسية فيه اللغة النموذجية، واليوم نجد أن نيويورك بما تملك من إرسال إذاعي أن تليفزيوني، وهوليوود بما تحتل من مركز مرموق في صناعة السينما هما مركز الإشعاع الخارجي ومنطقتا "الابتكار" الذي يتبعه سائر أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا فإن طريقة نطقهما، ونحوهما، ومفرداتهما يقلدها كل المشاهدين والمستمعين، وبخاصة الشبان منهم، مهما كانت منطقتهم السكنية أو ثقافتهم، وقد حدث مثل هذا في إيطاليا حيث تغلبت لهجة روما على سائر اللهجات باعتبارها لهجة العاصمة.

2 مثال ذلك ما يحدث من اثنين ينتميان إلى منطقة محلية واحدة، ولكنهما يختلفان ثقافيا فيبدو لكل منهما خصائص كلامية متميزة.

ص: 195