الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبد الله الجتجي
عمدة الوزراء، وصفوة الوكلاء، الدستور الأوحد، والعقد الأنضد، حضرة عبد الله باشا الجتجي.
هذا أول شاب زحف بالعزم الصادق على فتح حصون المعالي، وجرد سيوف الأدب المموهة من أغمادها عوضاً عن سيوف الهند والعوالي. وهو أول مولود استهل بالعزم التام على نصرة حزب الأدب، وأظهر بتلك الطفولية من عزمه عزماً يبهر العقول ومن حزمه حزماً يريك العجب.
رفع رايات المعارف على عاتق الدهر فانعقدت له الرئاسة، وملك عنوة مصون نوادر اللطائف فصفت له الموارد وثبتت له في الحزم الكياسة. استوزر الرشد على ممالك الفصاحة، فأرشده إلى الطريق الأقوم، وهداه لما رأى به علائم السماحة، إلى شعب النجابة فغدا الهمام الأعظم.
تقلد سيف الفضل فعبر قرى الفضائل، وأخذ بيده بدرقة الكمال فدخل مدن الفواضل. زهت له مشارب المآرب فعبر شاطيها، وصفت له موارد المواهب فأخذ زمام ساطيها. نصب
رايات مجده على قلل النباهة، فكان كالطود الراسب الشاهق، وتسلم خزائن الفضل المدخرة في حلل الرفاهة، من غير مشاجر ومكابر ومشاقق.
استرق غلمان تلك المعاهد التي هي كالشموس بهجة، وملك بدور تلك المدائن التي هي كالبلابل لهجة، فشيد من بروجها ما هدمته يد الزمان، وأدخلت أثر خبره الباهر المعمور في خبر كان
حفر حول سور مكارمه خندقاً من العرفان لم تصل إلى حد كنهه أيدي الغير، وجاهد في إقامة أركان بنيان قواعد الأفضال حق الجهاد وليس العيان كالخبر. عمر دارسه وحصن معموره بهمته العلية، فاستكملت بفواضل فضائله جنود الأدب وجموع الرعية.
زرع في بقاع مزارع العوارف من الفضل كل حبة، وحصد من سنبله ما أوجبت له الشهامة في المعارف وأثبتت له في النجابة الرتبة. فلما ملك تلك المراتب وتملك تلك الشهامة، قصرت عليه يد الدهر من وظائف العرفان سيفاً من الإذعان زعامة.
فوقفت على ذهنه الوقاد أرباب الأدب وقفاً من الأدب مخلداً، فتولى تلك الأوقاف الأدبية، وتصرف في تلك الأطلال الأربية، فأظهر من العفة زندا، ومن التعفف يدا.
جمع محصول قرى الكمال وادخر أصناف ذخائرها المطبوعة، فباهي في عنابير ذهنه الوقاد بأنواع أجناس ذخائرها مجموعة.
ما له مثال شبيه، وهو الفريد المفرد النبيه.
همم إلى صرف العلا مصروفة
…
وحجا أقام وقذ تزحزح يذبل
وبلاغة راقت أزاهر روضها
…
وغدت تحية من يقيم ويرحل
رفعته أيدي الهمم من حضيض القلم إلى أوج السيف والحسام، فحاز بالعهد القريب شهامة الرئاستين واختص بذلك الكم والكيف بين الأنام. خطبته عروس الرئاسة فبذل لها من عزماته الصادقة صداق المهر، واتخذته كفؤا عن سائر الأمثال والأقران فافتخر بزفافه ومصاهرته هذا الدهر على كل دهر. فولدت له الوزارة العلية وجعلته الوكيل المطلق، وشيدت به معالم الإدارة فكان لعدوها الحتف الأحمر والموت الأزرق.
ختم بمجده وزراء آل عثمان فصار في المجد مقتداهم، ورقى بأنواع المعارف والعرفان، إلى ذرى المكارم فكان في المعالي مناهم. افتخرت به تلك الرتبة كما يفتخر الجيد بالدرر، وزهت به موانح السنية كما يزهو الليل عند إشراق القمر. صعد إلى ذروة الشرف، فملك بفضله أنواع الظرف.
ساد بالعلم والأدب، فغدا حجة لسان العجم والعرب. فهو الآن سراج الرياسة والوكالة، وشمعة المحامد والمواهب والبسالة، وقطب الفلك الدوار، الذي عليه في كل المكارم المدار.
وزير خطير واحد وموحد
…
جليل نجيب في الفضائل بارع
له في الورى أيد تجل مواهباً
…
لها البذل ورد والسخاء مشارع
فكل نهى قد حله فهو منتهى
…
إلى الخلق لم تقطع لديه المطامع
جواد كريم سيد وابن سيد
…
هو الشمس يبدو والنوال المطالع
له شعر بالتركي أرق من نسيم الأسحار، وفضل غير محكي يطرب بآثاره الهزار. وله صنوف معارف أبهى من الورود نضارة.
وأنواع لطائف أضوأ من الشموس ضياء وأنور من البدور إنارة.
قد جمع من الفضل ما لو تجزأ لوفى أن يكون قلائد لجميع النحور.
ومفاخر لأعناق الحور عن النور. على ممر الأيام والدهور. اذ هو مجرد سبب، لم يكن فيه مظنة ريب.
فذا خير من لاذ الرجاء بسيبه
…
وأعرض صفحا من مؤلمه الياس
ففي سيبه مد السخاء رواقه
…
وخيم في أرجائه الجود والباس
وفوق سرير العدل مذ حل هيبة
…
تخر له من فرط هيبته الناس
كنت في معيته في بعض أسفاره، ويرجى شعاع الظفر من أشعة أقماره، وهو سلمه الله رئيس ذلك العسكر، يصول بالفتك الأشقر، والموت الأحمر. ولما قرب العدو والناس أموات في صورة أحياء، مترقبين لورود المنية وحلول الفناء، رأيته وهو يرتب الجيوش ويعبيها، ويشجع الشجعان ببأسه وينسيها، فرأيت من رأيه كل ما يصيب، ومن رشده كل ما يردع ويهيب. ومن شجاعته ما يردع المسامع، ويملا الصحف والمجامع. لو أبصره ابن شداد، لأقسم بالسبع الشداد. إن هذا هو الشجاع الذي لم يقبل النظير، وان الله على كل شيء قدير.
ندب يدل على علاه خلاله
…
كالسيف يزري فضله في الجوهر
سيف تحلى بالعلاء رئاسة
…
وصفت جواهره لطيب المكسر
لو كانت العلياء شخصاً ماثلا
…
لرأته منه في مكان المغفر
ان أخبروك أو اختبرت علاهم
…
أنساك فضل الخبر طيب المخبر
صرف تلك الغوائل بحسن تدبيره، ودفع أنواع المحن بشرح رأيه وتفسيره، ثم رجعنا من ذلك السفر، وقد قضينا منه أنواع الوطر. ومضى بموكبه المنصور الى الروم وأحيا بفيض نائله تلك الرسوم.
ألا يا نسيم الريح إن كنت محسناً
…
تحمل إلى أرض الحبيب سلامي
وأني لأرضى أن أكون بأرضهم
…
ولو أن في تلك الرسوم حمامي
ثم بعد عدة سنوات، من قطع تلك المهامة والفلوات، وذلك سنة سبع وستين ومائة وألف، من هجرة من له العزة والشرف.
وقع طريقنا على مدينة أرض روم، بعد مكابدة مشقات وهموم، وهو إذ ذاك وإليها، ورافع راية قدرها على همام البلدان وحاميها.
واتفق دخولنا في أثناء عوده من سفر الأكراد، وقد قمع الفساد وأراح العباد. وملك الطارف والتلاد، فتشرفت بناديه ولثمت أنامله وأياديه. فرأيت من بشاشته ما يعجب. ومن إكرامه ما يطرب.
قد زين مجلسه بخطوطه الياقوتية، ورقعه المموهة الذهبية.
إذ هو بديع الخط، وصاحب الأدب المختط. ابن مقلة الكتابة وياقوته، وزاوية الخط وحانوته، فوجبت تهنئة حضرته بأبيات، فأنشأت قصيدة فيه تنبئ عن بعض خوافيه. وأرخت تلك الواقعة وها أنوار نصرته على ربوع الأبيات ساطعة.
والقصيدة هي هذه:
بالنصر والفتح والإقبال محمول
…
والسعد والمجد والأفاضل مشغول
ان المعالي لعبد الله قد قسمت
…
فهو النجيب إلى عليائه ميلوا
وهو الوزير وصدر للوزارة بل
…
نور الكمال له للحق تمثيل
سامي الوجود فريد الجود بحر عطا
…
عين المعالي ففي إحسانه قيلوا
مكمل فاضل جلت مكارمه
…
له بعين الورى من فضله ميل
إن شئت قلت أمام العلم فيه وإن
…
تشأ تقل هو سحب الجود مبذول
حاوي المحامد والإحسان ذو كرم
…
في فضله عظم في نيله طول
حامي العباد وماح للفساد ومن
…
اح الرشاد وفي الآراء تكميل
ما أم في سفر الأعلى ظفر
…
غنم بلا حذر في السعد مجبول
سحب النوال وسيب المال نهر سخا
…
عليه برد من العلياء مسدول
ومنها:
وكل حزب إذا ما أمه غضبا
…
من بأس سطوته للخوف مغلول
ليث هزبر فلا تذكر لعنترة
…
فمن شجاعته للناس تهويل
ولا تقل حاتم فالبذل خلقته
…
ليس التخلق في الانسان مقبول
ولا تصف لاياس فالذكاء له
…
أرث إليه من الأسلاف منقول
ولا أبي دلف يذكر بمجلسه
…
فهو الفريد وليس الأمر مجهول
ولا السموأل أوفى منه عهد ولا
…
فان ذكرهم وهم وتخييل
ومنها:
فهو الذي ملأ الآفاق مكرمة
…
ووكف كفيه في الأطلال مطلول
وافي العلا كنز فضل في الملا أسد
…
شهم كريم وفي الآمال مأمول
مبجل مفرد فرد بكل نهى
…
مهند من سيوف العلم مصقول
من منحة عمري الأصل أرخ بل
…
للنصر سيف من الرحمن مسلول
لا زالت رايات عزائمه سائرة، وآثار عزماته في معالم الظفر ثائرة. ولا برحت السنة الأنام تتلو مديح جنابه، ووفود أرباب الأدب جاثية على أبوابه. آمين، آمين، انه خير مسئول ومعين.
***