الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع
-[بيان الفجر من علم الفلك]
-
فيما ضبط به الموقتون حصة الفجر، وقدروها به
ولنقدم قبل الخوض في ذلك مقدمة توطئة لذلك، قال القليوبي في «الهداية من الضلالة، في معرفة الوقت والقبلة بغير آلة» . (1): (والساعة، لغة: (القطعة)(2) من الزمان، ومنه الساعة (الغنيمة)(3)، واصطلاحاً: إما مستوية: وهي التي تسمى الفلكية، وهي زمان مقداره خمسة عشر درجة أبداً، ويستعملها الحُسّاب غالباً، وجملة الليل والنهار بها أربعة وعشرون ساعة، كل واحدة منها اثنا عشر ساعة إن استويا، وإلا فما زاد في أحدهما نقص من ساعات الآخر). إلى أن قال:(وإما زمانية، وهي التي يستعملها الفقهاء). إلى أن قال: (وهي زمانٌ، مقداره نصف سدس النهار أو الليل أبداً،
(1) ينظر: الباباني، هدية العارفين 1/ 87.
(2)
في (ب): قطعة.
(3)
أثبتناها من (ب) وفي (أ): القيمة.
وجملة الليل والنهار بها أربع وعشرون ساعة أيضاً، وكل بها اثنتا عشرة ساعة). إلى أن قال:(فعلم أن مقاديرها تزيد وتنقص دون أعدادها، عكس الأولى) انتهى. فأفاد: أن أهل الحساب لا يستعملون غالباً إلا الساعة المستوية؛ لضبطها بعدم الزيادة والنقص، بخلاف الزمانية، وافهم أن الدرجة لا تزيد ولا تنقص أيضاً، وهو كذلك ويلزم من عدد الساعات المستوية، وعدد درجها المذكورين: أن الليل والنهار ثلاثمائة وستون درجة؛ لأنك إذا قسمت ذلك على أربع وعشرين ساعة .. خص الواحدة خمسة عشر درجة، وإن قسمت ذلك على البروج الاثني عشر .. خص البرج ثلاثون درجة، وإن قسمته على المنازل الثمان والعشرون .. خص المنزلة ثلاثة عشر درجة إلا سُبع درجة (1)، هذا عند الاعتدال في القسمة على البروج والمنازل، وعند الزيادة والنقص يزداد من أحدهما في الآخر وينقص بقدرها، وإذا كان المقسم واحداً - أعني الثلاث المائة والستين الدرجة وهو دور الفلك في اليوم والليلة - على الساعات والبروج والمنازل كما ذكرنا، - باتفاق أهل الفلك كما يعرف ذلك من
(1) 360\ 28 = 12 و 6\ 7 درجة = 51 قه و 25.7 ثا.
يطالع كتبهم ويحققها .. لزم استواء درجات الثلاثة في المقدار، وأنها لا تفاوت فيها، وقد قسموا الدرجة المذكورة ستين دقيقة ((1)،
واختلفوا فيما تَسَعُه الدقيقة من القول، فقال بعضهم: سورة الإخلاص بالبسملة قراءة متوسطة. وقال: بعضهم سبحان الله مستعجلاً. وهذا خلاف كبير فيه تفاوت كثير، إذ حروف (سبحان الله) ثمن حروف (سورة)(2) الإخلاص، ويزيد ذلك اشتراط التوسط في قراءة (الإخلاص) والعجلة في (سبحان الله)، وما ذكره مؤلف تلك «الرسالة» (3): أن التقدير بالإخلاص لدقيقة درج البروج والمنازل، و (سبحان الله) لدقيقة درج الساعة المستوية .. خطأ صريح، بل التقدير بها لدقيقة كل من الثلاثة، إذ المقسم عليهما - كما مرّ - واحد (4). قال
(1) هذه دقيقة هندسية من الدرجة وتساوي الدقيقة الواحدة هذه 4 ثواني؛ لأن الساعة = 15 جه = 900 قه \ جه، لكن الساعة = 60 قه\عه = 3600ثا\عه،
وعليه فإن: 900قه\جه =3600 ثا\عه ومنها الدقيقة من الدرجة = 4 ثا\عه.
(2)
أثبتناها من (ب).
(3)
بلفقيه. السيف البتار. في «إتحاف الفقيه» ص 27.
(4)
ثلاث مائة وستون درجة.
الشيخ عثمان بن أبي بكر العمودي (1) في «نصب الشرك» : (فائدة أخرى: قال الفقيه عبد الرحمن مخرمة: الساعة المستوية خمسة عشر درجة، وكل درجة ستون دقيقة، وكل دقيقة مقدار قولك: (سبحان الله) مستعجلاً. من غير إمهال. وقال عبد الله بن عمر مخرمة ((2): الدرجة ستون دقيقة، واشتهر بين أهل هذا الفن أنها قدر، {قُلْ هُوَ
(1) عثمان العمودي: عثمان بن أبي بكر مولى خظيم بن عمر العمودي الحضرمي. وكتابه «نصب الشرك في علم الفلك» ألفه سنة 1047هـ (مخ: 2560)(ينظر: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 571).
(2)
عبد الله بامخرمة: عبد الله بن عمر بن عبد الله بامخرمة الحميري الحضرمي الشحري ثم العدني (907هـ - 972هـ)، من كتبه «الفتاوى الصغرى (الهجرانية)» ، و «الفتاوى الكبرى» ، «نبذه في علم الفلك» (مخ:2560)، «الجداول المحققة في الهيئة» ، و «رسالة في سمت القبلة» ، و «رسالة الربع المجيب» ، و «رسالة في معرفة الأوقات والساعات» ، و «رسالة في اختلاف المطالع واتفاقها». (الزركلي. الأعلام. (4/ 110)) و (كحالة. معجم المؤلفين. (6/ 95). و (ينظر: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 569).
اللَّهُ أَحَدٌ} مع البسملة، مرة واحدة قراءة متوسطة بين الترتيل والإسراع، وبمثل قوله قال الفيومي) (1) انتهى. وفيه - محيلاً على ما ذكره هنا - قوله:(وقد سبق معرفة قدر الدقيقة، وما فيه من الخلاف) انتهى. ومن قوله: (واشتهر) الخ، هي عبارة الشيخ محمد الحطاب (2)، التي نقلها مؤلف تلك «الرسالة» (3)، ولم يقيدها الحطاب بما قيدها به، بل هي ظاهرة أن ذلك ضبط لدرجة الثلاثة، ولما ذكر الشيخ عبد الرحمن بن عمر العمودي في كتابه «حسن النجوى»:(4)
(سن الجلوس بعد دفن الميت عند قبره، قدر نحر
(1) العمودي. نصب الشرك: ص24.
(2)
الحطاب: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسين المغربي الأصل المكي ثم الطرابلسي الرعيني المالكي المعروف بالحطاب (902هـ - 954هـ) ابنه يحي الحطاب له: «شرح مختصر خليل» و «رسالة في استخراج أوقات الصلاة بالأعمال الفلكية بلا آلة» . (ينظر: الزركلي. الأعلام. 7/ 58). عبد الله الحبشي. جامع الحواشي والشروح (3/ 1862)).
(3)
بلفقيه. السيف البتار. في «إتحاف الفقيه» ص 26 - 27.
(4)
عبد الرحمن العمودي: وجيه الدين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عثمان العمودي الحضرمي ثم المكي الشافعي الصوفي (ت 967هـ) جاور مكة وتوفي بها فقيه له «حاشية على الإرشاد» .. ينظر: العيدروس. النور السافر عن أخبار القرن العاشر (1/ 133) و (كحالة. معجم المؤلفين. (5/ 160)).
جزور وتفرقة لحمها)، قال:) ومقدار ذلك بالزمان، ساعة وربع أو ثلث فلكية تقريباً، كما أفتى به ابن كَبِّن (1)، ومقدار الساعة المستوية خمسة عشرة درجة، كل درجة ستون دقيقة، كل دقيقة مقدار قولك (سبحان الله) مستعجلاً من غير مهلة قاله عبد الله بلحاج ((2)؛ وعليه
(1) ابن كَبِّن: جمال الدين محمد بن سعيد بن علي بن محمد بن كَبِّن الطبري الأصل العدني اليمني الشافعي (776هـ - 842 هـ)، له «مفتاح الحاوي المبين عن النصوص والفحاوي» و «الدر النظيم في الكلام على بسم الله الرحمن الرحيم» (العيدروس. النور السافر عن أخبار القرن العاشر (1/ 22) (الباباني. هدية العارفين (2/ 48)) (كحالة. معجم المؤلفين. (10/ 33)) و (ينظر: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 223).
(2)
عبد الله بلحاج: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بلحاج بافضل الحضرمي الشافعي (850 هـ - 918هـ)، له «المختصر الصغير» و «المختصر الكبير» في الفقه، «مؤلف في القبلة» و «مؤلف لطيف في الفلك» . (بافضل. صلة الأهل. ص 142)
فتكون الساعة قدر تسعمائة تسبيحة) ((1) انتهى. وعلى هامش ذلك بخط الشيخ علي بن عمر بن قاضي ((2): (الصواب، أن الدقيقة قدر {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} قراءة معتدلة، كما قرره علماء الفلك، كذا وجدته بهامش «الأم») انتهى. وفي «مبحث نحر الجزور» - المار - من «فتاوى محمد بن سليمان حويرث» ((3):
(وضبطت الساعة والثلث، بقدر عدد معلوم من قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وبعضهم ضبطه بقدر عدد معلوم من (سبحان الله)، والكل على التقريب).
(1) نقل العلامة عبد الرحمن المشهور الحضرمي في فتاويه عبارة «حسن النجوى» هذه. (عبد الرحمن المشهور. بغية المسترشدين. ص 62).
(2)
علي بن قاضي: علي بن عمر بن محمد بن قاضي باكثير الحضرمي (1174 هـ - 1210هـ) فقيه له: كتاب «الفتاوي» (مخ: 464)، و «زاد المسافر وعماد الحاج والزائر» وكتب أخرى. (ينظر: باكثير. البنان المشير. ص 128. وينظراً أيضاً: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 103 و 272).
(3)
باحويرث: محمد بن سليمان باحويرث الدوعني، من أهل القرن العاشر له «تقريب الفوائد في الفقه» و «فتاوى» في مجلدين (مخ/ 887).
(ينظر: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 242)
انتهى. وأين التقريب مع التفاوت الذي ذكرناه؟! أن (سبحان الله) نحو ثمن (الإخلاص)، وإذا علم هذا الخلاف بين أهل الفن، فيما تسعه الدقيقة، والتفاوت الكبير بين (الإخلاص) و (سبحان الله)، واختلاف الناس في البطء والإسراع، حتى أنَّا امتحنا الساعة المستوية بقراءة القرآن، وأخبرني سيدي العلامة عبد الله بن أبي بكر بن سالم عيديد (1) رحمه الله: أنه يقرأ فيها جزأين وربعاً وأحياناً ونصفاً. وأخبرني من أثق به: أن بعض الحفاظ بمكة، يقرأ فيها ثلاثة أجزاء. وقد أمرت بعض الأولاد بامتحان ذلك بالقراءة، فمنهم من قرأ جزأين، ومنهم من بلغت قرأته الثلاثة، ومنهم من كان بين ذلك، فالتفاوت بين المقل والمكثر الثلث، وهو شيء يبطل الضبط به ويضعف، إلا أن يقال: الساعة قدرها بالقراءة المرتلة جزءان، وبالسريعة ثلاثة، وبالمتوسطة بينهما، فيقرب الضبط؛ فعلى هذا تكون حصة الفجر عند اعتدال الليل والنهار- إذا قلنا أنها ساعة ونصف - تسع ثلاثة أجزاء بالترتيل، وأربعة ونصفاً بالإسراع، وأربعة إلا رُبعاً
(1) عبد الله بن أبي بكر بن سالم عيديد العلوي الحضرمي شيخ المؤلف كان شاعراً (1195هـ - 1255هـ). (ابن هاشم. تاريخ الدولة الكثيرية. ص 148).
بالتوسط، ويشهد لقرب هذا الضبط وقوته، ما روى البيهقي في «سننه» (1) ولفظ «مختصرها» للشعراوي:(وروى الشافعي، وغيره، عن أنس رضي الله عنه: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صلى بالناس الصبح، فقرأ سورة البقرة، فقال له عمر رضي الله عنه: كادت الشمس أن تطلع .. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين، وفي رواية فقرأ سورة البقرة في الركعتين كلتيهما) انتهى.
وقد مرّ آخر (الباب الثاني) في (التنبيه الخامس)، عن «سنن الترمذي»: أن سيدنا أبا بكر - رصي الله عنه - ممن اختاروا التغليس بصلاة الصبح، وجاءت آثار أيضاً: أن عليه عمل الشيخين، فإذا كان رضي الله عنه ممن اختار التغليس وعليه عمله، واستغرقت صلاته (بالبقرة) - التي هي جزآن ونحو الثلث - معظم الوقت، حتى قال له سيدنا عمر رضي الله عنه: كادت الشمس أن تطلع. كانت حصة الفجر قريباً، من ساعة ونصف عند
(1) قال البيهقي: (أنبا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبا الربيع بن سليمان أنبا الشافعي أنبا ابن عيينة عن ابن شهاب عن أنس)(البيهقي سنن البيهقي (2\ 389) رقم 3826).
الاعتدال، وتزيد على ذلك بزيادة الليل قليلاً، بل زيادتها في المدينة أكثر من جهتنا، فنحو الساعة للقراءة، والباقي لأفعال الصلاة وأقوالها، والأذان والإقامة وركعتي الفجر، ويشهد لذلك أيضاً ما ذكره الشعراوي في «المنهج المبين» بقوله:(وروى مالك، والشافعي، عن عبد الله بن عامر قال: صلينا وراء عمر بن الخطاب، فقرأ فيها سورة يوسف، وسورة الحج، قراءة بطيئة .. فقال هشام بن عروة لأبيه لقد كان إذن يقوم حين يطلع الفجر .. قال: أجل) انتهى. فقراءة سيدنا عمر رضي الله عنه ما ذكر وهو جزء وثمن، وقول هشام بن عروة لأبيه - الراوي له هذا الأثر عن عبد الله بن عامر -: لقد كان الخ، وجوابه له بأجل .. يبين لك أن حصة الفجر نحو ما ذكرنا، وإلا لم يبق للسؤال والجواب المذكورين فائدة؛ لأن قراءة السورتين المذكورتين بالترتيل له نحو ساعة إلا ربعاً، وللصلاة وما ذكر معها نحو نصف ساعة، ويبقى نحو الربع بعد السلام، ويشهد لذلك أيضاً ما روى البخاري - في (باب القراءة في المغرب) - عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان بن الحكم:
«مالك تقرأ في المغرب بقصار ((1)، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (بطول ((2) الطوليين) (3)، وفسرها زيد كما رواه النسائى، وأبو داود، بـ (الأعراف).
قال القسطلاني - بعد ذكره ما ذكر -: (واستُنبط من الحديث، امتداد وقت المغرب إلى غيبوبة الشفق الأحمر، واستشكل بأنه إذا قرأ الأعراف؛ يدخل وقت العشاء قبل الفراغ)((4) انتهى. ولما ذكر في «المنهاج» : جواز مد صلاة المغرب على الجديد إلى أن يغيب الشفق .. استدل على ذلك في «التحفة» بقوله: (لما صح أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها (الأعراف) في الركعتين كلتيهما) ((5) انتهى. ومثلها عبارة «النهاية» وقال في «المغني» : (لما صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها
(1) في «صحيح البخاري» : (بقصار المفصل).
(2)
في «صحيح البخاري» (بطولي الطوليين). والطوليين تثنية، والمراد بها الأعراف والأنعام، والأعراف أطول.
(3)
البخاري. صحيح البخاري. (1/ 265) رقم 730.
(4)
القسطلاني. إرشاد الساري (2\ 90).
(5)
ابن حجر الهيتمي. التحفة (1\ 423).
بـ (الأعراف) في الركعتين كلتيهما. رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (1). وفي «البخاري» نحوه (2). وقراءته صلى الله عليه وسلم تقرب من مغيب الشفق لتدبره لها) انتهى. ونحوه في «المحلي على المنهاج» . فإذا استشكل القسطلاني، اتساع الزمن الذي من مغيب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر .. لصلاته صلى الله عليه وسلم المغرب، مع قراءته فيها بـ (الأعراف)، التي هي جزء وربع، وجعله في «التحفة» و «النهاية» دليلاً على جواز مدها إلى مغيب الشفق، وفي «المغني» و «المحلي» على قربه من مغيبه، وقد (قدّر)(3) الموقتون ما بينهما بعشرين درجة - كما يأتي -، وهو ساعة وثلث، فكيف يقال في حصة الفجر - التي تزيد على هذا سدس ساعة -: أنها تسعُ ستة أجزاء من القرآن تقريباً، كما قرره صاحب تلك «الرسالة» ، هذا شيء مستبعد جداً! يأباه كل من تأمل هذه الشواهد، ويعرف به خطأه، ويشهد لضبط الساعة بما ذكرنا .. ما رتبه أهل جهتنا من قديم الزمان، من
(1) الحاكم. المستدرك على الصحيحين. (1/ 363) رقم 866.
(2)
البخاري. صحيح البخاري. (1/ 265) رقم 730.
(3)
في (ب): قدروا.
إحياء ما بين العشاءين بصلاة المغرب، ثم قراءة الحزب القرآني، وهو جزءان غالباً، وبتمامه يدخل وقت العشاء، وقد أخبرني سيدي وخالي العلامة طاهر بن الحسين (1) رحمه الله ونفعنا به - أن حزب الصبح والذي هو جزءان، غالباً كانوا يقرأونه بتريم بمسجد السادة آل باعلوي، بعد صلاة الصبح، يبتدئون فيه ويفرغون منه مع الإشراق، وهو شاهد للضبط الذي ذكرنا، إذ الحزب المذكور يستغرق نحو الساعة، والصلاة وما ذكر معها، وانتظارهم بعد ركعتي الفجر يستغرق الباقي؛ لأن عادتهم الإتيان بدعاء الفجر المعروف، وما ورد من الذكر بعد سنته، فهذا الانتظار مع تطويلهم قراءة صلاة الصبح .. يقابل سدس الساعة الزائد على حصة الشفق. وإذا انتهى الكلام في هذه المقدمة، فلنشرع في المقصود.
(1) العلامة طاهر بن حسين بن طاهر باعلوي الحضرمي الشافعي (1184هـ - 1241هـ)، بويع أميراً للمؤمنين الحضرميين سنة 1224هـ له:«كفاية الخائض في علم الفرائض» و «إتحاف النبيل بشرح حديث جبريل» و «فتاوى» (ابن هاشم. تاريخ الدولة الكثيرية. (1/ 156) و (الزركلي. الأعلام. 221) كحالة. معجم المؤلفين. (5/ 34)(الباباني. هدية العارفين. (1/ 225).
فنقول: قد ضبط الموقّتون حصة الفجر بثلاثة أشياء: بالمنازل، والقمر، والساعات. وأجمعوا على أنها تزيد لزيادة الليل وتنقص لنقصه، ففي «اليواقيت» - عند ذكر إيلاج الليل والنهار ما لفظه -:(للإجماع على: أن الوقت الذي بين الفجر والشمس، يطول لطول الليل ويقصر لقصره، كأنه جزء منه) انتهى. وتقديرهم ذلك بالمنزلين يلزم منه ذلك؛ لطول زمنها ونقصه بطول الليل ونقصه.
الأول: المنازل:
قد مرّ في الباب الثالث عن كتاب السفر من «الإحياء» : أن المحققين على أن الفجر يطلع، إذا بقيت منزلتان قبل طلوع الشمس. وقال اليافعي في «السراج»:(سواد الليل يقطعه اثنا عشر منزلة، ويقطع من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس منزلتان) انتهى. وقال في «السراج» ذكر بعض المنصفين من أصحابنا: أنه إذا حال دون طلوع الفجر حائل، اعتبر بالقمر). إلى أن قال: (فإن لم يتبين ذلك، فاعتبر لطلوع الفجر منازل القمر الثمانية
والعشرين ((1)، فإن لسواد الليل المظلم منها اثنا عشر منزلاً، وأن الفجر في الثالث عشر منها، فإذا رأيت منزلاً منها عند غروب الشمس طالعاً في المشرق، أو غارباً في المغرب .. فاعلم إنك إذا رأيت الثالث عشر منه (2) في ذلك الموضع .. فقد طلع الفجر ((3)، وهذا لا يختلف في كل زمان ومكان. مثال: ذلك أنك إذا رأيت (الثريا) وقت غروب الشمس في موضع من السماء، ثم رأيت في ذلك الموضع (الغفر) .. فقد طلع الفجر. وعلى هذا القياس) انتهى. إلى أن قال: (قلت: ولم أر لأحد من العلماء، نصاً في الرد على هذا القائل المذكور،
(1) وهي مرتبة: هنعة، ذراع، نثرة، طرف، جبهة، زبرة، صرفة، عواء، سماك، غفر، زبان، إكليل، قلب، شول، نعائم، بلدة، مرزم، سهيل، باعريق، خباء، فرغ، دلو، حوت، نطح، بطين، ثريا، بركان، هقعة. وكل منزلة 13 يوما (درجة) إلا الهقعة 14 يوما في السنة البسيطة و 15 يوم في الكبيسة.
(2)
بأن تعطي تلك المنزلة الرقم (1) ثم تعد بعده 13 منزلاً، فالمنزل الثالث عشر هو المقصود.
(3)
لأن ما بين الغروب والفجر (الليل الشرعي) 12 منزلاً.
ولا في قبول قوله، وهذا الذي ذكره وإن كان قد أجرى الله العادة في المنازل كما (ذكر) (1) .. فليس لنا على العمل بها دليل شرعي يعتمد عليه) انتهى. ومثل ذلك في «الشامل». وقال في «الشامل» أيضاً:(والليل كله يقطعه اثنا عشر منزلة، ويقطع من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس منزلتان) انتهى. وقال الشيخ أحمد بن أحمد السجاعي (2) في «منظومته في الفلك» ما لفظه:
(وبين طالع فجر من منازلها
…
وبين منزل (3) شمس فاعلم اثنان).
قال شارحها - أي الإمام الشريف علي بن عبد البر الونائي على هذا البيت -: (يعني أنك إذا عرفت منزلة الشمس، فعد اثنين غيرها مما قبلها، فالمنزلة الثالثة بها، هي الطالعة بالفجر) انتهى. ولما ذكر في «اليواقيت» :
(1) في (ب):ذكره.
(2)
أحمد بن أحمد بن محمد السجاعي البدراوي الشافعي المصري (ت 1197هـ)، له مصنفات كثيرة منها:«فتح المنان في بيان مشاهير الرسل التي في القرآن» و «النور الساري على متن مختصر البخاري» وعدة منظومات في فنون شتى. (ينظر: الزركلي. الأعلام. (1/ 93)) (معجم المؤلفين (1/ 154).
(3)
في (ب): وبين منزل فجر شمس.
الخلاف فيما بين الفجر وطلوع الشمس، وأن الشافعي والجمهور على أنه من النهار، وأن حذيفة والأعمش وإسحاق على أنه من الليل، وأن علياً وابن عباس على أنه فاصل بينهما، واستدل لقول حذيفة وصاحبيه: بأنه ثبت في السنة والإجماع: أن الليل اثنا عشر ساعة والنهار كذلك. ثم قال: (فإن قلنا بقول الشافعي: أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا يستغرق ستة عشر منزلاً، ثم أن الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهذا يستغرق اثني عشر منزلاً، لا مخالف في هذا) انتهى. وشاهِدنا في قوله: أن النهار يستغرق ستة عشر منزلاً على قول الشافعي، والليل يستغرق اثني عشر منزلاً عليه أيضاً، ولا مخالف في هذا، أي كون من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ ليلاً يستغرق اثني عشر منزلاً، وكذلك من طلوع الشمس إلى غروبها، لا مخالف في أنه نهار يستغرق أربعة عشر منزلاً، فيلزم من الاتفاق على الليل المقدر باثني عشر منزلاً، والنهار المقدر بأربعة عشر منزلاً .. الاتفاق من الكل على أن المنزلتين بقية الثمان والعشرين هي حصة الفجر، وإنما الخلاف في كونها من النهار أو الليل أو فاصل بينهما، ولم يلتفت إلى خلاف القوم الذين ذكر الغزالي - فيما مرّ عنه -
أنهم يقولون: يطلع الفجر قبل الشمس بأربع منازل؛ لما مرّ عن الغزالي أن هذا خطأ، والمخطئ لا يعتد بخلافه. وقال في «اليواقيت» أيضاً:(اعلم: أن العرب راعوا هذه المنازل، فنظروا إلى اثني عشر منزلاً التي تطلع كل ليلة، فإذا (آخر)(1) ما يطلع منها مع الفجر المعترض، ثم يتقدم ذلك المنزل بقدر شبر في رأي العين؛ وذلك لمفارقة الشمس لهذا المنزل، سائرة إلى المشرق، حتى إذا تمت ثلاثة عشر ليلة، طلع منزل آخر مع الفجر، قد كان يطلع مع الإسفار، فصار ما كان يطلع مع الفجر يطلع قبل الفجر، وما كان يطلع مع الإسفار يطلع مع الفجر، بقدر جزء من اثني عشر جزءاً من الليل) انتهى.
وقد مرّ في فصل بيان أوقات الصبح عن «اليواقيت» : أن وقت الفضيلة والاختيار لهما أول منزل من منزلتي الفجر، وأن وقت الجواز والكراهة لهما المنزل الثاني. وقال في «نصب الشرك»: (الفصل الخامس: في معرفة طالع الفجر وغاربه والمتوسط والوتد: اعلم أنه متى مضى من المنزلة - أي الغاربة - اثنا عشر يوماً فهي غارب الفجر،
(1) في (ب): آخرها.
والخامس عشر منها هو طالع الفجر انتهى (1). ثم قال: (فائدة: إذا عرفت طالع الفجر وغاربه، وأردت معرفة الشمس في أي منزلة هي، فهي في ثالث الطالع) انتهى (2). وإنما قال: في ثالث الطالع؛ لأنه قال سابقاً: متى مضى إلى آخره. فلما قرر أن المنزلة الغاربة بالفجر تغرب لمضي اثني عشر منها .. لزم أن المنزلة الطالعة به تطلع إذا مضى منها اثنا عشر يوماً، فيبقى من المنزلة يومان من حصة الفجر، فإذا مضى
(1) العمودي. نصب الشرك: ص24.
طالع الفجر: هو الذي يطلع من الأفق الشرقي مع طلوع الفجر، وغارب الفجر: المنزل الذي يغرب من الأفق الغربي لحظة طلوع الفجر، والمتوسط: هو المنزل الذي يكون فوق رأس الراصد، والوتد: المنزل الذي يقابل المتوسط ويكون تحت قدم الراصد، فإذا كانت المنزلة رقم (1) هي المنزلة الغاربة، فالمنزلة رقم (8) هي المنزلة المتوسطة، والمنزلة رقم (15) هي المنزلة الطالعة، وتكون المنزلة رقم (22) هي المنزلة الوتد. مثال: إذا كانت منزلة الطرف غاربة الفجر، فإن الزبان متوسطه وسهيل غاربه والبطين وتده؛ ولهذا يمكن معرفة وقت الفجر بتربع منزلة الزبان وسط السماء في أيام الطرف (يجب مراعاة ما تأخذه في منازل الشبامي، كما سيأتي)
(2)
العمودي. نصب الشرك: ص25.
من المنزلة التي تليها اثنا عشر، انتهت منزلة الإسفار، ومن ثاني عشرها، إلى ثاني عشر التي تليها، تنتهي منزلة الجواز والكراهة، ويبقى يومان منها من منزلة الشمس، وهذا على أن المنزلة: الفضاء الذي قبل النجم، كما يفهمه كلامه، ونقله مؤلف تلك «الرسالة» عن عبد الله بن عمر مخرمة، (1) وهو اصطلاح أرادوا به نفي الخلل الواقع في حساب الشبامي، بسب تحرك المنازل وتأخرها إلى جانب المشرق، وهذا باعتبار زمن تصنيف «نصب الشرك» ، وهو سنة سبع وأربعين ألف- بتقديم السين على الباء -، وأما الآن- وهو سنة واحد وستين ومائتين وألف- (فيزاد)(2) على ذلك ثلاثة أيام، فإذا كان اليوم أول يوم في «الثريا» على حساب الشبامي، وأردت معرفة الدرجة الغارب بالفجر، والطالعة به على التقريب .. فاسقط ثلاثة عشر درجة وذلك جميع الفضاء الذي قبلها .. فتنتهي إلى الدرجة التي قبل نجم «البطين» فهي الغاربة بالفجر، وتلك الدرجة على الاصطلاح المار تسمى آخر درجة في «البطين» ، وعلى خلافه
(1) بلفقيه. السيف البتار. في «إتحاف الفقيه» ص 27.
(2)
في (ب): فيزداد.
- الذي عليه أكثر الحساب - تسمى آخر درجة في «النطح» والطالعة بالفجر، الدرجة التي قبل «الزبان» وهي آخر درجة في «الغفر» على حساب الأكثر، وآخر درجة «الزبان» على الاصطلاح المار، والشمس تطلع ذلك اليوم في الدرجة التي قبل نجم (القلب)، والمتوسط بالفجر الدرجة التي قبل نجم (الطرف)، وهي آخر درجة فيه على ذلك الاصطلاح وآخر درجة في «النثرة» على ما عليه الأكثر، وعلى هذا فقس، فثاني يوم في «الثريا» على حساب الشبامي يكون غارب الفجر الدرجة التي بعد نجم البطين، والطالعة به الدرجة التي بعد نجم الزبان، والمتوسطة به الدرجة التي بعد نجم الطرف، والطالعة فيها الشمس هي الدرجة التي بعد نجم القلب، فإذا أتمت «الثريا» ثلاثة عشر يوماً، فالدرجة الغاربة هي ثاني درجة من الفضاء الذي قبلها، فتبقى درجة قبل «الثريا» هي الغاربة، أول يوم في «البركان» على حسابه. فعلم بهذا: أن بتحرك المنازل حصل هذا التأخر على حساب الشبامي، وهو أربعة عشر درجة، وذلك منزلة ودرجة، في الغارب والمتوسط الطالع بالفجر والطالع بالشمس، ولم يتغير به مقدار ما بين كل؛ لأنه إذا غرب أحدها بالفجر، فالمتوسط
ثامنه، والطالع مع الفجر خامس عشره، ومع الشمس سابع عشره، فالليل الفلكي مع استواء الليل والنهار مائة وثمانون درجة، فمن غروب الشمس إلى طالع الفجر مائة وأربع وخمسون درجة وسُبعان من درجة، وذلك اثني عشر منزلة، ومن طالع الفجر إلى طلوع الشمس ست وعشرون درجة إلا سُبعين من درجة.
واعلم: أن المنزلة هي جزء من ثمانية وعشرين جزءاً متساوية من دورة الفلك في اليوم والليلة، وقدر الدرجة - كما مرّ لك عن «اليواقيت» - شبر في رأي العين، والنجوم الأعلام على المنازل أعلام تقريبية لا تحقيقية؛ لما يشاهد بينهما من اختلاف في المقدار.
تنبيه: التقدير بالمنزلتين لحصة الفجر تقريبي لا تحقيق فيه، - كما مرّ عن «الإحياء» وقال اليافعي في «السراج»:(اعلم أن العمل بالمنازل إنما هو تقريب لا تحقيق) انتهى، وقال فيه أيضاً:(المنازل متفاوتة، والعمل عليها تقريب وتسامح لا تحديد وتحقيق) انتهى. ومثل ذلك في «الشامل» ، وسيأتي: أن التقدير بالساعات تقريب، مع أنه أضبط من التقدير بالمنازل، وأقرب إلى التحقيق منه كما قال ذلك أهل الحساب؛ فلهذا تجد المقدرين لحصة الفجر بالساعات في جداولهم ..
يقدرونها بأقل من منزلتين - كما يأتي أيضاً - وبه يعلم: أن قول المقدرين بالمنزلتين لحصة الفجر .. أنه على التقريب، مرادهم به أنها قد تنقص عنها لا أنها تزيد عليها. قال الشيخ محمد بن الحطاب في «شرح المختصر» - بعد نقله تنبيهاً من تنبيهات فيه كلام طويل -:(فتحصل من هذا: أنه إذا علم دخول الوقت بشيء من الآلات القطعية، مثل: الإسطرلاب، والربع، والخيط المنصوب على وسط السماء .. فإن ذلك كاف في الوقت، فإذا أردت أن تعتمد على مجرد رؤية المنازل طالعة أو متوسطة أو غاربة .. فلا بد من أن تتأنى حتى تتيقن دخول الوقت؛ لأن مجرد رُؤية المنازل طالعة أو متوسطة أو غاربة .. لا يفيد معرفة الوقت تحقيقاً، وإنما هو تقريب) انتهى. بل صرح بنقصها عن ذلك بعضهم. قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإحسائي
الحنبلي ((1) في «سلم العروج إلى معرفة المنازل والبروج» (2)): (اعلم: أن المنازل الثمانية والعشرين مجزاة على الليل والنهار فجملتها ثلاثمائة وخمس وستون درجة فالليل الفلكي، وهو من غروب الشمس إلى طلوعها نصفها، وهو مئة وثلاث وثمانون درجة، لحصة الليل الفجر تسع عشرة درجة - أي منزلة ونصف -، ولحصة الليل الشرعي الباقي، وهو مائة وأربع وستون درجة تقريباً - وهو مقدار اثني عشر منزلة ونصف تقريباً -) انتهى. وممن صرح بأن حصة الفجر تسع
(1) ابن عفالق: محمد بن عبد الرحمن بن حسين بن عفالق الإحسائي الحنبلي، فقيه وفلكي (ت 1164هـ)، من مؤلفاته «مد الشبك لصيد علم الفلك» و «الجداول» و «سلم العروج إلى معرفة المنازل والبروج». (الزركلي. الأعلام. (6/ 197)). (وينظر: محمد المبارك. مقال من تراث النجديين في العلوم الرياضية والفلكية. جريدة الرياض العدد 13955 الجمعة 15 شعبان سنة 1427هـ).
(2)
(مخ: 2806).
عشرة درجة من علماء جهتنا: الشيخ علي بن عبد الرحيم بن قاضي (1) في بعض رسائله في الهلال (2)، والحبيب شيخ مشايخنا عمر بن سقاف
(1) هو: علي بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الله باكثير الحضرمي (1081هـ - 1145هـ) فقيه له عدد من المؤلفات منها: «العقود اللؤلؤية في المسألة الهلالية» و «الجامع في الكشف عن أصول التقويم والمواليد» و «شرح الصدور بشرح بريد النصر للحق في واقعة الشهر» و «الإدلال القويم لأهل تريم» . (ينظر: باكثير. البنان المشير. ص 91. وعبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 571 و 260). ووالده الشيخ عبد الرحيم، تولى قضاء تريم سنة 1094هـ، له:«المنهل الزلال في مسألة الهلال» ينظر سبب تأليفه: باكثير. البنان المشير. ص 76. وعبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 259.
(2)
لم أعثر على الرسالة، لكن صاحب «البنان المشير» ذكر أن له رسالة في الهلال أولها: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأعلمنا فيه بأنه جعل الأهلة مواقيت للناس والحج (ينظر: باكثير. البنان المشير. ص 109).
الصافي ((1) في «منظومته في الفلك» ((2)، فقال:
(وما بين فجر صادقٍ وطلوعها
…
أي الشمس تسع بعد عشر توفَّتِ). انتهى.
والشيخ بارجاء (3)(في مؤلفه في الفلك. وقد وضع يحي بن محمد الحطاب ((4) جداول للمواقيت، بَيَّن فيها: أن بين الدرجة الطالع فيها الفجر والطالعة فيها الشمس ثمانية عشر درجة.
(1) الصافي: عمر بن سقاف بن محمد الصافي السقاف الحضرمي. الصوفي الفقيه (1154هـ - 1216هـ). (ينظر: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 357 - 358 و 573).
(2)
عنوان المنظومة: «المطالب السنية في الفوائد الفلكية» .
(3)
لعله عمر بن عبد الرحيم بن عمر بارجاء الحضرمي (ت 1036هـ) فقيه له: «تشييد البنيان شرح مختصر أصول العقائد والأركان» . (مخ: 1324). (ينظر: عبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 244).
(4)
يحيى الحطاب: يحيى بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب الرعيني المكي المالكي، فقيه وحاسب (902هـ - 995هـ). له «وسيلة الطلاب لمعرفة أعمال الليل والنهار بطريقة الحساب» و «رسالة في معرفة أوقات الصلاة». (ينظر: الزركلي. الأعلام. (8/ 169). وينظر: عبد الله الحبشي. جامع الشروح والحواشي. (3/ 2483 و 2/ 1095).
الثاني: القمر:
ويستدل به على الفجر تقريباً - كما مرّ في المنازل - في ليلتين من الشهر، يختلفان باختلاف طول البلدان وعروضها، فما ذكره الإمام الغزالي رحمه الله واليافعي عن بعضهم، من أنه يغيب لاثني عشر ويطلع لست وعشرين .. فهو بالنسبة لبلديهما وما قاربهما في العرض والطول ((1)، وأما في جهتنا وما هو قريب منها فيهما، فيغيب لثلاثة عشر من الشهر، ويطلع لسبع وعشرين منه، هذا هو الغالب. قال الشيخ عبد الله بن محمد بن قطنة (2) في رسالته «البراهين
(1) رغم أن الغزالي ولد ومات في طوس، إلا أن حياته العلمية عاشها في بغداد والشام.
(2)
ابن قطنة: عبد الله بن محمد بن عوض بن قطنة الحضرمي فقيه كان حياً سنة 1111هـ. له: «القول الواضح الأظهر في تحريم أخذ العشرة بأحد عشر» (مخ: 2776). (ينظر: باكثير. البنان المشير. ص 78. وابن عبيد الله السقاف. إدام القوت. ص 652. وعبد الله الحبشي. مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. ص 259).
النقلية في مسألة الهلال» - لمّا ذكر مثيرات شبه غلط الشهود به الموجبة للريبة فيهم ما لفظه -: (ومن مثيرات شبه الغلط: غروبه قبل الفجر ليلة الثالث عشر في جهتنا، وطلوعه قبله ليلة سبع وعشرين) انتهى. ثم نقل عن الغزالي واليافعي ما مرّ عنهما، وقال:(أي بالنسبة لتلك الجهة) انتهى. أي جهة الغزالي. والبعض الذي نقل عنه اليافعي، فاستدلا له على الريبة في شهود الهلال، بغروب القمر وطلوعه؛ قبل الفجر في جهتنا في الثالث عشر والسابع والعشرين .. صريح في أن العادة المطردة فيها، غروبه وطلوعه فيها مع الفجر، وأنه متفق عليه عندهم، وأن خلافه يورث الريبة في قائله، وبه يعلم: أن المستدل بالقمر على الفجر في جهتنا، بما ذكر الغزالي عن البعض المذكور .. غالط؛ لظنه استواء الجهات في ذلك وليس كذلك. وقال في «سُلَّم العروج إلى معرفة المنازل والبروج» - لما ذكر في غروب القمر مثل ما مرّ عن الغزالي والبعض ما لفظه -:(وفي بعض الأشهر يكون غروبه وقت الفجر ليلة الثالث عشر، بل هو الغالب المطرد، خصوصاً إذا كانت الشمس في البروج الجنوبية) انتهى. ثم ذَكر: معرفة تجزئة الليل ونصف الشهر الثاني بطلوع القمر. إلى أن قال: (إلى
السابع والعشرين، فهو يطلع الفجر، ويتقدم في بعض الأشهر قليلاً ويتأخر في بعضها) انتهى. وقال الشيخ شاد بن متاك بن عثمان السواحلي الشافعي (1) في «وسيلة الطلاب»:(وقد ذكر بعض العلماء المنصفين من أصحابنا: أنه إذا حال دون الفجر حائل، اعتبر بالقمر، فإنه ليلة الثاني عشر من الهلال، يغرب مع طلوع الفجر، وقد يتأخر غروبه قليلاً في بعض الأشهر، حتى يكون غروبه وقت الفجر ليلة الثالث عشر بل هو الغالب) انتهى.
(1) السواحلي: شاد بن متاك بن عثمان مقري السواحلي الشافعي. له «وسيلة الطلاب لمعرفة القبلة وأوقات الصلاة لأولي الألباب» ألفه سنة 1058هـ (مخ: 2732).
الثالث: الساعات المستوية ودرجها:
فيستدل على الفجر بما قدروا به حصته بهما، تقريباً لا تحديداً - كما مرّ في المنازل والقمر - لكن ضبطهم ذلك بالساعات ودرجها أقرب إلى التحقيق، من تقدير ذلك بهما؛ لأن التقدير بهما معتمدة مشاهدتهما، وقد مرّ لك أن المنازل متفاوتة وبعضها منحرف، وكذلك القمر، قد تكثر درجة ليلة هلاله فيسرع، وقد تقل فيبطئ (1)، ويختلف باختلاف الجهات. والتقدير بالساعات ودرجها مبناه على ما يوجبه تقويم حركة الشمس، وغير ذلك مما قرره علماء الفلك. ففي «اليواقيت» - بعد ذكره أن المعمور من الأرض منتهى طول الليل والنهار ونقصها فيه؛ إلى خمس عشرة ساعة مستوية وتسع ساعات كذلك، ما لفظه -: (فصل: قد مضى الكلام على ساعات الليل والنهار، وقد عرفناك الخلاف فيما بين الفجر والشمس، هل هو من الليل أو النهار؟، وأنا أعرفك الآن زيادته ونقصانه في الفصول الأربعة، أعلم: أنه إذا كان وسط الشتاء - وهو أقصر يوم في السنة، والليلة أطول
(1) في (ب): عند قوله (فيسرع) كتب في الهامش (ويتأخر). وعند قوله (فيبطئ) كتب في الهامش (فيتقدم).
ليلة - .. فيكون من طلوع الفجر المعترض إلى طلوع الشمس، مقدار ساعتين غير ثمن ساعة، فإذا رجعت الشمس، ومضى من رجوعها أحد وتسعون يوماً .. اعتدل الليل والنهار، فيكون من طلوع الفجر المعترض إلى طلوع الشمس، مقدار ساعة ونصف، فإذا مضى أحد وتسعون يوماً انتهى النهار في الطول، والليل في القصر .. فيكون من طلوع المعترض إلى طلوع الشمس مقدار ساعة وثمن، فإذا رجعت الشمس، أخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان، فإذا مضى أحد وتسعون يوماً اعتدل الليل والنهار، فيكون من طلوع المعترض إلى طلوع الشمس مقدار ساعة ونصف، فإذا مضى أحد وتسعون يوماً ((1) انتهى قصر النهار وطول الليل، فيكون من طلوع المعترض إلى طلوع الشمس ساعتين غير ثمن ساعة، وذلك على التقريب) انتهى.
فعلم بهذا: أن حصة الفجر ثمن ما بين غروب الشمس وطلوعها دائماً، في كل زمان ومكان؛ لأنه لما ذكر أن المعمورة من الأرض ينتهي طول الليل فيه إلى خمس عشر ساعة، وقصره إلى تسع، ذكر مرتين:
(1) معدل طول الفصل في السنة.
أن الفجر عند انتهاء طوله ساعتان إلا ثمن ساعة، وذلك ثمن الخمسة عشر. وذكر مرتين أيضا: أن حصته مع اعتدال الليل والنهار ساعة ونصف، وهي ثمن الاثني عشر، وذكر مرة: أن حصته عند انتهاء قصر الليل ساعة وثمن، وهي ثمن التسع. وفي «الإيعاب» بعد ذكر «الماتن» اختلاف المواقيت باختلاف البلدان ما لفظه:(وإيضاحه: أن (تفرض)(1) الشمس في أول الحمل والميزان، والكلام في البلاد الذي لا عرض لها، فإنه أوضح، فنقول: إذا طلعت الشمس على بقعة .. كانت غاربة، بالنسبة إلى البقعة التي بينها وبين تلك البقعة من جهة المشرق نصف الدور - أعني مائة وثمانين درجة - متوسطة بالنسبة إلى البقعة التي بينها وبينها تسعون درجة من جهة المشرق .. فهو وقت الظهر عندهم، فإذا فرضنا أن بين الظهر والعصر خمسين درجة مثلاً، وجمعنا ذلك إلى نصف قوس النهار، وهو تسعون درجة، يحصل مائة وأربعون .. كان ذلك الوقت وقت عصر، بالنسبة إلى البقعة التي بعدها عن بقعة الشروق من جهة المشرق
(1) أثبتناه من (ب) وفي (أ): تعرض.
أيضا مائة وأربعون، وإذا فرضنا حصة الشفق عشرين درجة مثلاً، وزدناها على قوس النهار - وهو مائة وثمانون درجة، يحصل مائتان .. كان ذلك الوقت وقت العشاء، في بقعة بعدها عن بقعة المشرق من جهة المشرق أيضا مائتان. وإذا فرضنا حصة الفجر ثلاثا وعشرين درجة مثلاً، كان ذلك الوقت وقت الصبح، في بلد يكون بعده عن بلد الشروق، في جهة المغرب ثلاثاً وعشرين درجة. وهذه الأحكام جارية في ذوات العروض من البلدان، في كون الشمس] في الحمل [((1) والميزان) (2) انتهى. وهذا وإن كان ذكره الشيخ، على سبيل الفرض والتمثيل .. فهو موافق لما عليه جمع من أهل التقويم، في حصص هذه الفروض، وإن وجد خلاف بينهم فهو يسير، ويهوِّنه ما مرّ: أن الضبط بذلك تقريب لا تحديد ((3)، ويشهد لذلك بل لترجيح الشيخ: أن حصص هذه الفروض عند الاعتدال ما ذكره، جزمه في «فتح الجواد»: بأن حصة الشفق ما ذكره هنا، وموافقته «لليواقيت» في
(1) في (أ) و (ب): في غير الحمل، وفي «الإيعاب» بدون (غير) وبه يستقيم المعنى.
(2)
ابن حجر الهيتمي. الإيعاب (1\ 329).
(3)
هذه مراتب الضبط عندهم: تقريب ثم تحديد ثم تحقيق.
حصة الفجر، إذ الثلاث والعشرين الدرجة، ساعة ونصف ونصف درجة، فزيادته نصف الدرجة على «اليواقيت» يسير، لا يؤثر فيما مبناه على التقريب - كما مرَّ. ومن باب العيد من «الهجرانية» (1)) لما سئل عن قول «العباب»:(يسن تأخير صلاة العيد لربع النهار، والأضحى لسدسه)، وأجاب: بأن الماوردي ((2)
سبق صاحب «العباب» بهذه المقالة فقال في «الإقناع» : (الاختيار أن يصلي عيد الأضحى إذا مضى سدس النهار، والفطر ربعه) انتهى. ثم رد ذلك بأن السنة فعل الأضحى بعد ارتفاع الشمس كرمح، والفطر بعد ذلك بيسير، ما لفظه: (فإن قلت بل مراده - أي الماوردي - بوقت الاختيار وقت الفضيلة، ولكن ابتداء المقادير المذكورة من الفجر؛ لأنه أول النهار الشرعي كما هو معلوم، وحينئذ
(1) الهجرانية: فتاوى للعلامة عبد الله بن عمر بامخرمة تقع في جزأين. (مخ: 776 و 877).
(2)
الماوردي: علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الشافعي (364هـ - 450هـ). له «الإقناع» و «الحاوي الكبير» . (الزركلي. الأعلام. (4/ 327). (الذهبي. سير أعلام النبلاء. (18/ 64) ..
فيوافق كلام غيره ولا إشكال. قلت: لا يوافقه أيضاً على هذا التقدير. أما في الفطر فظاهر؛ لأنه جعل المقدار ربع النهار، وربع النهار المعتدل ثلاث ساعات، إن حسب من طلوع الشمس، وإن حَسَبَ من طلوع الفجر كان ثلاث ساعات وثلث، فعلى ما ذكر في هذا الاعتراض، يكون التأخير بعد طلوع الشمس قدر ساعتين، وهو أكثر ممَّا بين طلوع الفجر وطلوع الشمس بقدر ثلثي ساعة) انتهى. فصريح هذه العبارة: أن حصة الفجر مع اعتدال الليل والنهار ساعة وثلث؛ لقوله: وربع النهار إلى وثلث. فلما ذكر أن الربع من طلوع الشمس إلى غروبها ثلاث، وأنه من طلوع الفجر يُزاد عليها (ثلث)(1) ساعة عُلم أن المتروك بعد الربع في كل مثله ثلاث مرات، وهو تسع ساعات في الأول، وثلاثة أثلاث ساعة في الثاني، (وهو ساعة)(2)، وبين ذلك بقوله: فعلى هذا إلى آخره العبارة، إذ يلزم من كون الساعتين التي بعد طلوع الشمس أكثر من حصة الفجر بثلثي ساعة .. أن حصته ساعة وثلث.
(1) أثبتناه من (ب) وفي (أ): ثلاث.
(2)
سقطت من (ب).
وفي «نهاية الجمال» للرملي - عند كلامه على الذهاب في ساعات الجمعة المذكورة في الحديث (1) ما لفظه - (وفي «الروضة»: ليس الساعات، الساعات الفلكية؛ لئلا تختلف في اليوم الشتائي والصائف، إذ لا يبلغ ما بين الفجر والزوال في كثير من أيام الشتاء ست ساعات)(2) انتهى. قال الشبراملِّسي ((3) في «حاشيته» عليها:
(1) حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح من الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح من الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح من الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر» . رواه البخاري (البخاري. صحيح البخاري. (1/ 301). رقم 841)، ومسلم. صحيح مسلم (2/ 582). رقم 850. وأبو داود (أبو داود. سنن أبي داود. (1/ 96). رقم 351) والترمذي (الترمذي. سنن الترمذي. 2/ 372. رقم 499) وابن ماجة (ابن ماجة. سنن ابن ماجة. (1/ 347). رقم 1092).
(2)
الرملي. نهاية المحتاج. (2/ 335).
(3)
الشبراملِّسي: أبو الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملِّسي المصري الشافعي (998هـ - 1087هـ) له: «حاشية على نهاية المحتاج» و «حاشية على المواهب اللدنية للقسطلاني» و «حاشية على الشمائل لابن حجر الهيتمي» . (الزركلي. الأعلام. (4/ 314)) و (كحالة. معجم المؤلفين. (7/ 153) وَالباباني. هدية العارفين. (1/ 405)).
(قال ابن قاسم: ولي فيه نظر، إذ أقل أيام الشتاء مائة وخمسون درجة، وهي عشر ساعات فلكية، وابتداء اليوم عند أهل الفلك من طلوع الشمس، فمن الشمس إلى الزوال يخصه خمس ساعات، ولاشك أن من الفجر إلى الشمس لا ينقص عن ساعة)(1) انتهى. فصريح ما ذكر: أن أقصر يوم فلكي بالقطر المصري مائة وخمسون درجة، ولم يبين حصة الفجر، (التي)(2) بها يتبين قدر ذلك اليوم الشرعي، لكن بينه كلام الرشيدي ((3) في «حاشيته» على «النهاية» إذ قال: (قوله: (إذ لا يبلغ ما بين الفجر الخ (. فيه نظر، إذ أقصر ما يمكن من أيام الشتاء في القطر المصري، أن يكون ما بين الفجر والزوال
(1) الشبراملِّسي. حاشية الشبراملِّسي. (2/ 335).
(2)
أثبتناها من (ب) وفي (أ): الذي.
(3)
أحمد بن عبد الرزاق بن محمد المصري الرشيدي الشافعي المغربي الأصل (ت 1096هـ)، (الزركلي. الأعلام. (1/ 145).
تسعاً وتسعين درجة، وهو أكثر من ست ساعات فلكية) (1) انتهى. فإذا كان ما بين الفجر والزوال تسع وتسعون درجة، وقد علم - مما مرَّ عن الشبراملِّسي -: أن من طلوع الشمس إلى الزوال خمس ساعات، وهي خمس وسبعون درجة، فلا شك أن ما زاد عليها إلى تمام التسع والتسعين، هو حصة الفجر وذلك أربع وعشرين درجة.
(1) الرشيدي. حاشية الرشيدي. (2/ 335).