المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قال البخاري: حدثنا عباس بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا - الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور - جـ ٣

[حكمت بشير ياسين]

الفصل: قال البخاري: حدثنا عباس بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا

قال البخاري: حدثنا عباس بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال:"اسقِه عسلا". ثم أتاه الثانية فقال: "اسقه عسلا". ثم أتاه الثالثة فقال: "اسقه عسلا". ثم أتاه فقال: فعلت، فقال:"صدق الله وكذب بطنُ أخيك، اسقه عسلا"، فسقاه، فبرأ".

(الصحيح 10/146- ك الطب، ب الدواء بالعسل ح/5‌

‌68

4) ، وأخرجه مسلم 4/1736-1737 ح 2217- ك السلام، ب التداوي بسقي العسل) .

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (فاسلكى سبل ربك ذللا) قال: لا يتوعر عليها مكان سلكته.

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة، قوله (فاسلكى سبل ربك ذللا) أي: مطيعة.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء، وقد كان ينهى عن تفريق النحل، وعن قتلها.

قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)

قال ابن كثير: يخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة، كما قال الله تعالى:(الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة) الآية.

قوله تعالى (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)

انظر سورة الإسراء آية (30) وتفسيرها.

ص: 192

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (فما الذين فضلوا برادى رزقهم على ماملكت أيمانهم) قال: هذا الذي فضل في المال والولد، لا يشرك عبده في ماله وزوجته، يقول: قد رضيت بذلك لله، ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكا في ملكه وخلقه.

قوله تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أي: والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه ثم جعل لكم بنين وحفدة.

قال الطبري حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قالا جميعاً: ثنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، قال الحفدة: الأختان.

وسنده حسن. وعبد الرحمن هو ابن مهدي، وأبو أحمد هو الزبيري، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه.

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (بنين وحفدة) قال: أنصارا وأعوانا وخداما.

قوله تعالى (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)

قال ابن كثير: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهم الأنداد والأصنام (وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) أي يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره. وفي الحديث الصحيح: "إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتنا عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ ".

وانظر (صحيح مسلم- ك الزهد والرقائق) .

قوله تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون) قال: هذه الأوثان

ص: 193

التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضر ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا وقوله (فلا تضربوا لله الأمثال) فإنه أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد (إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه.

قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالا فلم يقدم فيه خيرا، ولم يعمل فيه بطاعة الله، وأخذ بالشكر، ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة قال الله تعالى ذكره (هل يستويان مثلا) ، والله ما يستويان (الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) .

قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (لا يقدر على شيء) قال: هو الوثن (هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل) قال: الله يأمر بالعدل.

وانظر سورة الفاتحة تفسير (الصراط المستقيم) : الإسلام.

قوله تعالى (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

قال ابن كثير: يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السموات والأرض واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، كما قال:(وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) أي فيكون ما يريد كطرف العين.

ص: 194

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (إلا كلمح البصر أو هو أقرب) والساعة: كلمح البصر، أو أقرب. ا. هـ. والمراد بالساعة أي: أمر قيام الساعة.

قوله تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

انظر قوله تعالى (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) سورة الزمر آية (6) .

قوله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

قال ابن كثير: ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك، كما قال تعالى في سورة الملك:(أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) وقال ههنا: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (مسخرات في جو السماء) أي في كبد السماء.

قوله تعالى (والله جَعَلَ لَكمْ مّن بُيُوتكُمْ سَكَنا)

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (من بيوتكم سكنا) قال: تسكنون فيها.

قوله تعالى (

وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)

انظر آية (5) من السورة نفسها.

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (أثاثا) قال: متاعا.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (ومتاعا إلى حين) قال: إلى الموت.

ص: 195

قوله تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) إي والله من الشجر ومن غيرها.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وجعل لكم من الجبال أكنانا)

يقول: غيرانا من الجبال يسكن فيها (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) يعني: ثياب القطن والكتان والصوف وقمصها.

قوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)

انظر سورة البقرة آية (119) لبيان البلاغ أن عَليه صلى الله عليه وسلم أن يكون بشيراً ونذيراً.

قوله تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُون)

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فورثناها منهم.

قوله تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) وشاهدها نبيها، على أن قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) .

قوله تعالى (ثم لا يؤذن للذين كفروا ولاهم يستعتبون)

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله (لا يؤذن) ولكنه بين في المرسلات أن متعلق الإذن الاعتذار؛ أي لا يؤذن لهم في الاعتذار، لأنهم ليس لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله:(هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون) .

ص: 196

قوله تعالى (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم يُنظرون)

قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف عنهم، ولا ينظرون أي لا يمهلون، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. وبين أنهم يرون النار، وأنها تراهم، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم؛ كقوله تعالى (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون) ، وقوله (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا) .

قوله تعالى (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون)

قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته قالوا لربهم ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في ذلك فيقولون لهم: كذبتم! ما كنتم إيانا تعبدون! وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) وقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) .

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (فألقوا إليهم القول) قال: حدثوهم.

قوله تعالى (وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ (وضل عنهم ما كانوا يفترون) .

وانظر سورة البقرة آية (208) .

ص: 197

قوله تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)

قال ابن كثير: أي عذاباً على كفرهم وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) أي ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضاً (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى:(قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون) .

قال الحاكم: حدثني علي بن عيسى ثنا إبراهيم بن أبي طالب ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: قال عبد الله رضي الله عنه في قول الله عز وجل (زدناهم عذاباً فوق العذاب) قال: عقارب أنيابها كالنخل الطوال.

(هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (المستدرك 2/355-356- ك التفسير) ، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني (9104 و9105) من طريق سفيان ويحيى بن عيسى عن الأعمش به، وأخرجه أيضاً (9103) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود

وقال الهيثمي في المجمع (10/910) رواه بالطبراني ورجاله رجال الصحيح وكذا في (7/48) قال نحوه، وأخرجه الطبري قال حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله (زدناهم عذابا فوق العذاب) قال. عقارب لها أنياب كالنخل. وسنده صحيح على شرط مسلم.

قوله تعالى (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)

قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا علينا. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله:

ص: 198

(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض

) الآية، وكقوله:(يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم) وكقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) .

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (تبيانا لكل شيء) قال: ما أمر به، وما نهى عنه.

قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكّرون)

قال الحاكم: أخبرنا الحسن بن حليم المروزي، أنبا أبو الموجه، أنبا عبدان، أنبا عبد الله، أنبا عيينة بن عبد الرحمن الغطفاني عن أبيه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أجدر أن تعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.

صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك 2/356- ك التفسير) وأقره الذهبي، وأخرجه أبو داود (ح 4902- ك الأدب، ب النهي عن البغي) ، والترمذي (ح 2511- ك صفة القيامة، ب 57) ، وابن ماجة (ح 4211- ك الزهد، ب البغي) ، وابن حبان (الإحسان ح 455 و456) ، والحاكم في (المستدرك 2/356) ، (ن 6/162 ل 636) من طرق عن عيينة بن عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قال الألباني: وهو كما قالا -يعني الترمذي والحاكم- فإن رجال إسناده ثقات كلهم. وصحح إسناده أيضا محقق الإحسان.

انظر حديث الحاكم تحت الآية رقم (23) من سورة يونس.

قال أحمد: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته بمكة جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا تجلس"؟ قال: بلى. قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله، فبينما هو يحدثه، إذ شخص رسول الله ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء،

ص: 199

فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى قال: يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، قال:"وما رأيتني فعلت؟ " قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك. قال:"وفطنت لذاك؟ " قال عثمان: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس"، قال: رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فما قال لك؟ قال: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً.

(المسند ح 2922) وقال محققه: إسناده صحيح. وقال ابن كثير: إسناد جيد متصل حسن قد بين فيه السماع المتصل (التفسير 4/516) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وشهر وثقه أحمد وجماعة وفيه ضعف لايضر، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد 7/48) ، وأخرجه الترمذي من طريق عبد الحميد ابن بهرام به، وحسنه (السنن ح 3215) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله (والإحسان)، فإن الإحسان الذي أمر به تعالى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته: الصبر لله على طاعته فيما أمر ونهى، في الشدة والرخاء، والمكره والمنشط، وذلك هو أداء فرائضه، وقوله (إيتاء ذى القربى) يقول: الأرحام (وينهى عن الفحشاء) يقول: الزنا (والبغي) يقول: الكبر والظلم (يعظكم) يقول: يوصيكم (لعلكم تذكرون) .

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنه، ويندب إلى الإحسان، كقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن

ص: 200

صبرتم لهو خير للصابرين) وقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وقال (والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له)

وقوله: (وإيتاء ذي القربى) أي يأمر بصلة الأرحام، كما قال:(وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً) وقوله: (وينهى عن الفحشاء والمنكر) فالفواحش المحرمات، والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى) الآية، إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه، إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها.

قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)

قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حِلْف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة".

(الصحيح 4/1961 ح 2530- ك فضائل الصحابة، ب مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه

) .

قال ابن كثير: ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. ا. هـ.

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) . أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا. وظاهر الآية أنه شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه. وفيما بينه وبين الناس. وكرر هذا في مواضع أخر؛ كقوله (في الأنعام) : (وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به..) الآية، وقوله (في الإسراء) :(وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) . وقد

ص: 201

قدمنا هذا (في الأنعام) . وبين في موضع آخر: أن من نقض العهد إنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك؛ وذلك في قوله:(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) . وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق يستوجب اللعن؛ وذلك في قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم..) الآية.

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى:(ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها) قال: تغليظها في الحلف.

قوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه، وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (أن تكون أمة هي أربى من أمة) يقول: أكثر.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) يقول: خيانة وغدرا بينكم (أن تكون أمة هي أربى من أمة) أن يكون قوم أعز وأكثر من قوم.

قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

قال ابن كثير: يقول الله تعالى (ولو شاء الله لجعلكم) أيها الناس (أمة واحدة) كقوله تعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) أي: لوفق بينكم ولما جعل اختلافاً ولا تباغض ولا شحناء.

ص: 202

قوله تعالى (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا النضر أخبرنا شعبة حدثنا فرّاس قال: سمعت الشعبي عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتلُ النفس، واليمين الغموس".

(الصحيح 11/564- ك الأيمان والنذور، ب اليمين الغموس ح/6675) .

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى: (دخلا بينكم) قال: خيانة بينكم.

قوله تعالى (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

انظر سورة آل عمران آية (77) .

قوله تعالى (ما عندكم ينفذ وما عن الله باق)

قال الشيح الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ماعنده من نعيم الجنة باق لا يفنى. ووأضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله (عطاء غير مجذوذ) وقوله: (إن هذا لرزقنا ماله من نفاد) .

قوله تعالى (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)

قال الشيخ الشنقيطي: أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم -أي جزاء عملهم- بأحسن ما كانوا يعملون. وبين في موضع آخر: أنه جزاء بلا حساب؛ كما في قوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) .

قوله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) .

قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يُعطى بها في

ص: 203

الدنيا ويُجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة. لم تكن له حسنة يُجزى بها".

(الصحيح 4/2162 ح 2808- ك صفات المنافقين، ب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة) .

قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أبو عبد الرحمن المقرىء، عن سعيد بن أبي أيوب. حدثني شرحبيل (وهو ابن شريك) عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه".

(الصحيح 2/730 ح 1054 - ك الزكاة، ب في الكفاف والقناعة) .

قال الحاكم: أخبرنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق أنبأ يعقوب بن يوسف القزويني ثنا محمد بن سعيد بن سابق ثنا عَمْرو بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (فلنحيينه حياة طيبة) قال: القنوع، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: "اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير".

هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك 2/356- ك التفسير) . وأقره الذهبي.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله:(فلنحيينه حياة طيبة) قال: السعادة.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله:(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلحيينه حياة طيبة) فإن الله لايشاء عملا إلا في إخلاص، ويوجب من عمل ذلك في إيمان، قال الله تعالى (فلنحيينه حياة طيبة) وهي الجنة.

قوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

انظر الاستعاذة في مطلع التفسير.

قوله تعالى (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون)

قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه

ص: 204

الذين يتولونه والذين هم به مشركون. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) ، وقوله (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ، وقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) ، وقوله (وماكان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك..) الآية، وقوله (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) .

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (إنما سلطانه) قال: حجته.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إنما سلطانه على الذين يتولونه) يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه.

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (والذين هم بربهم مشركون) قال: يعدلون بالله عز وجل.

قوله تعالى (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) قال: رفعناها فأنزلنا غيرها.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) هو كقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها) .

قوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قل نزله روح القدس من ربك بالحق)

الآية. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يقول إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان آية - أنه نزله عليه روح القدس من ربه جل وعلا؛ فليس مفتريا له. وروح القدس: جبريل، ومعناه الروح المقدس؛ أي الطاهر من كل ما لا يليق. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله:(قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) الآية، وقوله:

ص: 205

(وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) ، وقوله (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يلقى إليك وحيه) ، وقوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) قال: قول كفار قريش: إنما يعلم محمداً عبد لابن الحضرمى، وهو صاحب كتب بقول الله (لسان الذي يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) .

وأخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة بنحوه.

قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله:(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله، وله عذاب عظيم، فأما من أكره وتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

قال البخاري: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: أتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من بدل دينه فاقتلوه".

(الصحيح 12/279- ك استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، ب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم ح 6922) .

قال ابن ماجة: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا يحيى بن أبي بُكيْر، ثنا زائدة بن قدامة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرِّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمّار، وأمه سُمية، وصُهيب، وبلال، والمِقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم

ص: 206

المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس. فما منهم مِن أحد إلا وقد واتَاهم على ما أرادوا إلا بلالا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحَد، أحَد.

(سنن ابن ماجة 1/53- المقدمة، ب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ح 150)، وأخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي وقال في (تاريخ الإسلام قسم السيرة ص 218) : حديث صحيح، وأخرجه ابن أبي عاصم مختصرا من طريق زائدة به، (المسند 1/404 المستدرك 3/284، الأوائل ص 87)، قال البوصيري: هذا إسناد رجاله ثقات رواه ابن حبان في صحيحه

إلخ (مصباح الزجاجة 1/64) ، وقال الألباني. حسن (صحيح ابن ماجة 1/30) . وله شاهد من رواية مجامد مرسلاً عند ابن أبي شيبة في (المصنف (13/47-49)، وقال الحافظ في الإصابة (4/327) : وهو مرسل صحيح السند.

قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

انظر سورة البقرة آية (7) .

قوله تعالى (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)

انظر آية (62) من السورة نفسها.

قوله تعالى (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

انظر سورة البقرة آية (48) وتفسيرها.

قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (قرية كانت آمنة مطمئنة) قال: مكة.

قال ابن كثير: هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، كما قال تعالى:(وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا)، وهكذا قال ههنا:(يأتيها رزقها رغدا)

ص: 207

أي هنيئا سهلا (من كل مكان فكفرت بأنعم الله) أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى:(ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار) .

وانظر سورة البقرة آية (58) .

قوله تعالى (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ولقد جاءهم رسول منهم) إي والله، يعرفون نسبه وأمره، (فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) ، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل.

قوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)

انظر سورة البقرة آية (168) .

قوله تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (إنما حرم عليكم الميتة والدم) الآية، قال: وإن الإسلام دين يطهره الله من كل سوء، وجعل لك فيها يابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك. قوله (فمن اضطر غير باغ ولاعاد) غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة.

وانظر سورة البقرة آية (173) ، لبيان هذه المحرمات.

قوله تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

أخرج آدم ابن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد، في قول الله تعالى (لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) في البحيرة والسائبة.

وانظر سورة المائدة (103) وتفسيرها، لبيان ما حرم المشركون من أنعام أحلها الله تعالى.

ص: 208

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يفترون عليه الكذب -أي يختلقونه عليه- كدعواهم أنه حرم هذا وهو لم يحرمه. ودعواهم له الشركاء والأولاد - لا يفلحون؛ لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعا قليلاً لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم.

وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في يونس:(قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون)، وقوله:(نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)، وقوله:(قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) ، إلى غير ذلك من الآيات.

وانظر سورة يونس آية (26)، لبيان المتاع: الذاهب.

قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل) قال: ما قص الله تعالى في سورة الأنعام حيث يقول: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) الآية.

وانظر سورة الأنعام آية (146) وتفسيرها، لبيان ما حرم الله تعالى على اليهود.

قال الشيخ الشنقيطي: وجملة المحرمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم (وهو الثروب) وشحم الكلى. أما الشحم الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي الأمعاء، والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره من الشحوم المختلطة بالعظام فهو حلال لهم؛ كما هو واضح من الآية الكريمة.

قوله تعالى (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)

انظر سورة النساء آية (17) ، وسورة الأنعام آية (54) .

ص: 209