المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى (إنه كان عبدا شكورا) الضمير يعود إلى نوح بدليل - الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور - جـ ٣

[حكمت بشير ياسين]

الفصل: قوله تعالى (إنه كان عبدا شكورا) الضمير يعود إلى نوح بدليل

قوله تعالى (إنه كان عبدا شكورا)

الضمير يعود إلى نوح بدليل مارواه البخاري بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: وفيه أن الناس يأتون نوح فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكوراً.

(صحيح البخاري- التفسير سورة بني إسرائيل رقم 4712) .

وقد وردت بعض الروايات في السبب الذي سماه الله تعالى من أجله شكوراً، فأخرج الطبري والحاكم من طريق سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: كان نوح إذا لبس ثوبا أو أكل طعاما حمد الله فسمى عبداً شكوراً.

وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (المستدرك 2/6‌

‌3

0) ، وأخرجه الطبري أيضا من طريق أيوب عن أبي عثمان النهدي به نحوه. وبنحوه أخرجه بأسانيده عن مجاهد وقتادة، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة.

قوله تعالى (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا)

أخرج الطبري بسنده الجيد من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وقضينا إلى بني إسرائيل) يقول أعلمناهم.

وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: قضاء قضاه القوم كما تسمعون، وبسنده الصحيح عن مجاهد: أخبرنا بني إسرائيل.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (ولتعلن علوا كبيراً) قال: ولتعلن الناس علوا كبيرا.

قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)

ص: 218

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة في قوله تعالى (لتفسدن في الأرض مرتين) قال: أما المرة الأولى فسلط الله عليهم جالوت حين بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود، ثم ردت الكرة لبنى إسرائيل، ثم جاء وعد الآخرة من المرتين (ليسوؤا وجوهكم) قال: ليقبحوا وجوهكم، (وليتبروا ما علوا تتبيرا) قال: ليدمروا ماعلوا تدميرا، قال: هو بخت نصر، قال: وبعث عليهم في المرة الآخرة، ثم قال:(عسى ربكم أن يرحمكم وأن عدتم عدنا) ، فعادوا فبعث الله عليهم محمد، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.

أخرج الطبري بسنده الجيد من طريق علي بن أبي طلحه عن ابن عباس: (فجاسوا خلال الديار) قال: مشوا.

وقد اختلف المفسرون في الذين عنى الله عليهم بقوله (أولى بأس شديد) في ماكان من فعلهم في المرة الأولى في بني إسرائيل حين بعثوا عليهم في المرة الآخرة: - القول الأول: إنه جالوت.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: أما المرة الأولى فسلط الله عليهم جالوت حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود.

(وبنحوه أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة كما تقدم في الرواية السابقة عنه) .

- القول الثاني: إنه سنحاريب.

قال الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن عليه عن أبي المعلى قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: في قوله (بعثنا عليهم عبادا لنا أولى بأس شديد) قال: بعث الله تبارك وتعالى عليهم في المرة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى فسألت سعيدا عنها، فزعم أنها الموصل. ا. هـ، وقوله فزعم أنها الموصل قول صحيح لأن نينوى جزء من المرصل تقع في شمالها.

(ورجاله ثقات وإسناده صحيح إلى سعيد بن جبير، وأبو المعلى هو يحي بن ميمون الضبي العطار الكوفي معروف بالرواية عن سعيد بن جبير وبرواية إسماعيل ابن عليه عنه، كما في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي المعلى، ويعقوب بن إبراهيم هو ابن كثير العبدي الدورقي معروف بالرواية عن ابن عليه كما هو في تهذيب التهذيب في ترجمته) .

ص: 219

- القول الثالث: إنه بختنصر المجوسي البابلى: ومن معه من أهل فارس.

قال الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلى على كبا -أي كناسه- فسألهم ما هذا الدم؟ قالوا: أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم. فسكن.

(وذكره ابن كثير في التفسير ثم قال: وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور. ا. هـ. وقد ثبت نحوه عن ابن عباس لقد أخرجه الطبري عن أبي السائب قال ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس. وأبو السائب: سلم بن جنادة، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير ورجاله ثقات إلا المنهال وهو ابن عمرو صدوق فالإسناد حسن، وقد صحح ابن كثير رواية المنهال عن سعيد بن جبير في غير هذا الموضع. ولا مانع من الجمع بين الأقوال الثلاثة. (انظر البداية والنهاية 1/78) . وهذه الرواية تقوي سابقتها لكن في بعضها غرابة وهو مقتل يحيى بن زكريا، انظر (البحر المحيط 6/10-11) .

قوله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم)

وأخرج الطبري بالإسناد الصحيح المتقدم عن قتادة (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) ثم رددت الكرة لبني إسرائيل.

قوله تعالى (وجعلناكم أكثر نفيرا)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وجعلناكم أكثر نفيرا) أي عددا وذلك في زمن داود.

قوله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن -أي بالإيمان والطاعة- فإنه إنما يحسن إلى نفسه لأن نفع ذلك لنفسه خاصة، وأن من أساء -أي بالكفر والمعاصي- فإنه إنما يسيء على نفسه لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله:(من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها) الآية، وقوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال

ص: 220

ذرة شرا يره) وقوله (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون)

إلى غير ذلك من الآيات، واللام في قوله (وإن أسأتم فلها) بمعنى على أي فعليها، بدليل قوله (ومن أساء فعليها) ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى:(ويخرون للأذقان) الآية أي عليها.

أخرج الطبري بالإسناد الصحيح المتقدم عن سعيد بن جبير قال بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب قال: فرد الله لهم الكرة عليهم كما قال: ثم عصوا ربهم وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فقتل المقاتلة، وسبي الذرية، وأخذ ماوجد من الأموال، ودخلوا بيت المقدس، كما قال الله عز وجل (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا) دخلوه فتبروه وخربوه وألقوا فيه ما استطاعوا من العذرة والحيض والجيف والقذر، فقال الله (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) فرحمهم فرد إليهم ملكهم وخلص من كان في أيديهم من ذرية بني إسرائيل، وقال لهم: إن عدتم عدنا.

قال الشيخ الشنقيطي: جواب إذا في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو تتعلق به اللام في قوله: ليسوءوا وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم بدليل قوله في الأولى (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا) الآية وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ا. هـ.

أخرج آدم بن أبي إياس والطبري بالإسناد الصحيح عن مجاهد قال: بعث الله ملك فارس ببابل جيشاً وأمر عليهم بختنصر، فأتوا بني إسرائيل فدمروهم فكانت هذه الآخره ووعدها.

قوله تعالى (وإن عدتم عدنا)

قال الشيخ الشنقيطي: لما بين جل وعلا أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عباداً له أولى بأس شديد فاحتلوا بلادهم وعذبوهم، وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قوما ليسوءوا وجهوهم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، وبين أيضاً: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه

ص: 221

جل وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله: وإن عدتم عدنا ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أولا؟ ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته ونقض عهودة، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقا لقوله: وإن عدتم عدنا فسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فجرى علي بني قريضة والنضير، وبني قينقاع وخيبر ماجرى من القتل والسبي والإجلاء، وضرب الجزية على من بقى منهم، وضرب الذلة والمسكنة.

فمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد، قوله تعالى:(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما شروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) وقوله: (أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم) الآية، وقوله:(ولاتزال تطلع على خائنة منهم..) الآية، ونحو ذلك من الآيات.

ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) . وقوله تعالى (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها..) الآية، ونحو ذلك من الآيات.

ص: 222

قوله تعالى (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال (عسى ربكم أن يرحمكم)، فعاد الله عليهم بعائدته ورحمته (وإن عدتم عدنا) قال: عاد القوم بشر ما يحضرهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته ثم كان ختام ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحى من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة، قال الله عز وجل في آية أخرى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة

) الآية، فبعث الله عليهم هذا الحى من العرب.

قوله تعالى (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا)

أخرج الطبري بسنده الجيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (حصيرا) سجنا.

وكذا أخرجه بسنده الحسن عن قتادة، وأخرجه بإسناده الصحيح المتقدم عن قتاده بلفظ: محبسا حصورا، وأخرجه آدم بن أبي إياس، والطبري بالإسناد الصحيح عن مجاهد قال: يحصرون فيها.

أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة قال: محبسا حصروا فيها.

أخرج عن معمر عن الحسن: حصيرا: فراشا مهادا.

وهو إسناد صحيح أيضاً، وأخرجه الطبري ثم قال: وذلك أن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا، فوجهَ الحسنُ معنى الكلام إلى أن الله تعالى جعل جهنم للكافرين به بساطا ومهادا كما قال (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) وهو وجه حسن وتأويل صحيح. وأما الآخرون فوجهوه إلى أنه فعيل من الحصر الذي هو الحبس، وقد بينت ذلك بشواهده في سورة البقرة. ا. هـ.

قال الشيخ الشنقيطي: وهذا الوجه يدل له قوله تعالى (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا) .

ص: 223

قوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)

قال الشيخ الشنقيطي: هذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع مافي القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيرى الدنيا والآخرة ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار وطعنوا بسببها في دين الإسلام لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة فمن ذلك توحيد لله جل وعلا فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته وفي عبادته وفي أسمائه وصفاته وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيده في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..) الآية، وقال:(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون.) .

الثاني: توحيده جلا وعلا في عبادته وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي متركبة من نفى وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع المعبودات كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) .

ص: 224

ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد، قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) الآية، وقوله:(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) قوله: (ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه إنه لا إله إلا أنا فاعبدون) . وقوله: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) . وقوله: (قل إنما يوحي إلي إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون) . فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد لشمول كلمة (لا إله إلا الله) لجميع ماجاء في الكتب، لأنها تقتضى طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة.

النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ينبي على أصلين:

الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، كما قال تعالى:(ليس كمثله شيء) .

والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله على الوجه اللائق

بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)

مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: (يعلم مابين أيديهم وماخلفهم ولا يحيطون به علماً

) ، ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى

ص: 225

(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار) إلى قوله (فسيقولون الله) فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره بقوله (فقل أفلا تتقون)

ومن هدى القرآن للتي هي أقوم جعله الطلاق بيد الرجل كما قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) الآية، ونحوها من الآيات لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض كما قال تعالى (نساؤكم حرث لكم)

ومن هدى القرآن للتي هي أقوم تفضيله الذكر على الأنثى في الميراث كما قال تعالى (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم)

ومن هدى القرآن للتي هي أقوم: القصاص فإن الإنسان إذا غضب وهم بأن يقتل إنساناً آخر فتذكر أنه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل فحي ذلك الذي كان يريد قتله، وحي هو لأنه لم يقتل ويقتل قصاصا، فقتل يحيا به مالا يعلمه إلا الله كثرة كما ذكرنا قال تعالى:(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديما وحديثا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله لأن القصاص رادع عن جريمة القتل كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا

ومن هدى القرآن للتي هي أقوم: قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعو أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو سرقت فاطمة لقطعت يدها"

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: رجم الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان أو أنثى

قوله تعالى (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير)

قال الشيخ الشنقيطي: أن معنى الآية (ويدع الإنسان بالشر) كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر يقول: اللهم أهلكني أو أهلك ولدي، فيدعوا بالشر دعاء لايحب أن يستجاب له وقوله (دعاءه بالخير) أي

ص: 226