الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا القول مرسل لكن يتقوى بمرسل آخر أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بالسند الصحيح عن مجاهد (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً) قال: لو أخرجت قريش محمداً لعذبوا بذلك. قال الطبري بعد أن ذكر هذا القول وقولا آخر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول قتادة ومجاهد وذلك أن قوله (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) في سياق خبر الله عز وجل عن قريش وذكره إياهم.
قوله تعالى (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) أي سنة الأمم والرسل كانت قبلك كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم لم يناظروا أن الله أنزل عليهم عذابه.
قوله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا)
أخرج الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن ابن عباس وابن مسعود (دلوك الشمس) غروبها.
وأخرجه الحاكم في المستدرك- كتاب التفسير- من قول ابن مسعود وصححه ووافقه الذهبي.
وأخرج الطبري أيضاً بأسانيد صحيحه عن ابن عباس وابن مسعود (دلوك الشمس) زوالها وميلها وأخرجه مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: زوالها.
وسنده صحيح (موطأ مالك رواية الشيباني رقم 1006) .
قال الطبري وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني بقوله (أقم الصلاة لدلوك الشمس) صلاة الظهر وذلك أن الدلوك في كلام العرب الميل يقال منه دلك فلان إلى كذا: إذا مال إليه. ا. هـ.
ويؤيد هذا أنه ثبت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يصلى الظهر عند دلوك الشمس
…
أخرجه أبو يعلى في (المسند 7/
76
ح 4004) ، والضياء في (المختارة 4/405) ، وحسنه الهيثمي (المجمع 1/304) ، وصححه الألباني في (الإرواء 1/281) .
قال الشيخ الشنقيطي: قد بينا في سورة النساء أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي أشارت لأوقات الصلاة لأن قوله (لدلوك الشمس) أي لزوالها على التحقيق
فيتناول وقت الظهر والعصر بدليل الغاية إلى قوله (إلى غسق الليل) أي ظلامه وذلك يشمل وقت المغرب والعشاء وقوله (وقرآن الفجر) أي صلاة الصبح
…
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً قال: فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) .
(الصحيح- التفسير، ب إن قرآن الفجر كان مشهودا رقم 4717) .
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة باليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إلى الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟. فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون".
واللفظ للبخاري، (الصحيح- مواقيت الصلاة، ب فضل صلاة العصر رقم 555) ، (وصحيح مسلم- الصلاة، ب فضل صلاتي الصبح والعصر رقم 6323) .
قوله تعالى (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا)
أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل".
(الصحيح- الصيام، ب فضل صوم المحرم رقم 1163) .
أخرج الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن الحسن البصري وعلقمة والأسود الكوفيين التهجد بعد نومه، وهو لفظ الكوفيَين.
وأخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن قتادة في قوله تعالى (نافلة لك) تطوعا وفضيلة.
وأخرج البخاري بسنده عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
(وجثا جمع جثوة، وجاث: وهو الذي يجلس على ركبتيه)
أخرج البخاري بسنده عن أنس مرفوعا قال: يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيئ، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لست هناكم -ويذكر ذنبه فيستحي- ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتونه فيقول: لست هناكم -ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي فيقول- ائتوا خليل الرحمن. فيأتونه، فيقول: لست هناكم ائتوا موسى عبداً كلمه الله وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم -ويذكر قتل النفس بغير نفس- فيستحي من ربه فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة. ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي -مثله- ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة. ثم أعود للثالثة، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود.
(الصحيح- التفسير سورة البقرة، ب وعلم آدم الأسماء كلها رقم 4476) .
وأخرج أيضاً بسنده عن جابر بن عبد الله مرفوعاً قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة".
(الصحيح- التفسير، ب (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) رقم 4718 و4719) .
قال الطبري حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: يجمع الناس في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياما
لا تكلم نفس إلا بإذنه ينادي: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدى من هديت، عبدك وابن عبدك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب هذا البيت، فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى. ا. هـ.
وأخرجه النسائي من حديث حذيفة وصححه ابن حجر (فتح الباري 8/399، 400) ، وأخرجه عبد الرزاق والحاكم من طريق أبي إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/363) .
وأخرج مسلم بسنده الصحيح عن أبي هريرة مرفوعاً: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع".
(الصحيح- الفضائل، ب تفضيل نبينا رقم 2278) .
وتقدم حديث أنس بن مالك في تفسير آية الكرسي وفيه الشفاعة والإذن بها.
قوله تعالى (وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا)
وأخرج آدم بن أبي إياس والطبري بالسند الصحيح عن مجاهد في قوله (وقل رب أدخلني مدخل صدق) يقول: فيما أرسلتني به من أمرك (وأخرجني مخرج صدق) فيما أرسلتني به من أمرك أيضاً (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) يعني حجة بينه.
وأخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن الحسن في قوله تعالى (مخرج صدق) من مكة إلى المدينة ومدخل صدق قال: الجنة.
قوله تعالى (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)
أخرج البخاري بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) . (جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد) .
(الصحيح- التفسير، ب جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا رقم 4720) .
قال الشيخ الشنقيطي: بين جل وعلا أن الباطل كان زهوقا، أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت، وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع، وذكر أن الحق يزيل الباطل ويذهبه كقوله:(قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد) وقوله (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) الآية.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (وقل جاء الحق) قال القرآن (وزهق الباطل) قال: هلك الباطل وهو الشيطان.
وأخرج أيضاً بسنده الجيد عن ابن عباس (إن الباطل كان زهوقا) يقول: ذاهبا.
قوله تعالى (وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)
قال الشيخ الشنقيطي: قد قدمنا في أول سورة البقرة الآيات المبينة لهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة كقوله: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) وقوله: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين) إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه (ولا يزيد الظالمين) به (إلا خسارا) أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
قوله تعالى (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يئوسا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إذا أنعم على الإنسان بالصحة والعافية والرزق أعرض عن ذكر الله وطاعته، ونأى بجانبه
أي تباعد عن طاعة ربه فلم يمتثل أمره، ولم يجتنب نهيه
…
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله في سورة هود:(ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى انه لفرح فخور) وقوله في آخر فصلت (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) وقوله في سورة الروم (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون) ، وقوله فيها أيضاً (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون)
…
وقد استثنى الله من هذه الصفات عباده المؤمنين في قوله في سورة هود: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) . ا. هـ.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (ونأى بجانبه) قال: تباعد منا.
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وإذا مسه الشر كان يئوسا) يقول قنوطا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وإذا مسه الشر كان يئوسا) يقول: إذا مسه الشر أيس وقنط.
قوله تعالى (قل كل يعمل على شاكلته فربكم هو أعلم بمن هو أهدى سبيلا)
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (كل يعمل على شاكلته) يقول: على ناحيته.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (قل كل يعمل على شاكلته) قال: على طبيعته على حدته.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (قل كل يعمل على شاكلته) يقول: على ناحيته وعلى ما ينوي.
قوله تعالى (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)
أخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث -وهو متكي على عسيب- إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح فقال: "مارابكم إليه" -وقال بعضهم لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا سلوه فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئاً فعلمت أنه يوحي إليه فقمت مقامي فلما نزل الوحي" قال (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) .
واللفظ للبخاري، (صحيح البخاري- التفسير، ب ويسألونك عن الروح رقم 4721) ، (وصحيح مسلم- صفة القيامة والجنة والنار، ب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح رقم 2796) . قال ابن حجر بعد أن ذكر الحديث: وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: "قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فأنزل الله تعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) .
ورجاله رجال مسلم. ا. هـ، وأخرجه أحمد من الطريق المذكور وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني. (انظر فتح الباري 8/401، ومسند أحمد 1/255، ومن الترمذي التفسير رقم 3140، وصحيح سنن الترمذي رقم 2510) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة (ويسئلونك عن الروح) قال: هو جبرئيل.
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ويسئلونك عن الروح) قال الروح: ملك.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) يعني: اليهود.
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلا بالنسبة إلى علمه جل وعلا، لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق قليل جداً، ومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله تعالى (قل لو كان البحر مداد لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) وقوله (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) .
قوله تعالى (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لاتجد لك به علينا وكيلا)
قال الطبري حدثنا أبو كريب قال: ثنا أبو بكر بن عياش عن عبد العزيز بن رفيع عن شداد بن معقل قال: قلت لعبد الله وذكر أنه يُسرى على القرآن، كيف وقد أثبتناه في صدورنا ومصاحفنا؟ قال: يسرى عليه ليلا فلا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل، ثم قرأ عبد الله (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) .
في الأصل عن بندار عن وهو تصحيف والصواب كما هو مثبت أعلاه لأن بندار ليس من هذه الطبقة وكذلك شداد بن معقل معروف بالرواية عن ابن مسعود وبرواية عبد العزيز بن رفيع عنه كما في تهذيب التهذيب 4/318، 6/337، وكما سيأتي في التخريج. ورجاله ثقات إلا أبا بكر بن عياش حفظه وكتابه صحيح وقد توبع كما سيأتي، وشداد صدوق وقد روي من طريق عبد الله بن وهب كما في تفسير الطبري، وأبو كريب هو محمد بن العلاء، وسنده حسن. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة، (مجمع الزوائد 7/46) . وأخرجه ابن أبي شيبه عن أبي الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عن شداد بلفظ. قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم، قال: قلت كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فينزع ما في القلوب ويذهب ما في المصاحف ويصبح الناس منه فقراء، ثم قرأ:(ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) . وقال القرطبي: وهذا إسناد صحيح، (الجامع لأحكام القرآن 10/326)، وله شاهد أخرجه ابن ماجة والحاكم من حديث حذيفة مرفوعا وفيه:"وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية"، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه البوصيري، والألباني (صحيح سنن ابن ماجة رقم 3273) ، وسنن ابن ماجة- الفتن، ب ذهاب القرآن والعلم رقم 4049) ، وأخرجه الدارمي من طريق زر عن مسعود بنحوه وإسناده حسن (السنن- فضائل القرآن، ب في تعاهد القرآن رقم 3343، طبعة الريان) .
قوله تعالى (إن فضله كان عليك كبيرا)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن فضله كان عليك كبيراً) بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم كبير، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقوله (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا) وقوله (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك) .
قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان، وعمر بن أضا، وبحرى بن عمرو، وعزيز بن أبي عزيز، وسلام بن مشكم، فقالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئتنا به حق من عند الله عز وجل، فإنا لانراه متناسقا كما تناسق التوراة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به". فقال عند ذلك وهم جميعاً فنحاص، وعبد الله بن صوريا، وكنانة بن أبي الحقيق، وأشيع، وكعب ابن أسد، وسموءل بن زيد، وجبل بن عمرو: يا محمد ما يعلمك هذا إنس ولا جان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل"، فقالوا: يا محمد إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما شاء ويقدر منه على ما أراد فأنزل علينا كتابا نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله عز وجل فيهم وفيما قالوا (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) .
قوله تعالى (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً)
انظر تفسير سورة الكهف آية (54) وفيها قول الطبري وروايته عن عبد الرحمن بن زيد. وانظر سورة الروم آية (58) .
قوله تعالى (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة قوله (حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا)، قال: عيونا.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (ينبوعا) قال: عيونا.
قوله تعالى (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين أنهم لو فعل الله ما اقترحوا ما آمنوا لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن كقوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) وقوله (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) وقوله: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) وقوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) وقوله (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم) والآيات بمثل هذا كثيرة، وقوله في هذه الآية (كتابا نقرؤه) أي كتابا من الله إلى كل رجل منا، ويوضح هذا قوله تعالى في المدثر:(بل يريد كل امرىء منهم أن يوتى صحفا منشرة) كما يشير إليه قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله) الآية، وقوله في هذه الآية الكريمة (قل سبحان هل كنت إلا بشرا
رسولا) أي تنزيها لربي جل وعلا عن كل ما لا يليق به ويدخل فيه تنزيهه عن العجز عن فعل ما اقترحتم فهو قادر على كل شيء لا يعجزه شيء وأنا بشر أتبع ما يوحيه إلي ربي، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إلها واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) وقوله (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إلها واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (كسفا) يقول: قطعا.
وأخرج آدم بن أبي إياس والطبري بالإسناد الصحيح عن مجاهد قوله (كسفا) قال: السماء جميعاً.
وبه قوله (والملائكة قبيلا) يعني: كل قبيلة على حده. وبه قوله (من زخرف) قال: من ذهب.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة قوله تعالى (أو تأتى بالله والملائكة قبيلا)، قال: عيانا.
ويؤيد تفسير قتادة قوله تعالى (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أُنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا
…
) الفرقان: 21.
وبه قوله تعالى (أو يكون له بيت من زخرف) قال بيت من ذهب.
وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) أي: كتابا خاصا نؤمر فيه باتباعك.
قوله تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا)
قال ابن كثير: يقول تعالى (وما منع الناس) أي أكثرهم أن يؤمنوا ويتابعوا الرسل إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلا كما قال تعالى: (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا) وقال تعالى (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله
والله غني حميد) وقال فرعون وملؤه (أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) وكذلك قالت الأمم لرسلهم (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين) .
قوله تعالى (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية: أن الرسول يلزم أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان مرسلاً رسولا إلى الملائكة لنزل عليهم ملكا مثلهم أي وإذا أرسل إلى البشر أرسل لهم بشرا مثلهم، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله:(وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون)، وقوله:(وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم)، وقوله:(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) .
قوله تعالى (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا)
قال ابن كثير: يقول الله مخبراً عن تصرفه في خلقه، ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، بأنه من يهده فلا مضل له (ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) أي يهدونهم كما قال (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) سورة الكهف آية:17.
انظر سورة الأعراف آية (178) .
أخرج الشيخان بسنديهما عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة، قال قتادة: بلى وعزة ربنا.
واللفظ للبخاري، (صحيح البخاري- التفسير- سورة الفرقان، ب الذين يحشرون على وجههم في جهنم رقم 4760) ، (وصحيح مسلم- صفة القيامة والجنة والنار، ب يحشر الكافر على وجهه رقم 2806) .
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما) ثم قال (ورأى المجرمون النار فظنوا) وقال (سمعوا لها تغيظا وزفيرا) وقال (دعوا هنالك ثبورا) أما قوله (عميا) فلا يرون شيئاً يسرهم، وقوله (بكما) لا ينطقون بحجة، وقوله (صما) لا يسمعون شيئاً يسرهم وقوله (مأواهم جهنم) يقول جل ثناؤه: ومصيرهم إلى جهنم وفيها مساكنهم وهم وقودها.
وبه عن ابن عباس في قوله (كلما خبت) قال: سكنت.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (كلما خبت زدناهم سعيرا) يقول: كلما أطفئت أوقدت.
وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وبكما) قال: الخرس (وصما) وهو جمع أصم، وبه عن قتادة قوله (كلما خبت زدناهم سعيرا) يقول: كلما احترقت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.
قوله تعالى (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أءِذا كنا عظاما ورفاتا أءِنا لمبعوثون خلقاً جديدا)
قال ابن كثير: يقول تعالى هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمى والبكم والصمم جزاؤهم الذي يستحقونه، لأنهم كذبوا بآياتنا أي بأدلتنا وحججنا واستبعدوا وقوع البعث (وقالوا إءذا كنا عظاما ورفاتا) بالية نخره (أئِنا لمبعوثون خلقاً جديدا) أي بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية، فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك كما قال (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) سورة غافر:57.
وانظر آية (49) من السورة نفسها.
قوله تعالى (أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفوراً)
قال الشيخ الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من خلق السموات والأرض مع عظمهما قادر على بعث الإنسان بلا شك لأن من خلق الأعظم الأكبر فهو على خلق الأصغر قادر بلا شك، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) الآية، أي من قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق أصغر، وقوله (أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) ، وقوله (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهم بقادر على أن يحيي الموتى) ، وقوله (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم) .
قوله تعالى (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى (خشية الإنفاق) قال: الفاقة.
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وكان الإنسان قتورا) يقول: بخيلا.
قال الشيخ الشنقيطي: بين تعالى في هذه الآية أن بني آدم لو كانوا يملكون خزائن رحمته -أي خزائن الأرزاق والنعم- لبخلوا بالرزق على غيرهم ولأمسكوا عن الإعطاء خوفا من الإنفاق لشدة بخلهم، وبين إن الإنسان قتور أي بخيل مضيق من قولهم قتر على عياله أي ضيق عليهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يأتون الناس نقيرا) وقوله (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الخير منوعا وإذا مسه الشر جزوعا إلا المصلين) الآية.
قوله تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن معمر عن الحسن (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات) قال: هذه آية واحدة والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ويد موسى وعصى موسى إذا ألقاها فإذا هي ثعبان مبين واذ ألقاها فإذا هي تلقف ما يؤفكون.
قال الطبري: حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم عن مغيرة عن الشعبي في قوله (تسع آيات بينات) قال: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات وعصاه ويده.
ورجاله ثقات، وإسناده صحيح.
قال ابن كثير وهذا القول ظاهر جلي حسن قوى، وجعل الحسن البصري (السنين ونقص الثمرات) واحدة وعنده أن التاسعة هي: تلقف العصى ما يأفكون.
قال الشيخ الشنقيطي: وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر كقوله (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) وقوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات) الآية وقوله (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) وقوله (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات) إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا وجعل بعضهم الجبل بدل (السنين) وعليه فقد بين قوله تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) ونحوها من الآيات.
قوله تعالى (قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن فرعون عالم بأن الآيات المذكورة ما أنزلها إلا رب السموات والأرض: بصائر أي حججا واضحة
…
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى مبينا سبب جحوده لما علمه في سورة النمل بقوله (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه أنهم كانوا قوما فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) الآية.
وأخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (مثبورا) قال مهلكا.
وأخرجه عبد الرزاق بالسند الصحيح عن قتادة.
قوله تعالى (فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا)
قال ابن كثير: وقوله (فأراد أن يستفزهم من الأرض) أي يخليهم منها ويزيلهم عنها (فأغرقناه ومن معه جميعاً وقلنا لمن بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) وفي هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة وكذلك وقع فان أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى: (وإن كانوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) ولهذا أورث الله رسوله مكة.... كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم كما قال: (كذلك وأورثناها بني إسرائيل) .
أخرج آدم بن أبي إياس والطبري بالإسناد الصحيح عن مجاهد (جئنا بكم لفيفا) يعني: جميعاً، وأخرجه عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة.
وقال الطبري: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان عن منصور عن ابن أبي رزين (جئنا بكم لفيفا) قال: من كل قوم.
ورجاله ثقات، وسنده صحيح، وابن أبي رزين: عاصم بن لقيط، ومنصور بن المعتمر، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي.
قوله تعالى (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)
قال الشيخ الشنقيطي: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل هذا القرآن بالحق أي متلبسا به متضمنا له فكل ما فيه حق فأخباره صدق وأحكامه عدل كما قال تعالى (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا) وكيف لا وقد أنزله جل وعلا بعلمه كما قال تعالى (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) الآية، وقوله (وبالحق نزل) يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه أمين لا يغير ولا يبدل كما أشار إلى هذا بقوله (نزل به الروح الأمين على قلبك) الآية، وقوله (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) الآية، وقوله في هذه الآية (لقول رسول) أي لتبليغه عن ربه بدلالة لفظ الرسول لأنه يدل على أنه مرسل به.
قوله تعالى (وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)
قال الطبري: حدثنا ابن المثنى قال: ثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن من السماء جمله واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة قال: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا.
ورجاله ثقات، وإسناده صحيح. وابن المثنى هو محمد، وداود هو ابن أبي هند حيث صرح الحاكم فأخرجه من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن داود بن أبي هند به، وصححه الحاكم والذهبي (المستدرك 2/368) ، وصححه أيضاً الحافظ ابن حجر (فتح الباري 9/4) .
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (وقرآن فرقناه) يقول: فصلناه.
وقال الطبري: حدثنا ابن المثنى قال: بدل بن المحبر، قال: ثنا عباد، يعني ابن راشد، عن داود عن الحسن أنه قرأ (وقرآنا فرقناه) خففها: فرق الله بين الحق والباطل.
وسنده حسن، وابن المثنى هو محمد، وداود ابن أبي هند.
وأخرج آدم بن أبي إياس والطبري بالسند الصحيح عن مجاهد قوله (على مكث) قال: في ترتيل.
وأخرجه عبد الرزاق بسنده الصحيح عن الثوري عن عبيد المكتسب عن مجاهد بلفظ: على تؤده، ولهذا لما سأل عبيد المكتب مجاهدا عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، وآخر قرأ البقرة وركوعها وسجودها واحد، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، وقرأ (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) .
أخرجه الطبري بسنده الصحيح عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري به.
قال الشيخ الشنقيطي: قرأ هذا الحرف عامة القراء (فرقناه) بالتخفيف، أي بيناه وأوضحناه وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل وقرأ بعض الصحابة (فرقّناه) بالتشديد، أي أنزلناه مفرقا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة، ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل، قوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم) الآية، وقد بين جل وعلا أنه بين هذا القرآن لنبيه ليقرأه على الناس على مكث أي: مهل وتؤدة وتثبت، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن يقرأ إلا كذلك، وقد أمر تعالى بما يدل على ذلك في قوله (ورتل القرآن ترتيلا) ويدل لذلك أيضاً قوله (وقالوا لولا نزل هذا القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) .
قوله تعالى (قل آمنوا به أولا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا) . (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يخرون للأذقان سجدا) يقول: للوجوه.
قال ابن كثير: وقوله (ويخرون للأذقان يبكون) أي: خضوعا لله عز وجل وإيمانا وتصديقا بكتبه ورسوله ويزيدهم الله خشوعا، أي: إيمانا وتسليما كما قال (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) .
قوله تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا)
انظر سور الأعراف آية (180) وفيها حديث البخاري عن أبي هريرة.
قال الشيخ الشنقيطي: أمر الله جل وعلا عباده في هذه الآية الكريمة أن يدعوه بما شاءوا من أسمائه إن شاءوا قالوا: يا الله، وإن شاءوا قالوا: يا رحمن. إلى غير
ذلك من أسمائه جل وعلا وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) وقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) الآية وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) ولذا قال بعض العلماء: إن قوله (الرحمن علم القرآن) جواب لقولهم (قالوا وما الرحمن) الآية، وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح في سورة الفرقان.
وانظر سورة الفرقان آية (60) .
أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:(ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (ولا تخافت بها) عن أصحابك فلا تسمعهم (وابتغ بين ذلك سبيلا) .
واللفظ للبخاري، (الصحيح- التفسير، ب ولاتجهر بصلاتك ولا تخافت بها رقم 4722) ، (وصحيح مسلم- الصلاة، ب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار رقم 446) .
أخرج البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) في الدعاء.
(الصحيح- التوحيد، ب قول الله تعالى (وأسروا قولكم أو اجهروا به) رقم 7526) . قال ابن حجر بعد أن ذكر هذا الحديث هكذا أطلقت عائشة وهو أعلم من أن يكون ذلك داخل الصلاة أو خارجها.. وذكر أنه يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة، (فتح الباري 8/504، 406) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (أياما تدعوا) يقول بشيء من أسماء الله يقول: بأي أسمائه تدعوا فله الأسماء الحسنى.
قوله تعالى (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا)
قال الشيخ الشنقيطي: أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لأن أمر القدوة أمر لأتباعه -كما قدمنا- أن يقولوا: الحمد لله أي كل ثناء جميل لائق لكماله وجلاله، ثابت له مبينا أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، سبحانه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا، فبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة كقوله (قل هو الله أحد) إلى آخر السورة، وقوله (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) وقوله (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) وقوله (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا) الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وبين في مواضع أخر: أنه لا شريك له في ملكه، أي ولا في عبادته كقوله (وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير) وقوله (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) وقوله (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) وقوله (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعنى قوله تعالى في هذه الآية (ولم يكن له ولي من الذل) يعني أنه لا يذل فيحتاج إلى ولي يعزبه لأنه هو العزيز القهار الذي كل شيء تحت قهره وقدرته كما بينه في مواضع كثيرة كقوله (والله غالب على أمره) الآية، وقوله (إن الله عزيز حكيم) .
وأخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (ولم يكن له ولي من الذل) يقول: لم يحالف أحدا، ولم يبتغ نصر أحد.