الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة
والآن - أخي القارئ - هذا أوان ختام هذه الصفحات، التي أردت بتسطيرها أن تكون لَبِنة في صرح الحقيقة المُرَّة، تلك الحقيقة التي ما انفكت تتلبس لأمتنا بلَبُوس خادع؛ وتتشكل لها في صور متعددة، وتتقرب إليها بأسماء محببَّة برَّاقة؛ فمَن من أهل الإنصاف لا يحث على تجسد الإبداع الإنساني الفذِّ بصورة (الفن) ؟! ومن منهم يجرؤ أن يستخف بإمكانات الشباب الواصلة بهم إلى مراتب النجوم؟! فهذا نحَّات مبدع، وآخر ممثل معجزة، وثالث مغن عندليب، وذاك شاعر عقمت النساء أن يلدن بمثله، وتلك مغنية تشدو بما يشبه رنيم الملائكة - بزعمهم -، وأخرى قد تسنَّمَتْ سُدَّة الإعلان المسموع والمرئي، فلم يَفُتْها الترويجُ لمنتَجُ، كما يسعى لاسترضاء خاطرها كلُّ منتِج، كل ذلك وغيره قد انحطّ على رؤوسنا سيلاً جارفًا باسم (الفن) !!
حقًا، لقد شوّه هؤلاء المتصدِّرون - زورًا - للفن، تلك المواهب التي أودعها الله الإنسانَ، فأعملوا فيها معاول الهدم، مستخفِّين بها، مستَخْفين دومًا بستار الحداثة والتجديد؛ ففي كل عَقْد من الزمن ثمة جيل جديد يتحتم عليه نبذ ما كان عليه آباؤهم من أثارة من علم أو بقية من فضيلة، حتى رأينا - بفضل هذا الفن المزعوم - أجيالاً من الشباب قد تعاقبت، لا همَّ لأحدهم سوى التنكر لكل ما كان قديمًا، ولو كان ذلك السابق الفضيلةَ بعينها أو الحكمة بروحها! فلا تلفى أحدَهم بعدها إلا متلقفًا لأخبار أهل
الفن، مستمسكًا بأهداب إنجازاتهم، متتبعًا لأقوالهم، متبنيًا فكرهم؛ فالفنان عنده هو المثال والقدوة، أفلم يُكرِمه المُكرِمون، ويُسبِغوا عليه أوصاف الكمال؟ فهو إذًا - ولا ريب - طيب السريرة، نيِّر الفكر، مرهف الإحساس، أضف إلى ذلك أنه مجلبة لكل مسرة وحبور؛ مفتَّحة له أبواب الثروة والوجاهة! فهل تعجب بعدها إذا رأيت جحافلَ من الشباب والشابات تهرع إلى سبيل الفن، تترسم خطى أهله، وتحاول جهدها اللحاق بركبهم؟ ثم إذا ما عجز أحدهم عن السمو إلى النجومية، هيؤوا له - على وجه العَجَل - «أكاديميات» استوردوها، تأخذ بيده لتدله على معالم الطريق، ولتذكي فيه روح التنافس لبلوغ نهايته وإحراز قصب السبق فيه، فما الذي يرتجيه زيادة على ذلك؟ لقد حيزت إليه فرصة العمر التي لا تتكرر، أما هم فهمُّهم يتجه وجهة مغايرة تماماً، فالمبتغى عندهم استغلال مواهب الشاب - ولو كانت غير ملفتة غالبًا - للتنافس مع أقرانه، ليتم بعدها امتصاص ما في جيوب المشجعين، وتحقيق أرباح خيالية قد لا يجنى مثلُها من أي مشروع آخر! وبذلك تخسر الأمة - مرة تلو أخرى - العنصر الأهم في مقومات نهضتها، إنها الفئة الشابة التي تقوم على كاهلها حضارات الأمم.
ونحن مع كوننا قد حاولنا في ثنايا هذا الكتاب تلمس بعض آثار هذا الفن، ورصد جزء من الجهود الهدامة المتخفية بستاره، وتسليط الضوء على عموم حال أهله، وتسجيل إعلان توبة بعضهم، إلا أنه لا مناص لنا من الاعتراف بأن هذا الجهد المتواضع قد اقتصر على تشخيص هذه الآفة؛ وذلك من وجهة نظري، كمتابع يملك أدوات التشخيص، حيث سجلت الواقع بدقائقه، لكن - ولكوني غير
مختص - فإنني لا أمتلك أدوات تكفل تحويل مسار هذا الواقع نحو المأمول منه، أو حتى التخطيط المختص لذلك، لكني على يقين من معرفتي لما يجب أن يكون عليه هذا المأمول الذي ينبغي أن نسعى جميعًا لتحقيقه، فأنا آمل أن يتصدى المتخصِّصون في مجال الفن لهذه المهمة، واضعين نصب أعينهم أن كل إنسان مسلم يريد أن يسمع ويشاهد ويطالع فنًا جميلاً ومبدعًا، ويكون هذا الفن - في الوقت ذاته - محافظًا ومبرزًا لمزايا وجوهرِ ما يدعو إليه ديننا الحنيف، وما نتمسك به من أخلاقيات سامية، وما نتمتع به من إرث حضاري وتاريخ مشرف ضارب في أعماق الزمن، هذا ما آمله من الفن، وهو عين ما ننتظر من المختصين العملَ على تحقيقه؛ بحيث يقصي من طريقه كل ألوان الهبوط والإسفاف المحيطة بنا.
هذا هو سبيل الإصلاح العملي الذي نراه، فإن واقع الفن وسيله الجارف لا ينتظر منا تشخيصًا وحسب، فهو يطالعنا في كل يوم، بل ربما في كل ساعة، ببدعة فيه مستجِدَّة، ترغِّب شبابنا وتستميل أهواءهم، حتى إن المرء ليحار بعدها متسائلاً: هل عَدِم شباب أمتنا هواية إلا صنوف الفن؟! فإذا ما أمعن الفكر وجد أن الأمر غير مقتصر على إظهار الهوايات ورعاية المواهب بغية إدخال المسرة على القلوب فحسب، لكن الفن في عصرنا قد تحول - جزمًا - إلى حِرفة منظمة تُدار بعناية فائقة، لا همّ لصانعيها سوى تثبيط الهمم وإفساد الأمم، فضلاً عن تكديس الثروات، ولو اتسعت لذلك الذِّمم! ولا شك بأن هؤلاء قد أتقنوا عمل ذلك، وحققوا كثيرًا مما سعَوا إليه، فكيف لنا - والحال هذه - أن نعمل على نقل هذا الفن من واقعه إلى ما يفترض به من دور رائد في صياغة توجهات الأمة، والعمل
على رفعة شأنها؟ إن الأمر يحتاج منا إلى تضافر جهود عملية، إضافة إلى كشف زيفه ومآرب صانعيه بوقع الكَلِم وحجة العلم؛ لذا، فإني أدعو القيمين على وسائل الإعلام في بعض المجتمعات الإسلامية لمزيد من إنصاف حضارة الإسلام، وذلك بمنح قيمه ومبادئه حيزًا كافياً فيما تتلقاه الأمة، وتتغذى به عقولها بل وقلوبها. لقد حرصت الأمم التي سادت في عصرنا على خصوصيات إعلام مجتمعاتهم، وعلى قدسية إرثهم الديني والفكري، فما المعيب - ونحن نقلدهم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة - أن نقتدي بهم أيضًا في المحافظة على ما عندنا كما حافظوا هم على ما عندهم؟!
أما أهل الفن، فلهم نقول: أنتم أعلم الناس بحالكم، ونحن نُكبِر في بعضكم الرجوع عن سبيل الغيِّ، لكن المأمول منكم أن تجدُّوا في ممارسة ما ينطبق عليه حقًا وصف «الفن» من رقي ومهارة، فتقدموا للأمة صناعة فن راق هادف، يحافظ على إرثها الحضاري، ويؤكد تميز قدراتها، ولْتَجْنوا بعد ذلك - مع منتجي أعمالكم - ما كُتِب لكم من رزق، فتكسبوا بذلك خيري الدنيا والآخرة.
كما أدعو رجالَ الأعمال الجادِّين في توجهاتهم إلى الكشف عن مخبوء كنز إدارة الأعمال الفنية؛ وذلك بتبني مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وتكون - في الوقت نفسه - مؤطرة بإطار القيم الإسلامية، يحولون فيها درب هذا النتاج الغث اللَّفاء إلى نتاج إنساني راق هادف، ويضيقون بذلك السبيلَ أمام أولئك المتربصين بالأمة المستخِفِّين بإمكاناتها والمستنفدين لخيراتها، والمستَخْفين بستار خادع واهٍ يسمونه فنًا، يحاولون من ورائه دك حصونها الدينية
والفكرية، وإن لكم - يا رجال الأعمال - قدوة بما شهده عالم البث الفضائي مؤخراً من قنوات قدمت برامج هادفة وأعمالاً فنية راقية، لاقت استحسانًا منقطع النظير لدى عموم شرائح المجتمعات الإسلامية.
هذا، ولا يفوتني - في هذا المقام - أن أناشد الأسرة الإسلامية في مجتمعاتنا لتمارس دورًا فاعلاً في حسن الرعاية لأبنائها، ولتحافظ على حقها في تحصين النشء المسلم من سهام التغريب، ومعاول الإلحاد والتهويد، وألاّ تدع أفلاذ أكبادها فريسة سائغة للأفكار الهدامة الغريبة على مجتمعاتنا، بل تكون لهم عونًا على فهم الواقع من حولهم على أساس من هدي الإسلام القويم.
وإن مما يجدر ذكره - ختامًا - أن هذا البحث الذي جاء مختصًا بجانب الفن التمثيلي، والذي تم التركيز فيه على بيان واقع أهل هذا الفن، ما هو إلا لَبِنَة تؤسس لأمرين، أولهما: ضرورة أن يستكمل أهل الاختصاص من الباحثين دراسة سائر جوانب الأعمال الفنية، فهي لا تقل أهمية - بحالٍ - عن جانب التمثيل، والآخر: أن تكون هذه الدراسة حافزًا يفتح الباب أمام الجادين المختصين من: أهل الإعلام، وأهل المسرح، وكُتَّاب الأعمال الفنية، لإجراء دراسات نظرية، بل وميدانية؛ يتم التواصل فيها مع القيمين على وسائل الإعلام، وكذلك العاملين في الحقل الفني؛ منتجين، ومخرجين، بل وفنانين في شتى المجالات، وذلك بغرض إحداث نقلة عملية نوعية في مسار تلك الأعمال الفنية، لتكون هادفة ترقى إلى مستوى (الفن) ، وتحقق المأمول منها في المحافظة على إرث الأمة الحضاري، وخدمة أبنائها، والضنِّ بهم عن محاولات التزييف والإفساد.
أسأل الله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل النفع، وأن يُبرم لهذه الأمة أمر رَشَد يُعَزّ فيه أهل طاعته، ويُذَلّ فيه أهل معصيته، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.