الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إثارة، فتراه إذا مرّ بمواقف الغضب أظهر الغضب على طريقة الفنان أو الفنانة، فينثر شعره أو يكسر مرآة بيته أو يمزق ملابسه أو يرمي بكتابه بعيداً على الأرض، وإذا حزن أو خاف أو أحب أو أبغض
…
قلّد في ذلك كلِّه انفعالاتِهم، وقد يؤدي دورهم تماماً، وكأنه لا يعيش الواقع وإنما يعيش التمثيل فيتقمّص شخصياتهم الانفعالية، وقد يستمر هذا التقليد الانفعالي ليكون سمة بارزة ثابتة في شخصية الناشئ، وقد تكون هذه الانفعالات مخالفةً للآداب والعادات، وقد تكون أيضاً مخالفة للشرع المطهّر وتعاليمه، وعندها يكون الفن قد غرس نبتة مُرّة في أرض خصبة، في حين أن الإسلام علّمنا كيف نملك أنفسنا عند المشاعر المختلفة من حزنٍ أو فرح، أو حبٍ أو بغض أو غير ذلك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من كظم غيظاً وهو يستطيع أن يُنفِّذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره في أيّ الحور شاء» (1) . ويعلمنا عليه الصلاة والسلام أن الغضب لا يكون إلا إذا انتُهكت لله حرمةٌ، وقد كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس غضباً لذلك، فأين أهل الفن من هذه التعاليم النبوية السامية؟! هلاّ علّموها الناشئة من خلال أعمالهم حتى تتكون لديهم انفعالات مهذّبة تدل على الرصانة والخلق الكريم.
ب - التقليد اللفظي:
هذا النوع من التقليد هو الأكثر لصوقاً بالناشئة، فقد يردد بعضهم مع الممثل العبارات والكلمات المناسبة وغير المناسبة، وهذه الألفاظ قد تدخل معجم الناشئ اللغوي فتصبح جزءاً لا يتجزأ
(1) أخرجه الترمذي؛ كتاب: أبواب صفة القيامة، باب فيه أربعة أحاديث
…
، برقم (2493)، عن أنس رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
من شخصيته اللغوية المتلفَّظة، ولو لحين، لذلك يحرص المعنيون بشؤون التعليم لدى الأطفال على استخدام اللغة العربية الفصحى، بمفرداتها البسيطة المحببّة إليهم، وذلك لتحبيب المعلومة إليهم، وتقريب فهمها لديهم.
إن المقدار الهائل من الأفلام والمسلسلات وتنوّع ثقافات الفنّانين وبيئاتهم، كل تلك العوامل قد تصيب الناشئ باضطرابات لفظية سببها البعد عن الفصحى والإفراط في العامّيّة بأنواعها، وهذا لا يثري ملكة الناشئ اللفظية بل يزيد بالضرورة من تعثر نموه اللغوي، ويؤثر سلباً على الثروة اللغوية لديه، بالمقابل فإن الاهتمام البالغ المفترض بلغة القرآن، وهي اللغة الأم التي تفهمها كل الشعوب المسلمة هو الطريق الأمثل والأقرب للإثراء اللغوي ولتثبيت التربية السليمة لدى الناشئة في آن. وقد يكون - بعمد أو بغير عمد - التركيز على اللهجات العامية سبباً رئيساً لإبعاد الناشئة عن لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومن ثَم إبعادهم - بهذا التجهيل بالعربية الفصحى - عن دينهم.
وقد ترى بعض الناشئة يحتارون في فهم جملة رُكّبت كلماتها من الفصحى - حتى المبسطة منها - وقد لا يدركون معانيها إلا بالشرح والتقريب وضرب الأمثلة.
وبعضهم الآخر إذا طلبت منه التعبير عن فكرة ما باللغة العربية الميسرة تراه قد تعثر، لضحالة المفردات والتراكيب اللغوية لديه، بل قد تجد منهم من يسخر من تلميذ نابغةٍ فَرِحٍ باعتماده اللغة الفصحى في جميع الأحيان، يسخرون منه لينثني بسرعة إلى ما أَلِفُوه من لهجات عامية روّجها أهل الفن، وهؤلاء لو تحدث أحدهم الفصحى
- في مشهد تمثيلي - تراه يلوي لسانه ويفتح شدقَيْه ويفغر فاه موحياً بذلك لسامعيه بأن هذه اللغة العظمى قد علاها غبار الزمن، وعفا عليها ولم تعد متناسبة وحضارة العصر.
فهل - بعد ذلك كله - يكون الفن قد أدى دوره في بناء شخصيّة الناشئ اللفظية من خلال اللغة العربية الأم؟!
إنه - إنصافاً - لم يفعل ذلك إلا نادراً وفي بعض المسلسلات التاريخية، فالقائمون على الفن لا يهمّهم الرقيّ بالمشاهد وتنمية قدراته الفكرية والسلوكية، وإنما الذي يعنيهم بالمقام الأول، هو تحقيق الإثراء من خلال تقديم التسلية والفكاهة، ولو كان ذلك على حساب المستوى الثقافي للأمة.
تقول إحدى المربيات: " أشعر أن 50% مما يقدمه التلفاز ليس من صالح المتلقين، وذلك بغض النظر عن فئاتهم، كما أشعر بضرورة إعادة العمل من قبل منتجي البرامج ومن يبتاعونها منهم، لإيجاد البدائل الفضلى لنوعية البرامج والمسلسلات.... إن أطفالي يستخدمون ويرددون بعض الألفاظ والمصطلحات المكتسبة من التلفاز، سواء أكانت مناسبة أم غير مناسبة"(1) .
لذا فإن الاعتقاد السائد لدى عامة الناس بأن كل ما يقدمه الفنانون هو ذو قيمة أدبية أو علمية أو اجتماعية، أمر غير مسلّم به، بل على النقيض من ذلك، فإن غالب ما يقدّمونه مسيء للقيم، بل إنك قد تجد- أحياناً- ألفاظاً تخدش الحياء، عند انفعال الممثل غضباً أو حزناً أو فرحاً.
(1) مجلة الشريعة العدد 281.