الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حسب ما يسر الله له ويفيض عليه ويظهرها منه ويحكمها عليه ومن كان شأنه هذا وامره هكذا كان فانيا في الله باقيا ببقائه مستغرقا بمطالعة لقائه فلا بد وان يكون صادقا صدوقا هاديا مهديا مترصدا منتظرا في طريق الحق مترقبا للوحى والإلهام الإلهي مستنشقا من نسمات نفسات الرحمن متعرضا لنفحات الروح والريحان من رياض الجنان متشوقا الى لقاء الحنان منسلخا عن لوازم الناسوت منجذبا نحو فضاء اللاهوت فجرى عليه عموم ما جرى على وفق التسليم والرضاء بجميع ما قد ثبت له في لوح القضاء لذلك اخبر سبحانه عن استغراق حبيبه صلى الله عليه وسلم وانجذابه بالمرة نحو مبدئه واتصاله بعالم اللاهوت وحضرة الرحموت بعد كمال انخلاعه عن كسوة عالم الناسوت واقسم سبحانه بما اقسم تأييدا لأمره وتعظيما لشأنه فقال بعد ما تيمن باسمه العلى الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا على حبيبه صلى الله عليه وسلم الرَّحْمنِ بعموم عباده بإظهار مرتبته صلى الله عليه وسلم فيما بينهم الرَّحِيمِ لخواصهم المهتدين بهدايته وإرشاده صلى الله عليه وسلم حيث يوصلهم الى مرتبة حق اليقين
[الآيات]
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى يعنى وبحق الجذبات العلية الإلهية المتشعشعة اللامعة كالنجوم الثواقب الهوية والخطفات القوية النازلة لقلوب ارباب الارادة الصافية والعزيمة الخالصة المختلفة لهم من قبل عالم اللاهوت ليهتدوا بها في ظلمات التعينات الى فضاء الوحدة الذاتية وشمس الحقيقة الحقية
ما ضَلَّ اى ما انحرف وما عدل صاحِبُكُمْ يعنى رسولكم المؤيد من عند الله المستوي على صراط العدالة الإلهية عن طريق التوحيد والتحقيق وَما غَوى اى ما ضل وما انصرف في سلوك سبيل الله نحو الباطل الزاهق الزائغ
وَما يَنْطِقُ وما يتكلم ويتفوه بالقرآن المعجز عَنِ الْهَوى الناشئ من ظلمات الطبيعة والهيولى بل
إِنْ هُوَ اى وما القرآن الذي ينزل اليه صلى الله عليه وسلم ويتكلم هو صلى الله عليه وسلم به إِلَّا وَحْيٌ يُوحى اليه من عند ربه بلا تصنع له فيه وتكلف من جانبه بل قد
عَلَّمَهُ عناية به وتكريما له وتأييدا لشأنه صلى الله عليه وسلم وتعظيما له شَدِيدُ الْقُوى اى الحق الذي لا حول ولا قوة في الوجود الا منه وبه وله إذ لا موجود غيره ولا اله سواه وهو سبحانه
ذُو مِرَّةٍ قوة كاملة وقدرة شاملة ذاتية محيطة لعموم ما ظهر وبطن من المظاهر والمجالى وبعد تعليم الحق له وتقويته وتأييده إياه صلى الله عليه وسلم فَاسْتَوى واعتدل صلى الله عليه وسلم على صراط العدالة وتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة الإلهية
وَهُوَ من كمال تربية الحق وتأييده إياه قد تمكن واستعلى بِالْأُفُقِ الْأَعْلى الذي هو أفق عالم اللاهوت ومطلع شمس الذات الاحدية من مشرق عالم العماء الذي هو نور على نور وحضور في حضور لا يطرأ عليه افول ودبور وغروب وغبور
ثُمَّ دَنا وتقرب صلى الله عليه وسلم الى ربه فَتَدَلَّى ولحق وتعلق صلى الله عليه وسلم به سبحانه نوع تعلق وتحقق الى حيث تحقق
فَكانَ قرب ما بينهما قابَ قَوْسَيْنِ اى مقدار قوسي الوجوب والإمكان الحافظين لمرتبتى الربوبية والعبودية أَوْ أَدْنى واقرب منهما لفناء حصة الناسوت مطلقا في حصة اللاهوت وبقائها ببقاء حضرة الرحموت وبعد ما صار صلى الله عليه وسلم ما صار وقرب الى حيث قرب
فَأَوْحى
والهم سبحانه إِلى عَبْدِهِ
صلى الله عليه وسلم الذي هو سبحانه اقرب اليه من نفسه ما أَوْحى
من المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات اللدنية الفائضة عليه من لدنه سبحانه الخارجة عن طور ناسوته وطوق بشريته مطلقا فرأى صلى الله عليه وسلم حينئذ ما رأى وانكشف ووجد ما وجد وذاق ما ذاق وبالجملة
ما كَذَبَ
الْفُؤادُ
اى فؤاده صلى الله عليه وسلم الذي هو من مقتضيات عالم اللاهوت المتمكن في قلوب ذوى العناية واولى الألباب على وجه الوديعة من قبل الحق ما رَأى وشهد حين وصوله ولحوقه بالأفق الأعلى اللاهوتى
أَتنكرون انكشافه وشهوده صلى الله عليه وسلم ايها المحجوبون المحرومون عن وجد الوجود وذوق الشهود فَتُمارُونَهُ وتجادلون معه على سبيل المكابرة والمراء عَلى ما يَرى يعلم وينكشف له من الذوقيات والوجدانيات التي قد تأبى عنها عقولكم وتعمى بصائركم وأبصاركم ولا يمكن القاؤها وكشفنا إياها لكم وكيف تنكرون وتستبعدون منه صلى الله عليه وسلم أمثال هذا
وَالله لَقَدْ رَآهُ ما رأى من الشهودات التي تدهش منها عقول العقلاء وتتحير عندها اوهامهم وخيالاتهم نَزْلَةً أُخْرى مرة قبل عروجه ووصوله الى الأفق الأعلى والمقام الأدنى الذي هو اليقين الحقي وتلك النزلة الاخرى والوقعة العظمى
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى التي ينتهى إليها ودونها اليقين العلمي والعيني إذ
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى التي يأوى إليها ارباب العناية شوقا الى لقاء الله ألا وهو موعد الرؤية والعيان ومقام التوحيد والعرفان الموعود على اهل العيان عند الحق المنان
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ المعهودة اى يغطى الموعد الموعود ويحيط به ما يَغْشى ويستر من السبحات الجلالية ومن التجليات الإلهية المتشعشعة حسب الشئون المتجددة المحيرة للعيون النواظر من ارباب المحبة والولاء الوالهين بمطالعة وجه الله الكريم وبالجملة
ما زاغَ الْبَصَرُ اى ما مال وما انحرف بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تعاقب التجليات الإلهية وترادف شئوناته الغيبية وتجدد تطوراته الجمالية والجلالية وتشعشع شمس ذاته حسب أسمائه وصفاته العلية عن شهود وحدة ذاته ولم يشغله صلى الله عليه وسلم شيء منها عن استغراقه صلى الله عليه وسلم بمطالعة وجه الله الكريم وَما طَغى وما مال وما انحرف بصره وقت رؤيته ونظره او ما خرج نفسه صلى الله عليه وسلم عند رؤية ما رأى من العجائب عن ربقة الرقية وعروة المربوبية أصلا بل قد التزم وتمكن حينئذ بقيام ما لزم من آداب العبودية ولوازم الإطاعة والانقياد اكثر مما التزمها قبل انكشافه والله
لَقَدْ رَأى صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى التي هي من آيات ربه الذي رباه على رؤية آياته الكبرى ما لا يراه احد من المكاشفين ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل من بنى نوعه
أَتنكرون ايها الجاهلون الجاحدون بوحدة الحق عز شأنه وجل برهانه وبانكشاف حبيبه صلى الله عليه وسلم بوحدته وبلوازم ألوهيته وربوبيته وبرسالته من عنده سبحانه الى عموم بريته وكافة خليقته ليرشدهم الى الايمان بالله والى توحيده فَرَأَيْتُمُ أثبتم وأخذتم الأصنام العاطلة الباطلة شركاء لله مشاركين معه في ألوهيته وربوبيته يعنى الاولى اللَّاتَ والثانية الْعُزَّى
وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى مع ان هؤلاء الهلكى ما هي الا جمادات لا شعور لها ولا يصدر شيء منها وأعظم من ذلك انكم قد أثبتم له سبحانه الأولاد بل أخسها وأدونها
أَلَكُمُ الذَّكَرُ الأشرف الأكرم ايها الحمقى العمى المفرطون وَلَهُ سبحانه مع كمال تنزهه عن نقيصة اتخاذ الولد المترتب على القوة الشهوية الْأُنْثى المرذولة المستهجنة عندكم والله
تِلْكَ القسمة التي قد جئتم بها أنتم مع استحالتها في حقه سبحانه إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى اى فلو فرض في شأنه سبحانه على سبيل فرض المحال الأولاد لكانت قسمتكم هذه قسمة عوجاء جائرة مائلة عن العدالة منحرفة عن جادة الاعتدال إذ أنتم ايها الحمقى تستنكفون عن الأنثى وتثبتونها لله المنزه عن الأهل والولد المقدس عن مطلق امارات الحدوث وعلامات النقصان وبالجملة
إِنْ هِيَ
اى ما آلهتكم التي أنتم اثبتموها واعتقدتم شركتها مع الله إِلَّا أَسْماءٌ اى ما هي في أنفسها الا اسماء لا مسميات لها أصلا بل قد سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ تبعا وَآباؤُكُمْ اصالة من تلقاء انفسكم إذ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ برهان واضح وحجة قاطعة بل إِنْ يَتَّبِعُونَ اى ما يتبع سلافكم الحمقى إِلَّا الظَّنَّ والخيال الناشئ من اوهامهم وأحلامهم السخيفة أمثالكم ايها الأخلاف الحمقى الجاهلون وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ اى ما يتبعون الا ما تهويه وتشتهيه نفوسهم أمثالكم وَمع ذلك لَقَدْ جاءَهُمْ ونزل عليهم ايضا على ألسنة رسلهم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى الموصل الى مرتبة التوحيد فتركوه ظلما وعدوانا ولم يتبعوه أمثالكم ايها الحمقى أتطمعون الشفاعة من تلك الهياكل الهلكى وتأملون معاونتهم ومظاهرتهم إياكم ايها الجاهلون المائلون المنحرفون عن مقتضى العقل الفطري المفاض لكم من المبدأ الفياض
أَمْ تعتقدون وتظنون ان يحصل لِلْإِنْسانِ عموم ما تَمَنَّى وأمل من اللذات والشهوات المأمولة كلا وحاشا بل
فَلِلَّهِ وفي قبضة قدرته وتحت تصرفه الْآخِرَةُ وَالْأُولى اى عموم ما جرى في النشأة الاولى والاخرى من الكرامات يمن بها عن من يشاء ويصرفها عن من يشاء ارادة واختيارا لا يحكم عليه ولا ينازع في سلطانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يزيد وانه سبحانه في ذاته حكيم حميد مريد مجيد.
ثم قال سبحانه تسجيلا على غاية غباوتهم ونهاية بلادتهم وحماقتهم في اتخاذهم الأصنام آلهة واعتقادهم شفعاء
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ اى كثيرا من الملائكة المقبولين عند الله المهيمين بمطالعة وجهه الكريم وهم مع ذلك القرب والشرف لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من الإغناء عند الله لكمال استغنائه وغنائه سبحانه عن العالم وما فيه إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لهم ان يشفعوا عنده سبحانه لِمَنْ يَشاءُ سبحانه خلاصهم من عباده وَيَرْضى بشفاعة أولئك الشفعاء عنده سبحانه لاستخلاص بعض العباد باذن منه سبحانه وهؤلاء الحمقى يدعون الشفاعة لأولئك الهلكى ويعتقدونها آلهة متشاركين مع الله في الألوهية والربوبية ظلما وعدوانا بلا حجة وبرهان ومن غاية عدوانهم ونهاية غيهم وطغيانهم يهينون الملائكة المقربين ويستحقرونهم حيث ينسبونهم الى الأنوثة المستلزمة لغاية النقصان وبالجملة
إِنَّ المفسدين المسرفين المفرطين الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وبعموم ما جرى فيها من تنقيد الأعمال والحساب عنها والجزاء عليها لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ المنزهين عن سمات النقص مطلقا اى كل واحد منهم ظلما وزورا تَسْمِيَةَ الْأُنْثى يسمونهم بنات الله ظلما على الله بإثبات الولد له وعليهم بنسبة نقص الأنوثة إياهم
وَالحال انه ما لَهُمْ بِهِ اى بتسميتهم وقولهم هذا مِنْ عِلْمٍ لا يقيني ولا ظني ولا مستند من عقل او نقل بل إِنْ يَتَّبِعُونَ وما يستندون ويتكؤن في قولهم هذا إِلَّا الظَّنَّ والتخمين الناشئ من تقليد آبائهم المنسوبين الى الجهل والعناد أمثالهم وَبالجملة إِنَّ الظَّنَّ والتخمين المستند الى الجهل والتقليد لا يُغْنِي ولا يفيد مِنَ الْحَقِّ الصريح الحقيق بالاتباع شَيْئاً من الإغناء والإفادة وبعد ما سمعت حالهم وقولهم
فَأَعْرِضْ أنت يا أكمل الرسل وانصرف بنفسك عَنْ مَنْ تَوَلَّى واعرض وانصرف عَنْ ذِكْرِنا الصائن الصارف له عن أمثال هذه الهذيانات الباطلة ولا تبال بشأنه ولا تبالغ في دعوته وإرشاده وَكيف لا وهو من غاية اعراضه وانصرافه عن الحق واهله لَمْ يُرِدْ لم يختر من السعادات المنتظرة والكرامات الموعودة المعدة للإنسان إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ولذاتها وشهواتها ولم يهتم الا بشأنها واقتصر على جميع حطامها ومزخرفاتها مع كمال غفلة وانكار وذهول تام ونسيان متناه عن الكرامات الروحانية واللذات الاخروية
ذلِكَ
الذي سمعت يا أكمل الرسل من ميلهم الى الدنيا والتفاتهم نحوها مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ والشعور المودع فيهم المتشعب من العلم اللدني الفائض عليهم من حضرة العلم الإلهي وبالجملة عليك يا أكمل الرسل ان تعرض عنهم وعن دعوتهم وإرشادهم بعد ما امرتهم به حسب العقل المفاض لهم وبالغت في تبليغهم وإرشادهم فلم يهتدوا إِنَّ رَبَّكَ الذي رباك بكمال الكرامة واصطفاك للرسالة والنيابة هُوَ أَعْلَمُ بعلمه الحضوري منك بِمَنْ ضَلَّ وانحرف عَنْ سَبِيلِهِ من عباده وبمن مال عن جادة توحيده وَهُوَ أَعْلَمُ ايضا بِمَنِ اهْتَدى منهم بهدايتك وارشادك
وَكيف لا يعلم سبحانه الضالين والمضلين والهادين والمهتدين من عباده إذ لِلَّهِ خاصة ملكا وتصرفا وخلقا وإيجادا احاطة وشمولا مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وكذا في ما بينهما من الكوائن والفواسد الكائنة لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بأعمالهم وأقوالهم بِما عَمِلُوا اى بمقتضى عدله سبحانه بلا زيادة ونقصان وَيَجْزِيَ ايضا الَّذِينَ أَحْسَنُوا ايضا كذلك بِالْحُسْنَى وزاد عليهم فوق ما استحقوا بصوالح أعمالهم ومحاسن أخلاقهم وأحوالهم تفضلا عليهم وامتنانا إليهم والمحسنون هم
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ اى يحترزون عن الآثام الكبيرة المستجلبة لغضب الله المستتبعة لعذابه ونكاله في النشأة الاخرى والمستلزمة المقتضية للحدود والكفارات بحسب الشرع الشريف في النشأة الاولى وَالْفَواحِشَ اى يحفظون ايضا نفوسهم عن الفواحش المسقطة للمروة الجالبة لانواع النكبات والوعيدات الهائلة الإلهية المقتضية للخلود في دركات النيران إِلَّا اللَّمَمَ الطارئ عليهم من الصغائر بغتة فجبروه بالتوبة دفعة فانه معفو عن مجتنبى الكبائر والفواحش قبل التوبة ايضا وكيف لا يغفر سبحانه لأصحاب اللمم لممهم إِنَّ رَبَّكَ يا أكمل الرسل واسِعُ الْمَغْفِرَةِ سريع العفو شامل الرحمة هُوَ سبحانه أَعْلَمُ بِكُمْ منكم وبعموم أحوالكم واطواركم ايها المجبولون على فطرة التكليف وكيف لا يعلم سبحانه أحوالكم إِذْ هو سبحانه قد أَنْشَأَكُمْ وأظهركم مِنَ الْأَرْضِ بمقتضى سعة فضله وجوده وَرباكم بأنواع التربية وقت إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ لا شعور لكم محبوسون فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ وبالجملة يعلم منكم سبحانه جميع أحوالكم واطواركم وعموم حوائجكم الماضية والآتية فَلا تُزَكُّوا اى فعليكم ان لا تنزهوا ولا تطهروا أَنْفُسَكُمْ إذ لا علم لكم بتفاصيل أحوالكم وأعمالكم مطلقا بل هُوَ سبحانه أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى منكم وحفظ نفسه عن محارمه ومساخطه سبحانه واحترز عن منهياته. ثم قال سبحانه عبرة على المستبصرين وتوبيخا على المستكبرين
أَفَرَأَيْتَ ايها المعتبر الرائي الطاغي الباغي الَّذِي تَوَلَّى وانصرف عن اتباع الحق بعد ما آمن واسلم وأصر على اتباع الباطل عنادا ومكابرة بعد ما نوى ووعد التصدق من ماله وقت إيمانه وإسلامه ليكون كفارة لذنوبه
وَأَعْطى قَلِيلًا منه رياء وسمعة وَأَكْدى اى قطع عطاء الباقي بعد ذلك وما وفي جميع ما وعد ونذر ثم ارتد والعياذ بالله وندم على شيء قليل تصدق ايضا فأصر على ما كان عليه من الكفر والجحود ومع ذلك الردة والرجعة زعم انه برئ من الذنوب بتصدقه. نزلت في الوليد بن المغيرة كان يتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض المشركين وقال تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال أخشى عذاب الله فضمن القائل ان يتحمل عنه العذاب ان أعطاه بعض ماله وبعد ما سمع من القائل شرط العطاء فارتد والعياذ بالله عن الدين ومتابعة الرسول الأمين فاعطى بعض المشروط رياء وسمعة ثم بخل بالباقي ولم يتمه ومع ذلك كان يزعم البراءة من الذنوب لذلك عيره سبحانه
بقوله
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى بان التصدق او تحمل الغير وتضمنه يدفع عنه العذاب
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ ولم يخبر بِما فِي صُحُفِ مُوسى وهي ألواح التوراة المنصوص فيها خلاف ذلك
وَكذا لم ينبأ ايضا بما في صحف إِبْراهِيمَ الَّذِي يدعى متابعته بل وراثته والتدين بدينه مع ان الخليل صلوات الله عليه وسلامه هو الذي وَفَّى ووفر وأتم جميع ما التزمه أوامر به وبالغ في وفاء عموم ما عهد والتزم طلبا لمرضاة الله والمدعى الكاذب يدعى متابعته ولم يوف بما التزم من العهود وكيف يحمل الغير عنه الوزر او يسقط بالتصدق مع ان مضمون ما في الصحفين هو
أَلَّا تَزِرُ اى انه لا تحمل نفس وازِرَةٌ آثمة وِزْرَ نفس وازرة آثمة أُخْرى وذنبها ولا تؤاخذ هي عليها بل كل نفس من النفوس الخيرة والشريرة رهينة بما كسبت ان خيرا فخير وان شرا فشر
وَكذا منصوص في الصحفين المذكورين أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ المجبول على فطرة العرفان اى لكل واحد من اشخاصه إِلَّا ما سَعى واقترف لنفسه وأعد لمعاشه ومعاده
وَكذا قد ثبت فيهما أَنَّ سَعْيَهُ اى سعى كل واحد من افراد الإنسان خيرا كان او شرا سَوْفَ يُرى في النشأة الاخرى مصورة بالصورة الحسنة او القبيحة بمقتضى الدرجات العلية الجنانية او الدركات الهوية النيرانية
ثُمَّ بعد ما حوسب عليه عموم مساعيه يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى اى يوفر عليه من الجزاء على مقتضى سعيه في صالحات اعماله مع زيادة عليها تفضلا منه سبحانه ويجزى على فاسداتها جزاء مثلها سواء معها عدلا منه سبحانه
وَايضا قد ثبت فيهما أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى اى منتهى الكل اليه كما ان مبدأه منه إذ ليس وراءه مرمى ومنتهى
وَايضا منصوص فيهما أَنَّهُ سبحانه هُوَ أَضْحَكَ من اضحك وَكذا أَبْكى من ابكى
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا إذ لا قادر عليهما سواه ولا اله غيره
وَأَنَّهُ سبحانه من كمال قدرته ووفور حكمته خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ المزدوجين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى من كل صنف ونوع وجنس وقدر وجود الزوجين
مِنْ نُطْفَةٍ مهينة مرذولة حاصلة منهما وقت إِذا تُمْنى اى تصب وتراق من كلا الجانبين في الرحم على وجه الدفق ويقدر ويخلق منها الولد
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى اى عليه سبحانه اعادة الأموات احياء في النشأة الاخرى كما ان عليه الإبداء والإبداع في النشأة الاولى
وَأَنَّهُ سبحانه هُوَ بذاته لا بسبب الوسائل والوسائط العادية إذ الكل يرجع اليه حقيقة أَغْنى عموم ما اغنى بإعطاء الأموال له وبسط الأرزاق عليه وَكذا أَقْنى سبحانه ايضا عموم من اقنى بالهام القنية والحفظ والادخار عليه وانما فعل سبحانه معهم ما فعل من الإغناء والإقناء ليشكروا له ولا يشركوا معه غيره ولا يعبدوا سواه ومع ذلك لم يشكروا له بل أشركوا معه فعبدوا الشعرى
وَلا شك أَنَّهُ سبحانه هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وهي كواكب قد عبدها بعض الصابئين منهم ابو كبشة احد أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك يكنى بكنيته
وَأَنَّهُ سبحانه بمقتضى قهره وقدرته قد أَهْلَكَ عاداً الْأُولى لشركهم بالله وخروجهم عن مقتضيات حدوده وصفهم بالأولى لأنهم أول قوم قد اهلكهم الله بعد إهلاك قوم نوح
وَانه سبحانه قد أهلك ايضا ثَمُودَ فَما أَبْقى أحدا من كلا الفريقين
وَقد أهلك ايضا بمقتضى قدرته الكاملة قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ اى قبل إهلاك المذكورين إِنَّهُمْ اى قوم نوح كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى اى اظلم الناس على الله وعلى اهله واطغاهم وأغواهم عن سبيل الهداية والرشد
وَانه سبحانه قد أهلك الْمُؤْتَفِكَةَ اى أهلك القرى المنقلبة