المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌608 - (1) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد والحكم بالظاهر واللحن بالحجة - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ١٩

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب: الأقضية

- ‌608 - (1) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد والحكم بالظاهر واللحن بالحجة

- ‌609 - (2) باب الحكم على الغائب والاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة وأجر في الخطأ

- ‌610 - (3) باب لا يقضي الفاضي وهو على حال يشوش فكره ورد المحدثات ومن خير الشهود واختلاف المجتهدين وإصلاح الحاكم بين الخصمين

- ‌ أبواب اللقطة

- ‌611 - (4) باب أحكام اللقطة والضوال والاستظهار في التعريف بزيادة على السنة إذا ارتجى ربها

- ‌612 - (5) باب النهي عن لقطة الحاج وعن أن يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه والأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها

- ‌613 - (6) باب الأمر بالمواساة بفضول الأموال واستحباب خلط الأزواد إذا قلت

- ‌ كتاب: الجهاد والسير

- ‌(614) (7) باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة وتأمير الإمام الأمراء على البعوث والوصية لهم

- ‌615 - (8) باب الأمر بالتيسير وتحريم الغدر

- ‌616 - (9) باب جواز الخداع في الحرب وكراهة تمني لقاء العدو واستحباب دعاء النصر عند لقاء العدو

- ‌617 - (10) باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب وجواز قتلهن في البيات وجواز قطع أشجارهم وتحريقها

- ‌618 - (11) باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة وحكم الأنفال واستحقاق القاتل السلب

- ‌619 - (12) باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى وحكم الفيء وقوله صلى الله عليه وسلم: لا نورث ما تركنا فهو صدقة

- ‌620 - (13) باب بيان كيفية قسم الغنيمة بين الحاضرين والإمداد بالملائكة وجواز ربط الأسير والمن عليه

- ‌621 - (14) باب إجلاء اليهود من الحجاز وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وجواز قتل من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل

- ‌مسألة القيام للقادم

- ‌622 - (15) باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين ورد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم وجواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب

- ‌623 - (16) باب كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام وكتابه إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل

- ‌624 - (17) باب في غزوة حنين وغزوة الطائف وغزوة بدر

- ‌625 - (18) باب فتح مكة وإزالة الأصنام من حول الكعبة وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يقتل قرشي صبرًا بعد الفتح

- ‌626 - (19) باب صلح الحديبية والوفاء بالعهد

- ‌627 - (20) باب غزوة الأحزاب وغزوة أحد واشتداد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌628 - (21) باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين وصبره على ذلك ودعائهم للتوحيد

- ‌629 - (22) باب قتل أبي جهل وقتل كعب بن الأشرف وغزوة خيبر وغزوة الأحزاب

- ‌630 - (23) باب غزوة ذي قرد وصلح الحديبية وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ} الآية

- ‌631 - (24) باب غزوة النساء مع الرجال والرضخ للنساء الغازيات والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب

- ‌632 - (25) باب عدد غزوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وغزوة ذات الرقاع وكراهة الاستعانة بالكافر في الغزو

- ‌ كتاب الإمارة

- ‌633 - (26) باب اشتراط نسب قريش في الخلافة وجواز ترك الاستخلاف

الفصل: ‌608 - (1) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد والحكم بالظاهر واللحن بالحجة

‌608 - (1) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد والحكم بالظاهر واللحن بالحجة

4336 -

(1655)(1) حدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال:"لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالهُمْ. وَلكِن الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيهِ"

ــ

608 -

(1) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد والحكم بالظاهر واللحن بالحجة

4336 -

(1655)(1)(حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح) المصري (أخبرنا ابن وهب عن ابن جريج عن) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي ثقة، من (3) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعطى) بالبناء للمجهول ومفعوله الثاني محذوف تقديره ولو أعطي (الناس) ما يدعونه.

(بـ) ـمجرد (دعواهم) بلا إقامة بينة قال الأبي في شرحه [5/ 4] الدعوى قول لو سلم أوجب لقائله حقًّا قال القاضي والحديث أصل من أصول الأحكام عند التنازع أن لا يحكم لأحد بدعواه في أي شيء كانت الدعوى قليل أو كثير أي رجل كان المدعي شريفًا أو وضيعًا حتَّى يستند إلى ما يقوي دعواه لأن الدعاوي متكافئة والأصل براءة الذمم اهـ وقوله: (لادعى) جواب لو الشرطية أي لادعى (ناس) من الظلمة (دماء رجال) آخرين (وأموالهم) ظلمًا وجورًا قال المازري: لا شك في هذا إذ لو كان القول قول المدعي استبيحت الأموال والدماء ولم يقدر أحد على صون ماله ودمه وأما المدعون فيمكن صون أموالهم بالبينة (ولكن اليمين) على نفي ما يدعيه المدعي (على المدعى عليه وضابط المدعي بكسر العين هو من يخالف قولُه الظاهر والمدعى عليه بفتحها هو من يوافق قولُه الظاهر لأن الظاهر كون المال لصاحب اليد قال المازري: المدعى عليه من طابقت دعواه الأصل الَّذي هو عدم الفعل والمعاملة وكان القياس قبول دعواه دون يمين لتمسكه بهذا الأصل لكن لم يقتصر الشرع على الثقة بهذا الأصل في كثير من الدعاوي حتَّى أضاف إليه يمين المدعى عليه ليقوى الظن في صدقه اهـ وقال القرطبي: المدعي هو الطالب والمدعى عليه هو المطلوب اهـ.

ص: 10

4337 -

(00)(00) وحدَّثنا أبُو بَكْرٍ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ نَافِعٍ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيكَةَ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ؛ أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيهِ

ــ

قال النووي: هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع ففيه أنَّه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه لأنه لو كان أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه وأما المدعي فيمكنه صيانتها بالبينة اهـ.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [1/ 343]، والبخاري [4/ 25]، وأبو داود [3619]، والنسائي [8/ 248]، وابن ماجة [2321]، ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال:

4337 -

(00)(00)(وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي ثقة، من (9) (عن نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل الجمحي المكي روى عن ابن أبي مليكة في الأقضية ودلائل النبوة ويروي عنه (ع) ومحمد بن بشر وداود بن عمرو قال أحمد: ثبت ثبت ووثقه أبو حاتم والنسائي وابن معين وابن سعد وقال في التقريب: ثقة ثبت من كبار السابعة مات سنة (169) تسع وستين ومائة (عن ابن أبي مليكة).

(عن ابن عباس) رضي الله عنهما وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة نافع بن عمر لابن جريج (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين) المردودة أي بيمين المدعي اليمين المردودة عليه إذا نكل المدعى عليه من اليمين أي قضى بالمدعى به على المدعى عليه باليمين المردودة على المدعي أي إذا لم تكن للمدعي بينة واستحلف القاضي المدعى عليه على أنَّه ليس للمدعي حق عليه ونكل عن اليمين رد القاضي اليمين على المدعي فإذا حلف المدعي على أن له عليه حقًّا حكم القاضي على المدعى عليه بتسليم المدعى به للمدعي وهذه اليمين غير اليمين المذكورة في الرواية الأولى لأن هذه مردودة وتلك أصلية فلا معارضة بين الروايتين.

وشارك المؤلف في هذه الرواية الترمذي [1342] وبهذا الحديث قال مالك والشافعي: إنه لا يقض على المدعى عليه بمجرد نكوله عن اليمين وإنما ترد اليمين على

ص: 11

4338 -

(1656)(2) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا زَيدٌ (وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ). حَدَّثَنِي سَيفُ بْنُ سُلَيمَانَ. أخْبَرَنِي قَيسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ

ــ

المدعي في الأموال عند مالك وفي جميع الدعاوى عند الشافعي فإن حلف قضى له بما حلف وإن نكل لم يحكم له بشيء كما في الكافي لابن عبد البر [2/ 921] ومغني المحتاج للشربيني وبه استدل أيضًا أبو حنيفة وأحمد على أن اليمين لا تجب إلَّا على المدعى عليه فإن حلف برئت ذمته وإن نكل عن اليمين قضى عليه للمدعي ولا ترد اليمين على المدعي اهـ من التكملة.

ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لابن عباس أيضًا رضي الله عنهما فقال.

4338 -

(1656)(2)(وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: حَدَّثَنَا زيد وهو ابن حباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة العكلي بضم المهملة وسكون الكاف نسبة إلى عكل بطن من تميم أبو الحسين الكوفي صدوق من (9) روى عنه في (11) بابًا (حدثني سيف بن سليمان) المخزومي مولاهم المكي نزيل البصرة ثقة، من (6) روى عنه في (5) أبواب (أخبرني قيس بن سعد) الحنفي الحبشي أبو عبد الملك المكي مفتيها ثقة، من (6) روى عنه في (4) أبواب (عن عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم أبي محمد المكي ثقة، من (4) روى عنه في (23) بابا (عن ابن عباس) رضي الله عنهما وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى) للمدعي (بيمين) منه (وشاهد) له قال الأبي: معناه حكم للمدعي بأن يحلف مع شاهد يقيمه ويستحق اهـ.

استدل بهذا الحديث الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وغيرهم وقال أبو حنيفة: لا يقضى بشاهد ويمين وإنما الواجب شاهدان أو رجل وامرأتان وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي رحمهم الله تعالى كما في المغني وقول الزهري وعطاء والحكم بن عتيبة والليث بن سعد وغيرهم واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] فالآية توجب بطلان القول بالشاهد واليمين

ص: 12

4339 -

(1657)(3) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنْ

ــ

واستدل الأئمة الثلاثة والجمهور القائلون باعتبار الشاهد مع اليمين بحديث الباب وبان هذا المعنى قد روي عن جمع من الصحابة بطرق كثيرة استوعبها البيهقي في سننه.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [3608]، والنسائي في الكبرى [6011 و 6012] وابن ماجة [2307].

قال القرطبي: ثم أحاديث هذا الباب كلها حجة للجمهور على الكوفيين والأوزاعي والنخعي وابن أبي ليلى والزهري والليث والحكم والشعبي حيث نفوا الحكم بالشاهد واليمين ونقضوا حكم من حكم به وبدعوه وقال الحكم: الشاهد واليمين بدعة وأول من حكم به معاوية.

(قلت): يا للعجب ولضيعة العلم والأدب كيف رد هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها وشهرتها وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتَّى نقضوا حكمه واستقصروا علمه مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم أبو بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز وكتب به إلى عماله وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن أبي عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة ولذلك قال مالك: إنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ويحكم ببدعتهم.

قالوا: والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغتروا به من واهن الحجاج وذلك أنهم وقع لهم أن الحكم باليمين مع الشاهد زيادة على نص قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ووجه تمسكهم أنها حاصرة للوجوه التي يستحق به المال نص في ذلك والزيادة على ذلك نسخ ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوز إجماعًا والقضاء بالشاهد واليمين إنما جاء بخبر الواحد فلا يقبل والجواب منع كون الزيادة على النص نسخًا إذ الجمع بين النص والزيادة يصح وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي ولو سلمناه لا نسلم أن الآية نص في حصر ذلك لأن ذلك يبطل بنكول المدعى عليه ويمين المدعي فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا اهـ من المفهم ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.

4339 -

(1657)(3) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا أبو معاوية عن

ص: 13

هِشَامِ بنِ عُروَةَ، عَن أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ. قَالتْ: قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكُمْ تَختَصِمُونَ إِلَيَّ. وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ

ــ

هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة) المخزوميتين رضي الله تعالى عنهما وهذا السند من سداسياته ففيه رواية صحابية عن صحابية وبنت عن أم (قالت) أم سلمة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم) أيها المؤمنون (تختصمون) أي ترفعون (إِلَيَّ) المخاصمة لأفصل وأحكم بينكم وقد ورد بيان سبب هذا القول في رواية يونس الآتية أنَّه صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر إلخ

ووقع في رواية عبد الله بن رافع عند أبي داود أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلَّا دعواهما (ولعل بعضكم) وخبر لعل مأخوذ من المصدر المؤول من جملة قوله (أن يكون ألحن) كقولهم زيد عدل أي عادل أي ولعل بعضكم كائن ألحن أي أبلغ وأعلم وأفصح وأبين (بحجته) ودعواه (من بعض) آخر وألحن أفعل التفضيل من لحن كفرح وسمع إذا فطن بما لا يفطن به غيره والرواية التالية أبلغ والمراد أنَّه إذا كان أفطن كان قادرًا على أن يكون أبلغ وأبين في حجته من الآخر قال القاضي عياض: معنى ألحن أفطن بحجته ومنه قول عمر بن عبد العزيز عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم أي فاطنهم وقال أبو الهيثم: اللحن والعنوان بمعنى وهما العلامة يشير بهما الإنسان لما يريد فيفطن له يقال لحن لي فلان من باب فرح ففطنت ويقال للذي يعرض ولا يصرح قد جعل كذا لحاجته لحنًا وعنوانًا اهـ قال ابن منظور في لسان العرب: [7/ 265] إن للحن ستة معان الخطأ في الإعراب واللغة والغناء والفطنة والتعريض والفحوى فاللحن الَّذي هو الخطأ في الإعراب بسكون الحاء واللحن بمعنى اللغة بفتحها ومنه حديث عمر رضي الله عنه تعلموا الفرائض والسنة واللحن يعني اللغة واللحن بمعنى الغناء بسكون الحاء واللحن بمعنى الفطنة بسكون الحاء وفتحها جميعًا والفتح أشهر يقال لحنت من باب فرح إذا فهمته وفطنته فلحن هو عني أي فهم وفطن ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته أي أفطن لها وأحسن تصرفًا وأما اللحن بمعنى التعريض فبسكون الحاء ومنه قوله صلى الله عليه وسلم

ص: 14

فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ. فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِن حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا، فَلَا يَأْخُذهُ. فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"

ــ

وقد بعث قومًا ليخبروه خبر قريش (الحنوا لي لحنًا) يعني أشيروا إليَّ ولا تفصحوا وأما اللحن بمعنى الفحوى فهو ساكن الحاء ومنه قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} أي في فحواه اهـ (فأقضي) وأحكم (له) أي لذلك الألحن (على نحو) أي على مثل (مما أسمع منه) فمن في قوله مما أسمع زائدة بين المضاف والمضاف إليه أي على نحو كلام أسمعه أي على مقتضى وموجب كلام أسمعه منه تحكيمًا لظاهر حجته دون أن أعرف حقيقة الأمر في نفسها (فمن قطعت له) أي قضيت له (من حق أخيه شيئًا) قليلًا أو كثيرًا (فلا يأخذْه) قال القاضي: ترجم عليه البخاري القضاء في القليل والكثير سواء (فإنما أقطع له) أي أحكم لذلك الألحن (به) أي بذلك الشيء أي بالحكم له بذلك الشيء (قطعة من النار) أي من العذاب بالنار سمي التعذيب بها باسمها وقد يكون على طريق التمثيل بما يضر من ذلك في آخره كما تضره النار بدليل قوله الآخر فليحملها أو يذرها وفيه وعظ الخصمين وبه ترجم البخاري قوله: (فمن قطعت له من حق أخيه).

يقال: قطع له شيئًا إذا أعطاه إياه مقتطعًا من طائفة قال ابن منظور في اللسان: [10/ 153] القطعة من الشيء الطائفة منه واقتطع طائفة من الشيء أخذه والمراد من أخيه هنا الخصم واختار صلى الله عليه وسلم له كلمة الأخ دون الخصم استمالة لعواطف الأخوة الدينية أو الإنسانية نحوه لئلا يتجاسر على غصب حقه والحق يشمل المال والاختصاص.

قوله: (فلا يأخذه) به استدل الأئمة الثلاثة على أن قضاء القاضي إنما ينفذ في الظاهر ولا ينفذ في الباطن فلا يحل لمن أثبت دعواه بشهادة زور أن ينتفع بما قضي له به من مال أو فرج وقال أبو حنيفة: ينفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ فيثبت العقد بالقضاء بيان لم يكن ثابتًا في نفس الأمر قبل ذلك كمن ادعى على امرأة أنَّه نكحها وأتام على ذلك بينة وقضى بها القاضي صارت المرأة زوجة له سواء كانت البينة كاذبة أم لا فيحل له وطؤها بعد ذلك وكان القاضي أنشأ بينهما نكاحًا ولكنه يأثم إثمًا شديدًا للكذب في الدعوى وإاقامة شهادة الزور ولكن لذلك عنده شروط مذكورة في الفروع اهـ تكملة.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [2458]، وأبو داود [3583]، والترمذي [1339]، والنسائي [8/ 233] ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أم سلمة رضي الله عنها فقال.

ص: 15

4340 -

(00)(00) وحدَّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حدَّثنَا وَكيعٌ. ح وَحدَّثنَا أَبُو كُرَيبٍ، حدَّثنَا ابْنُ نُمَيرٍ. كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.

4341 -

(00)(00) وحدَّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ، عَنْ زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ. فَخَرَجَ إِلَيهِمْ. فَقَال: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. وَإِنَّهُ يأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُم أَنْ

ــ

4340 -

(00)(00)(وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا وكيع ح وحدثنا أبو غريب حَدَّثَنَا ابن نمير كلاهما) أي كل من وكيع وعبد الله بن نمير رويا (عن هشام) بن عروة (بهذا الإسناد) يعني عن عروة عن زينب عن أم سلمة (مثله) أي مثل ما روى أبو معاوية عن هشام غرضه بيان متابعتهما لأبي معاوية ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.

4341 -

(00)(00)(وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنهما وهذا السند من سباعياته غرضه بيان متابعة ابن شهاب لهشام بن عروة (زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة) بفتحات وفي رواية لجبة بسكون الجيم وهما صحيحان والجلبة واللجبة اختلاط الأصوات المرتفعة (خصم) والخصم من يخاصم يطلق على الواحد والجمع والمراد هنا الجماعة أي سمع اختلاط أصوات خصوم (بباب حجرته) أي عند باب بيته (فخرج) صلى الله عليه وسلم (إليهم) أي إلى الخصوم (فقال) صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر) مثلكم أي كواحد من البشر في عدم علم الغيب إلَّا ما أظهرني عليه ربي قال النووي: معناه التنبيه على حالة البشرية وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك ولكنه إنما كلف بحكم الظاهر (فلعل بعضهم) أي بعض الخصوم (أن

ص: 16

يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ. فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطعَةٌ مِنَ النَّارِ .. فَلْيَحْمِلْهَا أَو يَذَرْهَا"

ــ

يكون أبلغ) أي أكثر بلاغة وفصاحة وفطانة (من بعض) آخر منهم (فأحسب) أنا أي أظن بفصاحة قوله وبيان كلامه (أنَّه صادق) في دعواه فيه دليل على العمل بالظنون وبناء الأحكام عليها وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم والمفتي (فأقضي) أي فأحكم (له) بظاهر قوله على المدعى عليه (فمن قضيت) وحكمت (له بحق مسلم) أي بمال امرئ معصوم في نفسه وماله أو في ماله والتقييد بالمسلم ثم خرج مخرج الغالب وليس المراد به الاحتراز من الكافر فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم أي قضيت له قطعة من مال مسلم ونحوه (فإنما هي) أي تلك القطعة التي حكمت له (قطعة من النار) أي ما يأخذه بغير حق سبب يوصل آخذه إلى النار وهو تمثيل يفهم منه شدة العذاب والتنكيل (فليحملها) أي فليأخذ تلك القطعة إن شاء (أو يذرها) أي أو يتركها إن شاء لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد والوعيد فليس للتخيير نظير قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} .

وقوله: (فلا يأخذها) نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن وسواء كان ذلك في الدماء والأموال والفروج وهو قول كافة العلماء إلَّا ما حكي عن أبي حنيفة من أن حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة.

(تتمة) قد اتفق الأصوليون على أنَّه صلى الله عليه وسلم لا يقر على خطأ في الأحكام فالجواب أنَّه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين لأن مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده فهل يجوز أن يقع فيه خطا فيه خلاف الأكثرون على جوازه ومنهم من منعه فالذين جوزوه قالوا لا يقر على إمضائه بل يُعلمه الله تعالى ويتداركه وأما الَّذي في الحديث فمعناه إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف وهو وجوب العمل بشاهدين فإن كان شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما وأما الحكم فلا حيلة له في ذلك ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد فإن هذا الَّذي حكم به ليس هو حكم الشرع والله أعلم كذا في شرح النووي والمرقاة لعلي القاري [7/ 253].

ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.

ص: 17

4342 -

(00)(00) وحدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ.

وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرِ: قَالت: سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ

ــ

4342 -

(00)(00)(وحدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (حَدَّثَنَا أبي) إبراهيم بن سعد (عن صالح) بن كيسان الغفاري المدني (ح وحدثنا عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري كلاهما) أي كل من صالح بن كيسان ومعمر بن راشد رويا (عن الزهري) غرضه بيان متابعتهما للزهري (بهذا الإسناد) يعني عن عروة عن زينب عن أم سلمة وساقا إنحو حديث يونس) بن يزيد (و) لكن (في حديث معمر) وروايته لفظة (قالت) أم سلمة: (سمع النبي صلى الله عليه وسلم لجبة خصم بباب أم سلمة) رضي الله تعالى عنها واللجبة هو كالجلبة المتقدمة وكأنه مقلوبه كما في النهاية وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث ابن عباس الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والثاني: حديث ابن عباس الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة والثالث حديث أم سلمة ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

ص: 18