الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا ينبغي بعد أن يصرفنا درك هذه الحقيقة عن أن نعترف لابن قتيبة بما وُفق إليه من دقة الحدس ونفاذ البصيرة. وإني لأعجب من بعض نقاد العصر إذ يتهمون ذلك العالم الناقد القدير بالسطحية وما إليها. ولعمري لو قد فطنوا إلى أن الرجل كان رأس مدرسة وكان يقرن بالجاحظ في أهل عصره، لقد تريثوا شيئًا قبل أن ينبروا إلى الحط من قدره. وأرى حقًا علي أن أذكر في هذا الموضع أن مقدمته للشعر والشعراء من أجود ما كتب في النقد في العربية، وما فئتنا -تلامذة الأدب- عالة على كثير من فصولها المفعمة القصار. وهذا بعد أوان نعود إلى ما كنا فيه.
منزلة الشاعر:
أحسب الشاعر العربي كان أول أمره من قبيل الكهان. ألا تراهم يذكرون له صاحبًا من الجن كما للكهنة أصحاب من الجن يخطفون أخبار السماء ويلقونها إليهم؟ ثم خذ لفظ الشاعر نفسه- أليس اشتقاقه من قولهم شعر بمعنى عرف؟ من أن العّراف (وهذه صيغة المبالغة لقولك العارف) قد كان أحد كهان العرب، وكانوا يطلبون لديه الطب ويحتكمون إليه في كثير من النوازل. قال عروة بن حزام:
جعلت لعراف اليمامة حُكمه
…
وعراف نجد إن هما شفياني
وقد كان الكهان يصطنعون لأنفسهم أحوالاً من الجذب، ، ويلقون كلامهم في أسجاع ورموز، وعلى طريقة لا أشك أنها كانت من طريقة الشعر في أول أمره. فهذا أيضًا مما يقوي عندك أن الشاعر كان أول أمره من قبيل الكهنة.
على أن الشاعر في طبيعة نفسه طلق حر. وللكهنة عبادات ورسوم وقيود وحدود. ثم إن الشاعر أصيل مصادر الإلهام يتغنى بالقيم ما راقت له، فمتى أنكرها، جعل يطلب غيرها ويتغنى به، مفصحًا في كل ذلك عن ذات نفسه. وهذا من طريقة
الشاعر ومذهبه مباين كل المباينة لما تقتضيه أصول التكهن من المحافظة المطلقة وإخضاع الذات للرسوم والقيود، والتماس مصادر القول من وجوه التعبد، وعلى ضوء الشعائر، وعلى نحو رتيب يراد به ترويع النفوس وإرهابها، لا استثارة كوامنها وإطراب أسرارها ومخالطة خلجاتها- وكل هذا من مطالب الشعر ومقاصده.
ولا أباعد إن زعمت أنه لما امتازت طبقة الكهنة فصار لها مذهبها وحدودها وقيودها، وضاق بذلك نطاقها عن نزوات الشعر وجمحاته، أخذ الشاعر العربي يلتمس لنفسه متنفسًا من غير طريق التكهن. ولعله بدأ ذلك بالثورة على التكهن، ومخالفة أساليب الكهنة في منهج الحياة ومنهج القول.
وإذ الشاعر لا يقدر بحال أن يبعد عن استشعار القيم واختراعها والتغني بها، لدقة خسه وقوة خياله، فإنه أبدًا في طلب المذاهب. على أن المذاهب مهما تلائمه في أولها فإن مصيرها إلى ألا تلائمه آخر الأمر، لما تقتضيه طبيعة كل مذهب من الاستقامة على وجه من وجوه المحافظة والشكلية متى نضج واتلأب أمره.
وأحسب أن الشاعر العربي في قلقه عن مذهب الكهان أخذ يجنح إلى الفروسية، طلبًا للحرية والانطلاق من سبيلها. والذي يدعوني إلى هذا الزعم هو ما أجده من كثرة الشعراء الفرسان في الذي بين أيدينا من دواوين القدماء ومختاراتهم. ومن أمثلة ذلك الحرث بن ظالم وعامر بن الطفيل وطفيل الغنوي، والمهلهل بن ربيعة وعنترة بن شداد والحصين بن الحمام وعمرو بن كلثوم، وكثير غير هؤلاء. وكالراجح عندي أن الفروسية العربية ما ثبت قيمتها إلا الشعر. ذلك بأن الشعراء كما قدمت لك أبدًا في طلب المذاهب والقيم. وإذ أحسوا في الفروسية طلاقة يخرجون بها من قيود التكهن، ثم لا يكونون مع ذلك بعيدين عن مكان السيادة، فإنهم اقبلوا على تجاربهم فيها يتغنون بها، ويبثون نبأها بين مجتمعهم بها في منزلة وسط، بين الدين ذي الرهبوت، والرياسة ذات الوقار.
ثم إن الفروسية نفسها صارت آخر أمرها مذهبًا محافظًا، ذا رسوم وأدب وقيود. وأصبح غير عسير على الكريم من القوم أن يكون فارسًا بطلاً من غير أن يكون شاعرًا خالصًا شعر. بل لعل من لم يكن شاعرًا من القوم قد كان حريًا أن يكون أقوم بواجب الفروسية ورسمها من الشاعر، لما تقتضيه طبيعة الشعر من كراهة المحافظة ومن الجنوح إلى الحرية والانطلاق.
ولا أدل على ثبوت مذهب الفروسية عند العرب من هذه القصص الكثيرة التي يذكرها لنا الرواة عن ربيعة بن مكدم حامي الظعن، وبسطام بن قيس، وجساس بن مرة، وعنترة بن شداد. وإليك، على سبيل المثال، هذه القصة مما رواه ابن إسحق في السيرة، يرفعه إلى سيدتنا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في خبر هجرتها، قالت: «فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت: وما معي أحد من خلق الله قالت: فقلت اتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي. حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار. فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة. قال أو ما معك أحد؟ قالت: لا والله إلا الله وبُني هذا قال والهل ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير. فانطلق يهوي بي. فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه. كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأجر عني. حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله. ثم استأخر عني فقال: اركبي. فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه. فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، (وكان أبو سلمة بها نازلاً)، فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعًا إلى مكة. فكانت تقول: ما أعلم أهل البيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل
أبي سلمة. وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة» (1).
وعثمان بن طلحة المذكور ههنا قد كان من المشركين، شديد العداوة للمسلمين وبقي على ذلك إلى الحديبية فآمن. وكان من بيوت السيادة في قريش وأهل بيته بنو عبد الدار كانوا أصحاب مفاتيح الكعبة كما كانوا أصحاب اللواء وقتل عمه وإخوان له وهم يحملون اللواء يوم أحد.
وفي القصة بعد من أدب الفروسية ما ترى من المبالغة في إكرام الكريمة ورعاية حرمتها. ولا يناقض هذا ما يروي عن العرب من أمر الوأد، فإن المجموعات التي تلتزم أدب الفروسية تحتقر المرأة من حيث هي ضعيفة عاجزة عن حمل السلاح، وتغار عليها من حيث هي معرض للمباهاة وإظهار الرجولة، وفي أخبار الفروسية الأوربية في القرون الوسطى أنباء تصلح شاهدًا على هذه النظرة المزدوجة المتناقضة الجانبين، من ذلك على سبيل المثال ما اشتهر عن الصليبيين من إلزام حلائلهم لباس أحزمة خاصة ليضمنوا ألا يخنهم أثناء غيابهم في الأرض المقدسة. وقد كان في هذا من الوحشية والقسوة ما لا يخفى.
هذا، وما لبث الشعراء أن وجدوا أنفسهم كالغرباء بين طبقة الفرسان. ذلك بأن الفروسية بعد أن صارت مذهبًا معروفًا وأدبًا محذوًا ومنهجًا في الحياة ذا أدب وحدود، برز فيها رجال لم يكونوا شعراء خُلصًا، وإنما تعاطى من تعاطى منهم الشعر، ليُتم به آلة الفروسية ومظهرها. إذ يبدو أن الشعر لطول ارتباطه بالفروسية قد صار يُعد من متمماتها: من شواهد ما يروى عن عنترة أنه لما فخر بكمال الفروسية تحداه عائبوه بأنه لا يقول الشعر، واتفق إن كان هو شاعرًا سليقة فأجابهم بمعلقته المشهورة:
هل غادر الشعراء من مُتردم
…
أم هل عرفت الدار بعد توهم
(1) سيرة ابن هشام 2/ 78.
وأشعر منها نفسًا عندي كلمته الفائية التي قالها وهو عبد مملوك لا يعترف به، في زوج أبيه سمية:
أمن سمية دمع مذروف
…
لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
وقد سبق أن استشهدنا بها في المرشد الأول. وقد ذكرها أبو العلاء في رسالة الغفران ووقف عندها شيئًا.
فممن برزوا في الفروسية ولم يكونوا من حاق الشعراء بسطام بن قيس وعتيبة ابن الحرث بن شهاب وربيعة بن مكدم، وجماعة كثيرون.
ويبدو أن تحجر مذهب الفروسية وانحيازه إلى مذهب السيادة بوجه عام، وما صحب ذلك من التزام سمت المظهر وقيوده، جعل يسوء الشعراء منذ عهد بعيد. وعسى إن كان انحراف المهلهل إلى أن يكون زير نساء، قبيل نهوضه بثأر كليب، واستصحاب امرئ القيس للشذان والخلعاء وطلبه للإباحة، وعرام طرفة بن العبد، واختصاره مذهب الحياة والفروسية كله في قوله:
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى
…
وجدك لم أحفل متى قام عُودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة
…
كُميت متى ما تُعل بالماء تُزبد
وكري إذا نادى المضاف مُجنبًا
…
كسيد الغضى نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن مُعجب
…
ببهكنة تحت الطراف المُعمد
عسى إن كان ضربًا من ثورة الشعراء على «تحجر» أدب الفرسان والفروسية. ولقد كان عروة بن الورد سيدًا فارسًا إلا أن طبع الشاعر كان أغلب عليه وثورته على تقاليد السيادة والفروسية هي التي دفعته فيما أرى إلى التماس مذهب آخر أشد طلاقة وحرية، في صحبة الصعاليك وتجهيزهم بما يحتاجون إليه من
أداة الغزو. وكأنه كان في نفسه يتوق إلى أن يكون من الخلعاء والصعاليك إلا أن ما درب عليه من مذهب الفروسية القبلية والسيادة في بني عبس كان يعدوه عن أن يبلغ إلى حاق الصعلكة. وما كان الصعاليك إلا من ذي الجرائر وخلعاء القبائل. وما كانوا ليرجعوا إلى مأوى يُؤويهم إنما هي الصحراء والدماء، واختلاس العاجل من اللهو. ولقد لقي عروة من تناقضه بين مذهبي القبيلة والصعلكة أيما عنت. من ذلك قصته مع امرأته سلمى الكنانية. قال صاحب الأغاني: «ذكر أبو عمرو الشيباني من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرًا يقال لها سلمى، وتكنى أُم وهب، فأعتقها، واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة، وولدت له أولادًا، وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه. وهي تقول له، لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم. فحج بها فأتى مكة. ثم أتى المدينة وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير، فيُقرضونه إن احتاج، ويبايعهم إذا غنم. وكان قومها يخالطون بني النضير. فأتوه وهو عندهم. فقالت لهم سلمى إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام. فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحون أن تكون امرأة منكم، معروفة النسب، صحيحته، سبية وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه، ولا أختار عليه أحدًا. فأتوه فسقوه الشراب. فلما ثمل قالوا: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا، معروفة. وإن علينا سُبة أن تكون سبية. فإذا صارت إلينا، وأردت معاودتها فاخطبها إلينا، فانا ننكحك. فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي الشرط في أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختاركم انطلقتم بها. قالوا: ذاك لك. قال: دعوني أله بها الليلة وأفاديها غدًا. فلما كان الغد، جاءوه فامتنع من فدائها. فقالوا قد فاديتنا بها منذ البارحة. وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر. فلم يقدر على الامتناع. وفاداها. فلما فادوه بها خيروها. فاختارت أهلها. ثم أقبلت عليه فقالت: «يا عروة أما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق. والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على
بعل خير منك، وأغض طرفًا، وأقل فحشًا، وأجود يدًا، وأحمى لحقيقته. وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت أحب إلي من الحياة بين قومك. لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا، إلا سمعته. ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبدًا. فارجع راشدًا إلى ولدك وأحسن إليهم».
وأحسب أن لو كان عروة صعلوكًا حقًا، لا نتبذ بامرأته هذه مكانًا قصيًا عن قومه، وإذن لأغناها عن أن تسمع أذاة الغطفانيات لها. ولقد كانت لكونها من كنانة ترى نفسها لا يفضلها من العرب إلا قُرشية، على شك منها في ذلك، فكيف تراها تحس وقد ألفت نفسها أمة في البدو بأرض الشربة بين عبس وذبيان؟
وأوضح في الذي نظنه من تناقض عروة قصته مع أصحاب الكنيف كما سماهم. فهؤلاء جماعة من الصعاليك قد مولهم وجهزهم وأغار بهم، وظفر وهو معهم بمائة من الإبل وسبى امرأة بارعة الجمال. فلما جاءت القسمة أراد أن يجُور المرأة في نصيبه فأبوا ذلك عليه إلا أن يدخلها في أسهم الغنيمة. فنزل لهم عن نصيبه من الإبل ثم طلب منهم راحلة يحملها عليها فأبوا ذلك عليه. فحز ذلك في نفسه ونظم كلمات يذكر هذا من عقوقهم منها لأميته:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم
…
كما الناس لما أخصبوا وتمولوا
وإنما أُتي عروة من حيث إنه ظن إنهم سيسلمون إليه السيادة من أجل تمويله، وتجهيزه لهم. ونسي إن مذهبهم في الصعلكة لا يقبل إلا محض المساواة.
على أن صنيع عروة هذا على ما كان من تناقضه كان في بابه روما صادقًا للطلاقة والحرية. وقد روي عن عبد الملك بن مروان أنه كان يفضل عروة على حاتم في الكرم. وعن الحطيئة أنه كان شاعر عبس، ففضله كما ترى على عنترة في الشعر، إذ ذكر أن عنترة كان فارس عبس. وانظر أنساب الأشراف للبلاذري.