الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واجتهد. وقصارى ما يقدر عليه وهو صادق أن يقول كما قال جرير:
نرى شربًا له شُرع عذاب
…
فنمنع والقلوب له صوادي
وهذا مذهب المجيدين من العرب كما سترى إن شاء الله. وهو لعمري مرتقى صعب. ولا أحسب كثيرًا من الأشعار الروحانية المحضة، وإن تأتت لها مثل جزالته، وذلك فرض بعيد، ببالغة مبلغه، ذلك بأن أسرار الاعتراف هي في ذاتها درجة في درجات الروحانية الرفيعة جدًا. وإن لكل مقام مقالاً، والله تعالى أعلم.
الأثافي والرماد والحمام
من حق الأثافي والرماد أن يذكرن مع الديار. ولكنهن متصلات الرمزية بالحمام وبالنار وبسائر ما تقدم فلذلك أرجأنا الحديث عنهن إلى هذا الموضع. وإنك قد تعلم أنهم مما يسمون الحمامة ورقاء يعنون لونها الرمادي، ومما يقولون للرماد أورق يعنون لونه الضارب للسواد كلون الحمامة. وقال المعري:
وشكلين ما بين الأثافي واحد
…
وآخر مُوف من أراك على فرع
أي رب شبيهين أحدهما بين الأثافي، والآخر على فروع الأراك. فأما الذي بين الأثافي فالرماد، وأما الذي على فروع الأراك فالحمام.
ولا أرى أن المشابهة الحسية في اللون وحدها هي السبب في القرن بين معنى الرماد ومعنى الحمام على هذا النحو الذي ذكره المعري من مذهب العرب، إذ أنت مثلاً لا تشبه نور القمر بالبرص لمجرد وجود البياض في كل. وعندي أن رمزية الحمام التي قدمنا، وصلة الرماد بالأثافي، والأثافي بالمرأة من حيث أن المرأة تعالج القدر، قال الآخر:
وإذا العذارى بالدخان تلفعت
…
واستعجلت هزم القدور فملت
ومن حيث إن الرماد والأثافي من معالم الدار، والدار مما يرمز به لعهد المرأة، ومن حيث إن الرماد بقية النار، والنار من رموز المرأة- كل هذا عندي هو سر القرن بين الرماد والأثافي والحمام في بيان الشعر العربي وكناياته.
وفي القرآن: «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة» وفسرت النعجة بالمرأة وقال عنترة:
يا شاة ما قنص لمن حلت له
…
حرمت علي وليتها لم تحرم
وقد شبهت اليهود الجيد ببرج داود، وما ذاك إلا أنهم استحسنوا براعة طوله وملاسة جانبه، كما شبهوا فروع النساء بشعور المعزى. وغير هذا كثير. فإن كان نظراء العرب المقاربو الحضارة من الساميين كاليهود قد أغربوا كل هذا الأغراب، فهل بدع أن يربي العرب عليهم أو يماثلوهم أو يسلكوا سبيلاً تشبه سبيلهم من البيان، سبيلاً يكون فيها لتداعي المعاني بين أصناف ما يألفون من قليل المتاع أعظم نصيب- بحيث يدور اللفظ الواحد ذو المدلول الواحد في ألوان التشبيه والاستعارة ضروبًا كثيرة من الدوران حتى تعدد معانيه ومدلولاته آخر الأمر، أما على سبيل الاصطلاح اللغوي الواضح وأما على وجه الرمز والكناية الخفية، وأحسبك تذكر أيها القارئ الكريم ما كنا قدمناه من تشبيه النابغة للشفتين بقادمتي الحمامة حيث قال:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة
…
بردًا أسف لثاته بالإثمد
وقول الآخر:
كنواح ريش حمامة نجدية
…
ومسحت باللثتين عصف الإثمد
وكان من تحت كل هذا ما قدمناه، وما ليس بغائب عنك من رمزية الحمامة وخصوبة الأنثى.
وعسى أن تذكر ما كنا قلناه من ناحية الشبه المحسوس في الشفة والحمامة، إذ
قلنا أن للشفة الممتلئة هيئة لا تخلو من مماثلة الحمامة، وأن يك معنى الخصوبة هو أساس التشبيهات التي وردت في هذا المعنى.
وعسى أن تذكر أيضًا ما بدأنا به الحديث في رمزية الديار من قولنا أن العرب كانوا يصفون المرأة يصف البيت، يقولون امرأة مثفاة يعنون أن لها ضرتين. فإذا ذكرت هذا كله، أفلا تظن معنا أن العرب مما كانوا يقرنون بين ما ألفوه من تشبيه المرأة بالحمامة، ثم الحمامة بالرماد، ثم الرماد بالأثفية من طريق تداعي المعاني؟ أم بعيد أن يتمثلوا في الأثفية نفسها شبها من المرأة، لكونها من الدار؟ أو شبها من الحمامة لأنها -أي الأثفية- جارة لورقاء الرماد؟ أو شبها من الشفة لأنها تكتنف الرماد هي وصاحبتها الأثفية الأخرى، كما تكتنف الشفتان لعس الفم وتحتويان على موارده، وكما يكتنف جناحا الحمامة الفرخ ويتعطفان عليه.؟
والعرب مما تكثر من ذكر الأثفيتين دون الثلاث، يستغنون بهما عن ذكر الثالثة فيما زعموا. قالوا: ذلك أن العرب أكثر ما كانوا يعتمدون الإناخة إلى جانب الجبل، فيجعلون صفا الجبل (أي حجارته- واحدتها صفاة) هي الأثفية الثالثة- ومن ذلك قولهم: رميناهم بثالثة الأثافي، يعنون الداهية، إذ ثالثة الأثافي منكب الجبل وجانبه في هذا القول.
هذا وقال الشماخ بن ضرار:
أمن دمنتين عرس الركب فيهما
…
بحقل الرخامي قد أنى لبلاهما
أقامت على ربعيهما جارتا صفًا
…
كُميتا الأعالي جونتا مُصطلاهما
وإرث رماد كالحمامة ماثل
…
ونؤيان في مظلومتين كداهما
أقاما لليلى والرباب وزالتا
…
بذات السلام قد عفا طللاهما
والبيت الثاني من شواهد النحاة في باب الصفة المشبهة. والثالث فيه ذكر
النؤى وهو حاجز الدار من الماء، ونظر الشماخ في نعته هذا إلى النابغة حيث يقول:
والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
والمظلومة هي الأرض الصلبة التي يحفر فيها وليست بموضع حفر. والكدى جمع كدية بضم الكاف وهي ما غلظ من الأرض. وقوله جارتا صفا أي جارتا جبل، أراد به الأثفيتين اللتين أقامتا في الدمنتين بعد أن فارقتهما ليلى والرباب، والصفا ثالثتهما كما مر بك. وقد جعل أعالي الأثفيتين ذواتي لون كميت، لأن القدر فوقهما تقيهما الدخان وإحراق النار، فلا يصيبهما غير تسفيع، فالكمته دليل على السلامة من النار شيئًا ما. وقد جعل أسافلهما جونا أي سودا، لشدة ملازمتها النار واصطلائهما بها.
فإن صح ما افترضنا جوازه فيما مضى، من أن الأثفية قد يكون فيها شبه الحمامة، وشبه المرأة وشبه الفم، فهذا الذي قاله الشماخ غير بعيد جدًا من قول النابغة في ثغر المتجردة:
كالأقحوان غداة غب سمائه
…
جفت أعاليه وأسفله ندي
والشاهد ههنا جفاف أعالي الأقحوان وندى أسافله. فأجعل الكمتة في أعالي الأثافي بمنزلة هذا الجفاف، والسواد في أسافلها بمنزلة هذا الري. ولا إخال وجه الشبه، على بعده، يخفى عليك من بعد. ولعلك قائل فأين الماء من النار وأين الندى من سواد اللفح الذي ينشأ من ملازمة النار. والجواب عن هذا أن الشيء مما يشبه بضده، ولا سيما من حيث قوة تأثيرهما على ما يؤثران فيه. هذا وطرفة بن العبد يقول في نعت الثغر:
وتبسم عن المي كأن مُنورًا
…
تخلل حُر الرمل دعص له ندي
سقته إياه الشمس إلا لثاته
…
أسف ولم تكدم عليه بإثمد
وإياه الشمس شعاعها. فجعل كما ترى ما على الثغر من بريق ولألاء كأنما
سقنه به إياه الشمس. فأجعل سواد الأثافي سقيًا وريًا من هذا الضرب. على أنه مما يحسن أن يقال ههنا إن النار قد تكون رمزًا للشمس كما قدمنا، فأجعل سقيها للأسافل من الأثافي، هذا الذي نزعمه، من باب الخصوبة كسقي الشمس للثغر ومرادنا بعد واضح إن شاء الله.
هذا وقول الشماخ «ارث رماد» فيه ما ترى من معنى البقية والتراث. وهذا يطابق ما قلنا به آنفًا من أن الرماد، وبقية النار، والنار نفسها كل ذلك رمز للمرأة وعلامة للشوق والهوى. فكأن الرماد ههنا كناية عما يتركه الفراق من الغبن والحسرة والألم بعد فراق الأحباب، وما يتركه لاعج الغرام من آسان وعقابيل ليس إلى أروائهن سبيل.
هذا والأثافي مما تشبه بالنياق، لأنهن، فيما زعموا، مطايا القدر. والقدر فيها معنى الخصب، وهذا واضح. وعلاقة القدر بالدار والإقامة، وعلاقة المرأة بالقدر والدار وما يجري هذا المجرى كل ذلك واضح لا يخفى. وقد مر بك قول الآخر:
وإذا العذارى بالدخان تلفعت
…
واستعجلت هزم القدور فملت
فجعل العذارى يلين أمر القدور زمان الشتاء، وذلك يكون قبل زمان الربيع، وفيه وبعده يكون الرحيل.
هذا والنياق توصف بالعطف والحنين. قال متمم بن نويرة:
وما وجد أظآر ثلاث روائم
…
وجدن مجرًا من حُوار ومصرعًا
يُذكرن ذا البث الحزين ببثه
…
إذا حنت الأولى سجعن لها معا
بأوجد مني يوم فارقت مالكًا
…
وقام به الناعي الرفيع فأسمعا
ولما جعل الشعراء من الرماد رمزًا للصبابة، وقل رسمًا ومعلمًا من معالم الصبابة وآثارها- تأمل قول الشماخ:
وإرث رماد كالحمامة ماثل
وربعًا من مرابع الحب وماضي العلائق وما هو من هذا القبيل، تأتوا فجعلوا من الأثافي، وهن معالم الدار، والدار من آثار الصبابة كما رأيت، نياقًا رائمات على هذا الرماد الرمزي، عاطفات عليه، ظائرات له. قال عدي بن الرقاع يصفهن:
إلا رواكد كلهن قد اصطلى
…
حمراء أشعل أهلها إيقادها
كانت رواحل للقدور فعريت
…
منهن واستلب الزمان رمادها
وهذا موضع الشاهد لقولنا أن الأثافي بمنزلة المطايا من القدر. وقوله «واستلب الزمان رمادها» فيه إشارة إلى معنى الرأم والظأر، لأن العرب مما تسمى الناقة الفاقد سليبًا. وقد رأيت وصف متمم للسلب من الإبل في الأبيات الماضية، ولعلك أبهت إلى ما في ذكر الأظآر الثلاث من شبه الأثافي الثلاث. وقد أوغل عدي بن الرقاع كما رأيت في تصوير معنى الحسرة وطول البين، إذ زعم أن الزمان قد استلب حتى هذا الرماد، فلم يبق من معالم الصبابة إلا الأثافي سُلبًا من غير ما حوار يرأمنه ويتعطفن عليه.
وفي معنى الظأر الذي تظأره الأثافي، باكتنافها الرماد، واحتباسها له من أن تذروه الرياح، يقول المخبل السعدي في ميميته المفضلية:
وأرى لها دارًا بأغدرة السـ
…
ـيدان لم يدرس لها رسسم
إلا رمادًا هامدًا دفعت
…
عنه الرياح خوالد سُحم
وهن الأثافي. وللشريف المرتضى في أماليه مجلس صالح نفيس عقده للأثافي
والنؤى وما بمجراها من آثار الديار فنحيل القارئ الكريم إليه (1). وقد نقتبس منه ههنا لتوضيح ما عسى أن يحتاج إلى توضيح مما نحن بصدده من المعاني، إذ لم نجد لغيره فيما اطلعنا عليه شيئًا مثله مجموعا في موضع واحد.
فمن ذلك ما قاله الكميت بن زيد في معنى الظأر والعطف بمعرض الحديث عن الأثافي:
ولن تجيبك أظار مُعطفة
…
بالقاع لا تمك فيها ولا ميل
ليست بُعوذ ولم تعطف على ربع
…
ولا يُهيب بها ذو النية الأبل
والعوذ الحديثة النتاج من الإبل. والربع ما نتج منها في الربيع. وذو النية من ينوي النجعة وطلب المرعى. والإبل الذي يحسن القيام على الإبل بوزن فرح بكسر الباء بعد همزة مفتوحة. وقد صرح الكميت ههنا بتشبيه الأثافي بالنوق الظؤار. ولذي الرمة في قريب من هذا المعنى:
فلم يبق إلا أن ترى في محله
…
رمادًا نفت عنه الحئول جنادله
كأن الحمام الورق في الدار وقعت
…
على خرق بين الظؤار جوازله
وقد ذكر ذو الرمة ههنا الجنادل والحمائم والظؤار جميعًا، والحق أن الكميت وذا الرمة كليهما ممن يكون شعرهما بمنزلة الشرح والتفصيل لكثير مما يقع مجملاً، غامضًا أو كالغامض، في تضاعيف الشعر القديم. وليس ههنا موضع تفصيل الحديث عنهما غير أني أنبه القارئ الكريم إلى إتباع الكميت طريق اللغز في قوله:
ليست بعوذ ولم تعطف على ربع
كما انبهه إلى موضع «خرق» من كلام ذي الرمة، بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بوزن فعل الذي للوصف، فقد شبه ذو الرمة الرماد كما ترى بالحمام. ثم عاد
(1) أمالي الشريف المرتضى، مصر الطبعة الأولى 1907 - 3 - 16 - 124 على أنه رحمه الله نظر في حيوان الجاحظ ومنه أفاد.
فشبهه تشبيهًا آخر بالخرق وهو الجؤذر الذي يغترق عينيه النعاس خرقًا منه وثملا بري الحياة. وقد ذكرنا لك آنفًا قول المرار:
والضحا تغلبها رقدتها
…
خرق الجؤذر في اليوم الخدر
الظبي والجؤذر من كنايات الحسان كما تعلم.
ثم إن ذا الرمة عاد مرة أخرى فركب التشبيه أيما تركيب وذلك بذكره الجوازل في آخر البيت. ويكون إجمال المعنى على هذا: «كأن الحمام الورق وقعت على هذا الرماد. وكأن هذا الرماد جؤذر خرق. وكأن له جوازل أي فراخًا- والجوازل أفراخ الحمام، قال الآخر:
أريد أن أصطاد ضبًا سحبلا
أو ورلا يرتاد رملاً أرملا
قالت سُليمي لا أُحب الجوز لا
ولا أُحب السمكات مأكلاً
وهذه الجوازل التي هي جؤذر الرماد أو هي لجؤذر الرماد، تحنو عليها أظآر عاطفات رائمات من جنادل الأثافي.
وقد جاء لفظ الحواضن، وهي في معنى الظؤار أو الآظار، جمع ظئر، في كلمة الراعي:
وأورق من عهد ابن عفان، حوله
…
حواضن ألاف على غير مشرب
وراد الأعالي أقبلت بنحورها
…
على راشح ذي شامة مُتقوب
كأن بقايا لونه في مُتونها
…
بقايا هناء في قلائص مجرب
وقد اختلطت أوصاف النساء بأوصاف الحمام والإبل في كلمة الراعي هذه وقوله «وأوراق من عهد ابن عفان» نعت للرماد كما ترى، ولكن فيه كناية عميقة عن
الصبابة الغابرة، وعسى الشاعر أن يكون أراد الكناية عن نفسه، التي صارت رمادًا أورق بعد عهد البين البعيد القصي، البين الذي كان من زمان ابن عفان- وأنت تعلم ما كان بعد مقتل عثمان رضي الله عنه من تقويض الديار، ولحاق كل قوم بطائفة من طوائف القتال. وقد كان الراعي عثمانيًا زبيريًا فيما ذكر الرواة، وهو القائل في لاميته المجمهرة:
قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرمًا
…
ودعا فلم أر مثله مخذولاً
هذا، ونعته للأثافي بأنهن وراد، وهذا كقول الشماخ «كميتا الأعالي» فيه كالنظر الشديد إلى ما جاء من نعت الظعائن في معلقة زهير:
علون بأنماط عتاق وكلة
…
وراد حواشيها مُشاكهة الدم
وقوله بنحورها فيه أشعار بنحو النساء أو نحور الإبل، وقد صرح بذكر الإبل وهي القلائص في بيته التالي، وشبه بقايا الدخان والرماد وأثرهما فيها، بالهناء الذي يوضع على الجرب من القلائص. ولعل في هذا نظرًا ما إلى قول امرئ القيس من اللامية:
أيقتلني أني شغفت فُؤادها
…
كما شغف المهنوءة الرجل الطالي
وإن صح ما نزعم من أن الشاعر كنى بالرماد عن نفسه، فالراجح أن يكون في ذكره للأثافي نوع من الرمز إلى ما يرجوه من تعطف حبائبه النائيات عليه، أو ما هو بمجرى حبائبه من مواطن الأشواق، كأزمان الشباب مثلاً، وضوائع الآمال، إذ الأثافي كما قال حواضن وقال الراعي أيضًا يذكر الرماد:
أذاع بأعلاه وأبقى شريده
…
ذرى مُجنحات بينهن فُروج
كأن بجزع الدار لما تحملوا
…
سلائب وُرقًا بينهن خديج
والمجنحات التي بينها الفروج هي الأثافي، وأجناحها ميلها، وذراها بفتح الذال جوانبها وكنقها. أي طارت أعالي الرماد ولاذ منه لائذ، كما يلوذ الشريد، بكنف الأثافي، فآوته وتعطفت عليه. والسلائب جمع سلوب وهي التي سلبها ولدها الموت أو شفرة الجزار ومن شأنها إذا رأت حوار غيرها أن تتعطف عليه تذكرًا لولدها وأسى عليه، والخديج ما أسقط من جنين لغير تمامه، وقد يخرج يشهق حينًا ثم يموت. والشاعر كما ترى بعد أن شبه باقي الرماد بالشريد حيث لاذ بكنف الأثافي فتحدبت عليه، عاد فشبه الأثافي بالسلائب التي تجد حوارًا خديجًا فتتحدب عليه وترزم حوله، فجعل الرماد منهن بمنزلة الخديج من السلائب كما ترى.
والصورة تنظر بلا ريب إلى نحو قول متمم بن نويرة:
وما وجد أظآر ثلاث روائم
…
أصبن مجرًا من حوار ومصرعا
يُذكرن ذا البث الحزين ببثه
…
إذا حنث الأولى سجعن لها معًا
إلى آخر ما قاله.
ثم هي بعد ذلك تنظر إلى الأصل الهديلي، ونعت الشاعر لسلائبه بأنهن ورق، أن يك مراده الدلالة به على لونهن الرمادي الأوراق، مما يشعرك بمعنى الحمائم ولا يخلو من نفس تشبيه للإبل بهن.
وإذا جاز تشبيه الأثافي بالحمام مباشرة أو من طريق تشبيههن بالأظآر من الإبل كما ههنا، جاز -كما قدمنا- تشبيههن بما تشبه به الحمائم كالمرأة والشفتين وهلم جرا.
قال البعيث:
ألا حييا الربع القواء وسلما
…
ورسمًا كجثمان الحمامة أدهما
وإنما أراد الأثافي والرماد، كقول الشماخ:
وإرث رماد كالحمامة ماثل
…
ونؤيان في مظلومتين كداهما
وقال زهير يشبه الأثافي بالحمام:
وغير ثلاث كالحمام خوالد
…
وهاب مُحيل هامد مُتلبد
والهابي الهامد المتلبد أراد به الرماد.
وقال جرير (1):
أمنزلتي هند بناظرة اسلما
…
وما راجع العرفان إلا توهما
كأن رسول الدار ريش حمامة
…
محاها البلى فاستعجمت أن تكلما
طوى البين أسباب الوصال وحاولت
…
بكنهل أسباب الهوى أن تجذما
كأن جمال الحي سربلن سانعًا
…
من الوارد البطحاء من نخل ملهما
وإنما سربلن الرقم ومن في الرقم من الحسان، شبه جرير كل ذلك بنخل ملهم وتمره الوارد البطحاء في موسم الحج. ولم يخل ههنا من نظر إلى نعت امرئ القيس لنخيل ابن يامن المكرعات في رائيته «سما لك شوق» - ونأمل أن نعرض لهذا المذهب بتفصيل في بعض ما يلي إن شاء الله. هذا وشاهدنا هنا تشبيه الرسوم بريش الحمامة، ذلك الذي تشبه به الشفتان كما رأيت، وما عنى جرير بالرسوم في قوله هذا إلا الأثافي والرماد.
وقال الآخر:
أثر الوقود على جوانبها
…
بخدودهن كأنه لطم
والمراد الأثافي، وتشبيههن بالنائحات اللواتي سفع خدودهن اللطم واضح كما ترى-
(1) ديوانه، مصر، مصطفى محمد، 542 - 543.
فهذا نص في تشبيه الأنفية بالمرأة تصريحًا من غير حاجة إلى تلميح يتأول.
وقال كثير عزة:
أمن آل قيلة بالدخول رسوم
…
وبحومل طلل يلوح قديم
وليس كثير ممن يقول الدخول وحومل من دون تعمد إلى أن يذكرك ببيت امرئ القيس المشهور، فقد كان رحمه الله صناعًا بعيد الغارات على أقوال من سبقوه، كثير التوليد منها:
لعب الرياح برسمه فأجده
…
جُون عواكف في الرماد جُثوم
سُفع الخدود كأنهن وقد مضت
…
حجج عوائد بينهن سقيم
والجون والجثوم كلاهما من نعت القطا والقطا من الحمام. وقد جعل الأثافي سفع الخدود وهذا تأنيث لهن كما ترى. ثم احتال على معنى الطؤار فجعلهن كالعوائد والرماد بينهن كالسقيم. ولا يخلو قوله «عوائد بينهن سقيم» من التنبيه على هذه الحالة من حالات النساء بغض النظر عما تضمنه من التشبيه التقليدي. ولا يخلو من كناية للشاعر عن نفسه بالسقيم وعن من يحب بالعوائد، أو هن الأثافي وهو الرماد ولا أستبعد أن يكون كثير قد نظر في قوله هذا إلى النابغة حيث يقول:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها
…
نظر السقيم إلى وُجوه العود
وليس انعكاس المعنى عند كثير بكبير شيء، فالمدلول في الحالتين متقارب وذكر العوائد والسقيم في معرض الغزل كثير. والمراد منه كله التعبير عن ضنى الشوق في قلب المحب وفي جمال المحبوب. هذا ومراد كثير من قوله «فأجده» أن الأثافي يعتقن مجرى الريح فإذا تراكم على الرسم غبار من جنوب أو نكباء أزاله هبوب شمال أو نكباء أخرى فبدت معالم الرسم بما تحتويه من نؤى وأحجار وشريد رماد لائذ بهن. وقد أبرز هذا المعنى ذو الرمة حيث يقول:
من دمنة كشفت عنها الصبا سُفعًا
…
كما تُنشر بعد الطية الكتب
هذا والسفعة مما يكثر ذكره في صفة الأثافي كما رأيت. ومما تنعت به خدود الكآبة والحزن أيضًا، كالذي مر بك وكما في قول متمم:
فقلت لها طول الأسى إذ سألتني
…
ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا
ثم هي أيضًا مما توصف به خدود الظباء والبقر الوحشية، قال زهير:
كخنساء سفعاء الملاطم حرة
…
مسافرة مزءودة أم فرقد
والمزؤدة الخائفة، والفرقد ولد البقرة
والسفعة أيضًا من أوصاف الصقور- قال زهير في القطاة:
أهوى لها أسفع الخدين مُطرق
…
ريش القوادم لم يُنصب له الشبك
فكل هذه المعاني مما يطيف بالأثافي ويُلون معناهن ومدلول رمزيتهن بحسب السياق الذي يؤتي بهن فيه.
وقال جرير (ديوانه 507):
وقفت على الديار وما ذكرنا
…
كدار بين تلعة والنظيم
عرفت المنتأى وعرفت منها
…
مطايا القدر كالحدا الجثوم
ومطايا القدر الأثافي كما تقدم. وشاهدنا هنا تشبيههن بالحدأ الجثوم والحدأ جمع حدأة وهي من الجوارح اللاتي يصدن الحمام. فتأمل. وأحسب أن ما دعا هذا التشبيه هو أن جريرًا مازج وقفته على الطلل بغضبة على صاحبته وذلك حيث قال في البيت السابق لما استشهدنا به:
أهذا الود غرك أن تخافي
…
تشمس ذي مُباعدة عزوم
وذو المباعدة العزوم أراد الشاعر به نفسه، فلا يخلو ذكر الحدأ الجثوم من إلماع إلى هذا المعنى والله أعلم.
وقال أبو تمام في معنى الكآبة:
قفوا نُعط المنازل من عيون
…
لها في الشوق أحشاء غزار
عفت آياتهن وأي ربع
…
يكون له على الزمن الخيار
أثاف كالخدود لُطمن حُزنًا
…
ونُؤي مثلما انفصم السوار
وهنا كشف جلي كما ترى لكثير من أصناف ما ذكرناه. وقد ترى في عجز البيت الثالث كيف اختلط معنى الغزل المحض بمعنى الحزن الذي في الصدر- ولا يخلو قول أبي تمام:
ونؤي مثلما انفصم السوار
من إيهام ولو على سبيل الافتنان والبراعة إلى ذكرى عهد فتاة بعينها، ومصدر مثل هذا الإيهام ما المعنى متضمن له من الإشارة إلى تشبيه النؤى بالوقف وما جاء في الوقف من قرى قول سحيم:
وألقف رضا من وُقوف تحطما
وقال الشريف المرتضى في أماليه: «وقد عاب عليه قوله -لطمن حزنًا- بعض من لا معرفة له، وقال: لا فائدة في قوله -حزنًا-، ولذلك فائدة، وذلك أن لطم الحزن أوجع، فتأثيره أبلغ وأظهر وأبين. وقد يكون اللطم لغير الحزن. فأما قوله- «نؤى مثلما انفصم السوار» - فمأخوذ من قول الشاعر:
نؤى كما نقص الهلال محاقه
…
أو مثلما فصم السوار المعصم
وقد شبه الناس النؤي بالسوار والخلخال كثيرًا. أ. هـ. كلام السيد المرتضى. وأقول أن قوله «حزنًا» فيه أشعار القصد إلى التشبيه بالنوائح، وليس أبو تمام ممن يخفى عليه مثل هذا من رموز الشعراء. وقال حميد بن ثور الهلالي:
فغادرن مُسود الرماد كأنه
…
حصي إثمد بين الصلاء سحيق
وسُفعا ثوين العام والعام قبله
…
على موقد ما بينهن دقيق
أي متقاربات مسافة ما بينهن ضيقة- وهنا كما ترى تشبيه الرماد بالإثمد وهو لاحق بالشفة وما يليها. وفيه نفس من قول الشماخ:
كميتا الأعالي جونتا مُصطلاهما
ومما أغرب فيه أبو تمام في نعت الطلول، وما أغرابه إلا أنه ضمن نعت الأثافي التشبيه بالثواكل في معرض النعت، ولمح إليهن تلميحًا من غير تصريح قوله:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد
…
وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم
…
وبينهم إطراق ثكلان فاقد
وإطراق الربع بعيد في الاستعارة، إن غفلنا عن معنى الأثافي.
وقال أيضًا ولمح إلى معاني الأثافي والحمام من بعد بعيد:
سقى عهد الحمى سبل العهاد
…
وروض حاضر منه وباد
نزحت به ركي العين أني
…
رأيت الدمع من خير العتاد
فيا حُسن الرسوم وما تمشى
…
إليها الدهر في صور البعاد
وإذ طير الحوادث في رُباها
…
سواكن وهي غناء المراد
مذاكي حلبة وشروب دجن
…
وسامر فتية وقدور صاد
وأعين ربرب كحلت بسحر
…
وأجساد تضمخ بالجساد
بزهر والحُذاق وآل بُرد
…
ورت في كل صالحة زنادي
فإن يك في بني أدد جناحي
…
فإن أثيث ريشي من إياد
همو عُظم الأثافي من نزار
…
وأهل الهضب منها والنجاد
أي هموجبل نزار. وإنما سوغ ذكر الريش والجناح والأثافي مع القدور والربرب والمذاكي وطير الحوادث وهلم جرا، ما كان يستشعره أبو تمام من أنه إذ يذكر سابقته مع ابن أبي دؤاد، قد كان كأنما يقف ويستوقف على ربع عفا- وكل هذه
الاستعارات التي تبدو بعيدة تقرب جدًا حين نردها إلى ما يتداخل بعضه في بعض من معاني الربع والرموز التي تطيف بشتى صوره في بيان الشعراء، وبكل ذلك فقد كان أبو تمام عالمًا حاذقًا. وقال في البائية المشهورة:
ما ربع مية معمورًا يُطيف به
…
غيلان أبهى رُبى من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أُدمين من خجل
…
أشهى إلى ناظري من خدها الترب
واستعارة الخد لعمورية ههنا مصدره مما تقدم ذكره من نحو قول القائل:
أثر الوقود على جوانبها
…
بخدودهن كأنه لطم
وقال في بائية عمرو بن طوق:
لو أن دهرًا رد رجع جبابي
…
أو كف من شأويه طول عتابي
لعذلته في دمنتين تقادما
…
ممحوتين لزينب ورباب
وقول تقادما رد فيه الفعل على معنى الطلل وإلا لزمه تأنيثه.
ثنتين كالقمرين حُف سناهما
…
بكواعب مثل أتراب
وشاهدنا هذا البيت إذ لك أن تقول أراد أن زينب والرباب حفت بسناهما أي جمالهما وضوئهما كواعب أتراب. ولك أن تقول أراد أن الدمنتين أي الأثفيتين- من باب إطلاق الكل على الجزء أو الملابس على ملابسه على حد تعبير الشماخ «جارتا صفا» - كانت تحف بسناهما أي النار التي توقد عندهما كواعب أتراب. والراجح عندي أن أبا تمام أراد المعنيين معًا ومثل هذا المزج غير قليل عنده- والله تعالى أعلم.
وقال وهو مما استشهد ببعضه السيد المرتضى في أماليه:
وأبي المنازل إنها لشجون
…
وعلى العجومة إنها لتبين
فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم
…
فرط الصبابة مُسعد وحزين
وههنا مع الجناس إشارة لمعنى الفواقد والعوائد والسقيم كما قدمنا:
لا تمنعني وقفة أشفي بها
…
داء الفراق فإنها ماعون
أي زكاة وأشار إلى قوله تعالى {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}
واسق الأثافي من شئونك ريها
…
إن الضنين بدمعه لضنين
وقد سقى الأثافي بالدمع ههنا وهو أخو المطر، وإنما سقياها لفح النار وتلويحها- وقد تقدم ما قلناه في هذا الصدد:
والنؤى أهمد شطره وكأنه
…
تحت الحوادث حاجب مقرون
وهذا كقوله «مثلما انفصم السوار»
حُزن غداة الحزن هاج غليله
…
في أبرق الحنان منك حنين
سمة الصبابة زفرة أو عبرة
…
مُتكفل بهما حشى وشئون
لولا التفجع لادعى هضب الحمى
…
وصفا المُشقر أنه محزون
أي لولا أنه لا يقدر أن يتفجع. وصفا المشقر لا شك من الأثافي.
وقال أبو الطيب فأشار إلى ما جاء في نعت الدمن وآثارها من أثفية ومُنتأى وجمع في تشبيههن بين صور الطبيعة وصور الأناسي، وهو على كل حال أوضح مذهبًا وأقرب مأتى من أبي تمام كما يعلم:
قف على الدمنتين بالدو من ر
…
يا كخال في وجنة جنب خال
بطلول كأنهن نجوم
…
في عراص كأنهن ليالي
ونؤي كأنهن عليهن
…
خدام خُرس بسوق خدال