الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[5]
أسلوب المحاورة والإقناع العقلي
تختلف عقول الناس ومداركهم من حيث الفهم، وسرعة الاستجابة. ويختلف الناس أيضاً من حيث الانقياد والتسليم لشرع الله أمره ونهيه، فمنهم من لا يقنع بالدليل إلا إذا ظهرت له الحكمة من ذلك التشريع (1) ، ومنهم من يكفيه الدليل ويقف عنده.
والتلاميذ عموماً فيهم من ذلك الشيء الكثير، فمنهم من لا ترضيه بعض القواعد والأسس التي اصطلح عليها العلماء (2) إلا إذا تبين له وجه الحكمة من ذلك. ومنهم من لا يحصل له الفهم الكامل إلا بعد أن تختصر له هذه القاعدة أو هذه المسألة، وتعرضها عليه بأسلوب الحوار والإقناع. ولعلنا نجلي ما سبق بما يلحق:
(1) وصاحب هذا يخشى عليه الفتنة في دينه، لأننا تعبدنا الله بالسمع والطاعة، ومن صفات المؤمنين أنهم يقولون: ربنا إننا سمعنا وأطعنا ولو لم تظهر لهم حكمة التشريع من ذلك الأمر أو النهي. ولكن تلمس الحكمة من التشريع مع التسليم والانقياد للدليل، أسكن للنفس وأهدأ للبال. والله أعلم.
(2)
والحقيقة أن القواعد والأسس العلمية ليس مسلماً بها على الإطلاق، والدليل هو ظهور بعض المكتشفات والاختراعات الحديثة، والنظريات التي قد تنقض قاعدة ثابتة من أصلها ولكن يندر أن يوجد تلميذ في مرحلة معينة من الدراسة ويستدرك قاعدة ثابتة اتفق عليها علماء كثيرون.
(1) في مختار الصحاح (ص290) : مه: مبني على السكون اسم لفعل الأمر ومعناه اكفف فإن وصلت نونت فقلت مه مه.
(2)
أخرجه الأمام أحمد في باقي مسند الأنصار وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (1 / 645) : وهذا سنده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
ففي هذا الحديث نلمس عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحسن تعليمه وتعامله في هذا الموقف. فهذا شاب يعلم ماذا يعني (الزنا) ولذلك قال يا رسول الله ائذن لي بالزنا! ولا يخفى موقف الصحابة وغيرتهم الشديدة على دين الله رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعامل ذلك الشاب بالزجر كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم، ولا قال له إن الله حرم الزنا ورتب على ذلك وعيداً شديداً، كل ذلك لم يفعله صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمور مستقرة لدى الشاب ومعلومة لديه. إذاً، كان العلاج النبوي بالمحاورة والإقناع العقلي هو أنجح وسيلة لمثل هذه الحالة، فتأمل هذه الوسيلة في التعليم يتبين لك عظمة المعلم الأول صلى الله عليه وسلم
2-
أورد البخاري في صحيحه (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم، قال ما ألوانها؟ قال حمر (2) قال: هل فيها من أورق؟ قال نعم، قال فأنى (3) ذلك؟ قال نزعه عرق (4) قال: فلعل ابنك هذا نزعه» .
(1) في كتاب الطلاق / ومسلم في اللعان / وأحمد في باقي مسند المكثرين / الترمذي في الولاء والهبه / والنسائي في الطلاق / وأبو دادود في الطلاق / وابن ماجه في النكاح.
(2)
قال الحافظ ابن حجر وعند الدارقطني (قال رمك) والأرمك الأبيض إلى حمرة (الفتح 9 / 352)
(3)
قوله: (فأنى ذلك) أي من أين أتاها اللون الذي خالفها، هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟ (الفتح 9 / 353)
(4)
قال النووي: والمراد بالعرق هنا الأصل من النسب تشبيها بعرق الثمرة.. ومعنى نزعه أشبهه واجتذبه إليه وأظهر لونه عليه، وأصل النزع الجذب فإنه جذبه إليه لشبهه، يقال منه نزع الولد لأبيه وإلى أبيه ونزعه أبوه ونزعه إليه (صحيح مسلم بشرح النووي حديث 1500)
فهذا الرجل أو الأعرابي (1) جاء سائلاً مستفتياً مستنكراً أن يأتيه ولد أسود على خلاف لونه ولون أمه، فبين له الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب عقلي (2) سهل وميسور، وحاوره وضرب له مثالاً من بعض ما يملكه هذا الأعرابي ليكون أقرب إلى فهمه، حيث سأله عن إبله وهل يأتي منها ما هو مخالف لأبويه في الشكل والصفة، فقال نعم: عندئذ أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك حاصل في البشر أيضاً. فانظر رعاك الله كيف حاوره النبي صلى الله عليه وسلم وقرره بأسلوب عقلي بسيط وواضح. ولقد كان من الممكن أن يخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا ابنه، وهذا بحد ذاته كاف، لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولكن لما علم الرسول صلى الله عليه وسلم حال الأعرابي وجهله، أراد أن يبين له الأمر حتى تطمئن نفسه ويرتاح فؤاده، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا التقرير أن يكون ذلك حكماً عاماً لذلك الأعرابي ولمن خلفه (3) والله أعلم.
(1) ساق البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة.. عن أبي هريرة أن أعرابياً.. الحديث.
(2)
يستدل الفقهاء بهذا الحديث وغيره على إثبات القياس والرد على من أنكره. أنظر فتح الباري كتاب الاعتصام (حديث7314) .
(3)
هذه القصة ترشد كل من جاءه ولد تختلف أوصافه عن أوصاف والديه، بأن لا يتعجل ويصدر حكماً على زوجه بالزنا، بل عليه أن يحسن الظن، والأصل البراءة إلا بينة والله أعلم.
3-
الخلاصة:
استخدام الأسلوب العقلي في الإقناع وسيلة جيدة تضمن وصول المعلومة إلى ذهن السامع، على ما أراده المتحدث.
مراعاة البساطة في المحاورة العقلية، وإشراك التلميذ في المحاورة لكي يحصل التفاعل.
تقريب (المحاورة العقلية) إلى أدنى شيء ممكن أن يحسه أو يعقله التلميذ، كقصة الأعرابي الذي جاءه ولد أسود، فضرب له الرسول صلى الله عليه وسلم مثالاً من أقرب الأشياء إليه وهي إبله.
مراعاة حال السامع، وهل هو ممن تؤثر فيه الأدلة العقلية أم لا.
(1) رواه البخاري في كتاب الحج / وأحمد في مسند بني هاشم / والنسائي في مناسك الحج / والدارمي في النذور والأيمان.