الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[7]
شجاعة المعلم
قد يستغرب الكثيرون هذا العنوان، وقد يقول قائل: ما دخل الشجاعة بالتعليم، فضلاً عن المعلم! نقول: الشجاعة التي نرمي إليها، هي الشجاعة الأدبية كما يحلو للكثيرين أن يسميها بهذا الاسم، ولا مشاحة في الاصطلاح، فأما الشجاعة التي يذهب الذهن إليها عندما نسمع هذه الكلمة لأول وهلة، فلقد كان نبيكم صلوات الله وسلامه عليه، أشجع الناس، حتى إن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحتمون ويلوذون به إذا اشتدت رحى الحرب لشجاعته عليه الصلاة والسلام (1) . وأما الشجاعة المقصودة هنا، فهي شجاعة الكلمة، والاعتراف بالخطأ والقصور البشري، وهذا لا يكاد يسلم منه أحد، أما التدليس، والجبن، والمراوغة فليست أمراً محموداً، ويحسن بالمعلم أن ينأى عنه. ولعل الصورة تتضح بعد تأمل الأمثلة.
(1) روى الإمام أحمد في مسنده، في مسند العشرة المبشرين بالجنة، عن علي رضي الله عنه قال: كنا إذا احمر البأس ولقى القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه.
«عن أبي رافع بن خديج قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يأبرون النخل. يقولون يلقحون النخل. فقال: (ما تصنعون؟) قالوا: كنا نصنعه. قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً لكم) فتركوه. فنفضت (1) أو فنقصت. قال فذكروا ذلك له فقال: " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتك بشيء من رأي. فإنما أنا بشر» وفي بعض الروايات قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (2) . من سياق الحديث يتضح لنا بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يخضع للأحوال التي تعتري البشر من النسيان والخطأ وغير ذلك. أما في مقام التشريع فلا يجوز عليه ذلك، نعم قد يحصل منه نسياناً في مقام التشريع لكي يشرع للأمة، كما سلم من ركعتين في صلاة رباعية، فلما أخبر بذلك قام وأتى بالباقي وسجد سجدتين للسهو، ومحل بسط ذلك في كتب الأصول. الحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه بشر وأن رأيه في الأمور الدنيوية التي ليس فيها تشريع قد يصيب وقد يخطئ. قال النووي:(قوله) : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم من رأيي أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع. فأما ما قاله باجتهاده
(1) فنفضت: معناه أسقطت ثمرها. مسلم بشرح النووي (ح2362) .
(2)
مسلم بشرح النووي (ح2362، 2363)
صلى الله عليه وسلم ورآه شرعاً يجب العمل به وليس من أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله.. (1) ولو أننا أعدنا النظر إلى سياق الحديث مرة أخرى، فإننا لا نجد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، حاول أن يجد لنفسه العذر عندما رأى هذا الرأي - وحاشاه ذلك - بل اعترف ببشريته، وأن هذه الأحكام تجرى على البشر. وتعالوا بنا لننظر إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنرى كيف ترسموا خطى نبيهم عليه أفضل الصلاة والتسليم فمن ذلك:
(1) المصدر السابق. وتلاحظ أننا خرجنا عن مسارنا وتوسعنا قليلاً في بيان التفريق بين قوله صلى الله عليه وسلم، إذا كان من باب التشريع، أو من باب الرأي في الأمور الدنيوية، وذلك للحاجة إلى معرفته، وحتى لا يحصل الخلط فيه. .
ما رواه مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما أكثركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم. فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم فقالت أما سمعت الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} الآية قال: فقال اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب (1) .
(1) ساقه الحافظ ابن كثير في تفسيره من طريق أبي يعلى بسنده ثم قال ابن كثير في آخره. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل إسناده جيد قوي. (تفسير ابن كثير. الآية 20 من سورة النساء) .
عن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل علياً بن أبي طالب عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا كذا، فقال علي رضي الله عنه: أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم (1) الله أكبر انظر إلى تلامذة محمد صلى الله عليه وسلم، يضربون أروع الأمثلة في الشجاعة، والإنصاف، ولو كان على حساب النفس، وهذا والله ليزيد المرء عزاً ورفعة، ولا ينقص من قدره شيئاً، ومن ظن غير ذلك فقد حاد عن جادة الصواب. والمعلم بحكم وظيفته وبشريته، معرض لمثل هذه المواقف، فيا ترى ماذا يقول المعلم إذا أخطأ في مسألة ما وعارضه بها أحد طلابه، ثم بان له الصواب، فهل يبادر إلى شكر الطالب والاعتراف بالخطأ؟ أم أنه يراوغ، ويقلب الكلام بعضه على بعض، حتى يبرهن لهم صحة قوله؟ أترك لك الجواب!
يقول ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم، ولم يفهم. (2)
الخلاصة:
اتصاف المعلم بالشجاعة، مطلب لكل معلم.
الاعتراف بالخطأ، ليس فيه تنقيص لصاحب الخطأ، بل هو رفعه له، ودليل على شجاعته.
الاعتراف بالخطأ معناه إصلاح الخطأ، وعكسه الاستمرار عليه والعناد فيه.
(1) مختصر جامع بيان العلم وفضله. لابن عبد البر (ص120) .
(2)
مختصر جامع بيان العلم وفضله. (ص119) .