الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وطن الساميين:
وتساءل العلماء الباحثون في الأجناس البشرية: من أين جاء الساميون الأول، آباء الشعوب السامية؟ وأين كان موطنهم الأول وبيتهم القديم، الذي ضاق بهم في الدهر الأول، فغادروه إلى بيوت أخرى؟ أما أجوبتهم، فجاءت متباينة غير متفقة لعدم اهتدائهم حتى الآن إلى دليل مادي يشير إلى ذلك الوطن، أو يؤيد نظرية وجود مثل هذا الوطن، فقامت آراؤهم على نظريات وفرضيات، وبحوث لغوية وعلى آراء مستمدة من الروايات الواردة في التوراة عن أصل البشر، وعن أبناء نوح، والأماكن التي حلّ بها هؤلاء الأبناء وأحفادهم ثم أحفاد أحفادهم، وهكذا على نحو ما تصورته مخيلة العبرانيين. فرأى نفر منهم أن أرض بابل، كانت المهد الأول للساميين، ورأى آخرون أن جزيرة العرب هي المهد الأول لأبناء سام، وخصص فريق آخر موطنًا معينًا من جزيرة العرب، ليكون وطن سام وأبنائه الأُوَل، وذهب قسم إلى إفريقية فاختارها لتكون ذلك الوطن، لما لاحظه من وجود صلة بين اللغات السامية والحامية، ورأى قوم في أرض "الأموريين" الوطن الصالح لأن يكون أرض أبي الساميين، على حين ذهب قوم آخرون إلى تفضيل أرض "أرمينية" على تلك الأوطان المذكورة. وهكذا انقسموا وتشعّبوا في موضوع اختيار الوطن السامي، ولكل حجج وبراهين.
وحتى القائلون بنظرية من هذه النظريات وبرأي من هذه الآراء، هم قَلِقُون غير مستقرين في نظرياتهم هذه، فتراهم يُغَيّرون فيها ويبدلون. يفترضون وطنًا أصليًّا لجدّ الساميين، ثم يفترضون وطنًا ثانيًا يزعمون أن قدماء الساميين كانوا قد تحوّلوا من الوطن الأول إليه، فصار الموطن الأقدم لهم. فقد ذهب "فون كريمر" مثلًا، وهو عالم ألماني إلى أن إقليم "بابل" هو موطن الساميين الأُوَل، وذلك لوجود ألفاظ عديدة لمسمّيات زراعية وحيوية "حياتية" أخرى تشترك فيها أكثر اللغات السامية المعروفة، وهي مسميات لأمور هي من صميم
حياة هذا الإقليم، إلا أنه عاد فذكر أنه وجد أن لفظة "الجمل" لهذا الحيوان المعروف هي لفظة واردة في جميع اللغات السامية وفي ورود هذه التسمية في جميع هذه اللغات دلالة على أنها من بقايا اللغة "السامية" الأولى. ولكن الجمل حيوان أصله وموطنه الأول الهضبة المركزية التي في آسيا على مَقْرَبة من نهر سيحون ونهر جيحون، ولما كان قد لازم الساميين من فجر تأريخيهم واقترن اسمه باسمهم، وجب أن يكون موطن الساميين الأقدم إذن هو تلك الهضبة، إلا أن أجداد الساميين غادروها في الدهر الأول، وارتحلوا عنها فانحازوا إلى الغرب مُجْتَازِين إيران والأرضين المأهولة بالشعوب "الهند أوروبية" حتى وصلوا إلى إقليم "بابل"، فنزلوا فيه، فصار هذا الإقليم الوطن الأقدم أو الأول للساميين.
وطريقة "فون كريمر" في هذه النظرية، دراسة أسماء النبات والحيوان في اللغات السامية وتصنيفها وتبويبها للتمكن بذلك من معرفة المسميات المشتركة والمسميات التي ترد بكثرة في أغلب تلك اللغات. والتوصّل بهذه الطريقة إلى الوقوف على أقدم الحيوان والنبات عند تلك الشعوب، فإذا اهتدينا إليها صار من السّهل على رأيه التوصل إلى معرفة الوطن الأصل الذي جمع في يومٍ ما شمل أجداد الساميين1.
أما "كويدي"، وهو من القائلين أيضا أن إقليم بابل هو الموطن الأول للساميين؛ فقد سار على نفس أسلوب "فون كريمر" نفسه وطريقته، ولكن بصورة مستقلة عنه. درس الكلمات المألوفة في جميع اللغات السامية عن العمران والحيوان والنبات ونواحي الحياة الأخرى، وقارن بينها وتتبّع أصولها ثم قال قوله المذكور، إلا أنه اختلف عن "فون كريمر" في الوطن الأول؛ حيث رأى أن مواطن الساميين الأُوَل كانت الأرضين في جنوب بحر قزوين وفي جنوب شرقيه إلا أنهم غادروها بعد ذلك وارتحلوا عنها إلى إقليم بابل2.
وأما "هومل"، وهو من العلماء الألمان الحاذقين في الدراسات اللغوية، فقد
1 Von Kremer، Semitische Cultureu Entlehnungen aua Pflantzen-und Thierreiche، in das Ausland، Bd.، IV، note، 1، und 2.
2 Guidi، Delia sede primitiva dei Popoli Semitici، Roma، 1879، Wright، Comparative Grammer of the Semitic Languages، P.، 5 Barton، P.، 3، Hommel، Grundriss، 1. S.، 80، A. Grohmann، Kulturgeschichte، S.، 14.
ذهب أولًا إلى أن موطن الساميين هو شمال العراق، ثم عاد فقرر أن إقليم بابل هو الوطن الأصل، وذهب أيضا إلى أن قدماء المصريين هم فرع من فروع الشجرة التي أثمرت الثمرة السامية، وهم الذين نقلوا على رأيه الحضارة إلى مصر نقلوها من البابليين1.
وقد ناقش "نولدكه" آراء هؤلاء العلماء المذكورين القائمة على المقابلات والموازنات اللغوية، وعارضها معارضة شديدة، مبيِّنًا أن من الخطأ الاعتماد في وضع نظريات مهمة كهذه على مجرد دراسة كلمات وإجراء موازنات بين ألفاظ لم يثبت ثبوتًا قطعيًا أن جميع الساميين أخذوها من العراق، وأورد جملة أمثلة اختلف فيها الساميون، مع أنها أجدر المعاني بأن يكون لها لفظ مشترك في جميع اللغات السامية2.
ومن أوجه النقد التي وجهت إلى نظرية القائلين إن العراق، أو إقليم بابل منه بصورة خاصة، هو موطن الساميين، هو أن القول بذلك يستدعي تصوّر انتقال الساميين من أرض زراعية خِصْبَة ذات مياه إلى بوادٍ قفرة جردٍ، وإبدال حياة زراعية بحياة خشنة بدوية، ومثل هذا التصور يخالف المنطق والمعقول والنظم الاجتماعية.
وأما القائلون إن الموطن الأصلي لجميع الساميين هو جزيرة العرب، فكان من أولهم "شبرنكر". فقد رأى أن أواسط جزيرة العرب، ولا سيّما نجد، هو المكان الذي يجب أن يكون الوطن الأول للساميين، وذلك لأسباب وعوامل شرحها وذكرها. ومن هذا الوطن خرج الساميون في رأيه إلى الهلال الخصيب فطبعوه بالطَّابع السامي، ومن هذا الهلال انتشروا إلى أماكن أخرى3.
وقد أيَّدَ هذه النظرية جماعة من المستشرقين الباحثين في هذا الموضوع من
1 Hommel، Die Namen der Saeugethiere bei den Suedsemitischen Volkem، Leipzig، 1879. S-، 406، Die Semitischen Voelker und Sprachen، 1881، Bd.، I، S.، 20، 63، Barton، P.، 3 Hommel، Grundriss، I، S-، 10. f.
2 Noeldeke، Semitischen Sprachen، Leipzig، 1887، S.، 3، 2ed.، 1899، Enc. Brit.، 9th. ed.. Article، Semitic Language.
3 A. Sprenger، Das Leben und die Lehre des Mohammad، Berlin، 1861، Bd.، I، S.، 241، Alte Geographie Arabiens، 1875، S.، 293، Barton، P.، 4.
أمثال "سايس"1و "أبرهرد شرادر"3، و "دي كويه"3 و"هوبرت كرمه"4 و "كارل بروكلمن"5 و "كينغ"6و "جول ماير"7و "كوك"، وآخرين8.
وقد مال إلى تأييدها وترجيحها "دتف نلسن"، وهو من الباحثين في التأريخ العربي قبل الإسلام9. وكذلك "هوكو ونكلر". و "هومل" الذي يرى أن موطن جميع الساميين الغربيين هو جزيرة العرب10.
وقد ذهب نفر من القائلين بهذه النظرية إلى أن العروض ولا سيما البحرين والسواحل المقابلة لها، هي الوطن السامي القديم. ويستشهد هذا النفر على صحة نظريته ببعض الروايات والدراسات التي قام بها العلماء فكشفت عن هجرة بعض الأقوام كالفينيقيين وغيرهم من هذه الأماكن.
أما "فلبي"؛ فذهب في دراساته المسهبة لأحوال جزيرة العرب إلى أن الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين، وفي هذه الأرضين نبتت السامية، ومنها هاجرت بعد اضطرارها إلى ترك مواطنها القديمة لحلول الجفاف بها الذي ظهرت بَوَادره منذ عصر "البالثوليتيك""palaeolithic" هاجرت في رأيه، في موجات متعاقبة سلكت الطرق البرية والبحرية حتى وصلت إلى المناطق التي استقر فيها. هاجر وقد حملت معها كل ما تملكه من أشياء ثمينة، حملت معها آلهتها، وأولها الإله "القمر"، وحملت معها ثقافتها وخطها
1 Sayce, Assyrian Grammer, 1872, P., 13, Barton, P., 4.
2 Eberhard Schrader, in ZDMG., XXVn, (1873) , S., 397.ff "Die Abstammung
der Chaldaer und-die Ursitze der Semiten"
3 De Goeje, Het Vaterland der Semitische Volken, Barton, P., 5, Wright, Compara- tlve Grammer of the Semitic Languages, P> 8-
4 Hubert Grimme، Mohammed، Weltgeschichte in Karakterbildern، 1904، S.، 6. f.، Barton، P.، 5.
5 Carl Brockelmann، Grundriss der Vergleichenden Grammatik der Semitischen Sprachen، Berlin، Berlin، 1908، 1، 2.
6 L.W، King، History of Sumer and Akkad، London، 1915، P.، 119.
7 John L. Meyers، in Cambridge ancient History، Cambridge 1923، 1، 38، Barton، P. 6-v
8 S.A. Cook، in Cambridge ancient History، I، P.، 192. f.
9 Ditef Nielsen، Handbuch der altarabischen Altertumskunde، I، Kopenhagen، Paris، Leipzig، 1927، 47، 55.
10 A. Grohmann. S.، 14، Hommel، Ethnolgle und Geograghie des alten Orient، Muenchen، 1926، S.، 10.
الذي اشتقّت منه سائر الأقلام، ومنه القلم الفينيقي، وطبعت تلك الأرضين الواسعة التي حلت فيها بهذا الطابع السامي الذي ما زال باقيًا حتى اليوم. وقد أخذ "فلبي" رأيه هذا من دراسات العلماء لأحوال جزيرة العرب ومن الحوادث التأريخية التي تشير إلى هجرة القبائل من اليمن نحو الشمال1.
فاليمن في رأي "فلبي" وجماعة آخرين من المستشرقين، هي "مهد العرب" ومهد الساميين، منها انطلقت الموجات البشرية إلى سائر الأنحاء. وهي في نظر بعض المستشرقين أيضًا "مصنع العرب"، وذلك لأن بقعتها أمدّت الجزيرة بعدد كبير من القبائل، قبل الإسلام بأَمَدٍ طويل وفي الإسلام2. ومن اليمن كان "نمرود" وكذلك جميع الساميين3.
والذين يقولون إن نجدًا هي موطن الساميين الأُوَل، يفترضون أن موجات هجرة الساميين اتجهت نحو الشمال كما اتجهت نحو الجنوب والشرق والغرب4، فكأن نجدًا معين ماء يفيض فيسيل ماءُه إلى أطرافه.
غير أن هنالك جماعة من الباحثين ترى أن نجدًا لا يمكن أن تكون الموطن الأول للساميين، وذلك لأن شروط الحياة اللازمة لم تكن تتوفر بها، اللهم إلّا في المواضع التي توجد بها آبار أو واحات، وهي قليلة متناثرة، وذلك حتى في العصور "الباليوثية""palaeolithic ages". أما المراعي التي كانت بها في تلك الأوقات فلم تكن دائمة الخضرة، بل كانت مع المواسم ولهذا فإن السكن فيها لا يمكن أن يكون سكنًا دائميًّا مستمرًا، ثم إن السكن في نجد يقتضي وجود الجمل فيها ولم يكن الجمل موجودًا عند الساميين في العهود القديمة بل كان الحمار هو واسطة الركوب والنقل عندهم. ولما كان الحمار لا يتحمل العيش في البوادي الواسعة الفسيحة؛ لذلك لم يتمكن الساميون إذا ذاك من التوغّل في
1 Philby، The Background of Islam، Alexandria، 1949، P.، 9، ff.
2 Montgomery، Arabia and the Bible، Philadelphia، 1934، P.، 126، Background. P. 9.
3 Eberhard Schrader، Die Abstammung der Chaldaer und die Ursitze der Semiten، in ZDMG، S-، 14.
4 James Hastings، A Dictionary of the Bible dealing with its Language Literature and Contents including the Biblical Theology، Extra Volume، 1904، P.، 74. f. W. WarreH، A Study of Races in ancient Near East، Cambridge، 1927، 7، 45، 94. B. Thomas، Anthropological observation in South Arabia، 93-94، A. Grohmann، Araien S.، 14.
الصحراء والسكن بعيدًا عن مواضع الماء، فانحصر سكنهم في أسياف البوادي أي في مناطق قريبة من الحضر، ولهذا السبب رفض العلماء رأي من يقول إن نجدًا هي الموطن الأول للساميين1.
ويمكن تلخيص الحجج والبيانات التي استند إليها هؤلاء العلماء لإثبات نظريتهم في الأمور الآتية:
1-
لا يعقل أن ينتقل سكان الجبال والمزارعون من حياة الحضارة والاستقرار إلى البداوة، بل يحدث العكس. ولما كانت الشعوب السامية قد قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية، فلا بد أن يكون وطنها الأول وطنًا صحراويًّا، وجزيرة العرب تصلح أن تكون ذلك الوطن أكثر من أي مكان آخر.
2-
ثبت أن معظم المدن والقرى التي تكوّنت في العراق أو الشام إنما كوّنتا عناصر بدوية استقرار في مواضعها، واشتغلت بإصلاح أراضيها وعمرانها، واشتغلت بالتجارة، فنشأت من ذلك تلك المدن والقرى. ولما كانت أكثر هذه العناصر البدوية قد جاءت من جزيرة العرب، فتكون الجزيرة قياسا على ذلك الموطن الذي غذّى العراق وبادية الشام وبلاد الشام بالساميين، وأرسل عليها موجات متوالية منها.
3-
هناك أدلة دينية ولغوية، وتأريخية وجغرافية، تشير بوضوح إلى أن جزيرة العرب هي مهد السامية ووطن الساميين2.
4-
إننا نرى أن جزيرة العرب قد أمدّت العراق وبلاد الشام بالسكان، وأن القبائل الضاربة في الهلال الخصيب قد جاءت من جزيرة العرب، فليس بمستبعد إذن أن يكون الساميون قد هاجروا منها إلى الهلال الخصيب.
وقد عارض هذه النظرية طائفة من علماء الساميات، وحجتهم: أن كل ما قيل وذكر من حجج وبيّنات، لا يدل يقينا على أن جزيرة العرب كانت هي المهد الأصلي للأمم السامية، ونظرت إلى إفريقية على أنها المكان المناسب لأن يكون الوطن الأول للساميين. ومن هذه الطائفة من علماء الساميات "بلكريف"،
1 Ancient Iraq. P. 125.
2 ومن القائلين إن جزيرة العرب هي مهد الساميين "روبرتسن سمث robertson smith" الهلال، نيسان 1906، ج 7 سنة 14، ص 399،
Kinship and MARRIAGE IN EARLY Arabia، P.، 178، Barton، P.،5.
وقد يكوّن رأيه من وجود تشابه في الملامح، وفي الخصائص الجنسية، وصلات لغوية بين الأحباش والبربر والعرب دَفَعَتْه إلى القول بأن الوطن الأول للساميين هو إفريقيا1.
وذهب إلى هذا الرأي "جيرلند gerland"، مستندًا إلى الدراسات "الفيزيولوجية" مثل تكوين الجماجم، والبحوث اللغوية. وقد زعم أن شمال إفريقية هو الموطن الأصلي للساميين، وادَّعى أن الساميين والحاميين من سلالة واحدة ودوحة تفرعت منها جملة فروع، منها هذا الفرع السامي الذي اختار الشرق الأدنى موطنًا له2.
وهناك نفر من العلماء أيّدوا هذه النظرية ودافعوا عنها أو استحسنوها، مثل "برتن3 bertin" و "نولدكه"4 و "موريس جسترو"5 و "كين" و "ربلي" وغيرهم6. ولكنهم اختلفوا أيضًا في تعيين المكان الذي نبت فيه الساميون أول مرة في القارة الإفريقية، واختلفوا كذلك في الطريق الذي أوصل الساميين إلى جزيرة العرب7، فاختار "برنتن" brinton شمال غربي إفريقيا، ولا سيما منطقة جبال "الأطلس" فجعلها الموطن الأصلي للساميين8.
واختار نفر آخر إفريقية الشرقية موطنًا أول للساميين، للعلاقات "الأنثولوجية" الظاهرة التي تلاحظ على سكان هذه المنطقة والساميي9. وزعم أن الساميين سلكوا في عبورهم إلى آسية أحد طريقين: إما طريق سيناء حيث هبطوا في العربية
1 Enc. Brit.، 9Th. Ed.، "Arabia"، Barton، P.، 6، Enc. of Relig. and Ethics، Vol.، II، P.، 380
2 Enc. of Relig. and Ethics، Vol.، II، P.، 380، Barton، P.، 6، Iconographic Enc، Art.، "Ethnography"
3 Bertin، Journal of the Anthropological Institute، XI، 431، (1882) ، Barton، P.، 6.
4 Noeldeke، Die Semit. Sprachen، S.، 9، Ency. Brita.، (1911) ، "Semtic Languages"،
Enc. of Relig. and Ethics، Vol.، n، P.، 380
5 Barton، P.، 7، Brinton، The Cradle of the Semites، Philadelphia، 1890، Races and
Peoples، New York، 1890، P.، 132
6 Barton، P.، 7، A Sketch of Semitic Origin Social and Religious، Ch. I، New 1901
7 Barton، P.، 6، C.U". Ariens Kapper and Leland W. Paar، An Introduction to the
Anthropology of the Near East، Amsterdam، 1934، P.، 47
8 Barton، P.، 7، Brinton، Cradle of the Semites، Philadelphia، 1890، Races and Peoples، New York، 1890، P.، 132، Enc. of Relig. and Ethics، Vol.، II، P.، 380
9 حتى ص 10.
الحجرية وأناخوا فيها مدة ثم انتشروا منها1، وإما طريق المندب حيث دخلوا العربية السعيدة من مواضع مختلفة من الحبشة ومن أرض "فنط2 punt". وهي الصومال الحديثة3. وقد أكسبتهم إقامتهم في بلاد العرب خصائص جديدة، ووسمتهم بسمات اقْتَضَتْهَا طبيعة الوطن الثاني، ولكنها لم تتمكن من القضاء على الخصائص الأولى التي تشير إلى الوطن الأول قضاءً تامًا، ولا على الصلة بين اللغات الحامية والسامية التي تشير إلى الأصل المشترك كذلك4.
وهذه النظرية، بالرغم من دفاع بعض كبار علماء اللغات والأجناس عنها لا تخلو من ضعف، ومن مواطن ضعفها أنها غَضّتْ الطرف عن الاعتبارات التأريخية، واستسلمت لدراسات لم تنضج بعد، فمن الممكن مثلا إرجاع ما لاحظه علماء اللغات السامية واللغة المصرية القديمة إلى عوامل الهجرات السامية من جزيرة العرب وعن طريق سيناء إلى إفريقيا، مثل هجرة "الهكسوس" وهم من أصل سامي جاءوا مصر من بلاد العرب. وقد ثبت أيضا من تحقيقات العلماء أن كثيرًا من الأسماء المصرية القديمة التي كانت تطلق على الأقسام الشرقية من الديار المصرية هي أسماء سامية. وإذا سوّغ علماء النظرية الإفريقيا لأنفسهم الاستدلال على إفريقيا الساميين من وجود القرابة اللغوية بين اللغة المصرية واللغات السامية مثلا، فإن من الممكن إرجاع هذه القرابة إلى أثر الهجرات السامية في اللغة المصرية
1 Barton، P. 6، Jornal of the Anthrop. Inst، XI، 431.
2 يجب تعريب punt ب"فنط"، قياسا على طريقة تعريب الأسماء الأعجمية إلى العربية. وقد عربها بعضهم بـ "فوط: وتقابل كلمة "فوط" كلمة put أو phut الواردة في التوراة أنها مسكن ابن حام الثالث؛ غير أن علماء التوراة لم يتفقوا حتى الآن على موضع "فوط"، فذهب بعضهم إلى أنها في نواحي طرابلس الغرب "ليبيا"، ورأى آخرون إنها بين مصر و"كوش"، أي السودان أو الحبشة، وربما كانت نوبيا الجنوبية، وهناك آراء أخرى. فلا أرى من الصحيح تسمية punt" بفوط لمكان هذا الاختلاف، راجع عن "فوط"، أرميا، إصحاح 46، آية 6، وحزقيال، إصحاح 37، آية 10، 30، آية 5، و 38، آية 5، ناحوم، إصحاح 3 آية 9، قاموس الكتاب المقدس "2/ 18"، عربت في ترجمة "تأريخ العرب المطول" للدكتور حتى بـ "فوط" ص42
Hastings، P. 777، Enc. Bibl، P. 3984.
3 حتى "ص13"،
4 Barton، P.،8.
وأما تقارب الحبشية من اللهجات العربية الجنوبية وكتابة الأحباش حتى اليوم بقلم شبيه بالمسند، فلا يكون دليلًا قاطعًا على هجرة الساميين من إفريقية عن طريق الحبشة إلى جزيرة العرب؛ إذ يجوز العكس، وقديمًا هاجر الساميون من العربية الجنوبية إلى الحبشة. والساميون هم الذين كوّنوا دولة "أكسوم" التي كانت تتكلم باللغة "الجعزية"، وهي لغة سامية، كما أن قلمها الذي يشبه قلم المسند هو وليد القلم العربي الجنوبي. وكتابات "يها""يحا" المكتوبة بالمسند، في حد ذاتها دليل على أثر العرب الجنوبيين في الإفريقيين "الكوشيين"، وهذه الكتابات حديثة عهد بالنسبة إلى كتابات السبئيين1، كما يمكن اعتبار تشابه أسماء بعض الأماكن القديمة في الحبشة مع نظائر لها في اليمن ووجود معبد في الحبشة خُصّ بالإله "المقّة" إله سبأ العظيم2، وأمور أخرى دينية ولغوية وأثرية، واعتراف الأحباش بأنهم من نسل مكلة سبأ "بلقيس""ماقدة"3، من "سليمان الحكيم"، وأن "حبشت" التي أخذ الأحباش منها اسمهم في اللغة العربية هي مقاطعة تقع في العربية الجنوبية في رأي أكثر العلماء4، وأن "الأجاعز" أصحاب اللغة الجعزية هم أقدم مَنْ هاجر من اليمن إلى الحبشة، ووجود صلات قديمة بين الساحلين الإفريقي والعربي، إذا نظرنا إلى كل هذه الأمور نظرة علمية دقيقة، نجد أنها تجعل أمام القائلين إن أصل الساميين من إفريقية صعوبات ليس من السهل التغلب عليه، ولا سيما إذا أضفنا إليها الأثر الذي تركته اليهودية والنصرانية في الأحباش وفي الشعوب الكوشية الأخرى، فقرب ثقافتها من الثقافة السامية وأثر في لغتها، وهو أثر يجب أن يقام له وزن عند بحث هذا الموضوع.
ثم إن كثيرًا من علماء "الأنثروبولوجي" يرون أن إفريقية تأثرت بالدماء الآسيوية. أما تأثيرها في دماء أهل الشرق الأدنى وفي دماء سكان جزيرة العرب،
1 Mueller، Epigraphlsche Denkmaeler aua Abessinien، Glaser، Die Abessiner in
Arabien und Africa، Muenchen، 1895.
2 Ditlef Nielsen، Der Sabaische Gott Ilmukah، S.، I، D. H. Mueller، Epigraphische
Denkmaeler، S.، 57.
3 Ehc، Vol.، I، P. 720، B. Littman، The Leg-end of Queen of Sheba in Tradition
of Axum، in Bibliotheea Abessinca.
4 Enc، Vol.، I، P.، 119، Conti Rossini، Note sugli Habshat، Roma، 1905.
فقد كان قليلًا لقد دخلت إليها دماء شعوب الشرق الأدنى من البحر المتوسط ومن طور سيناء ومن مضيق باب المندب. ويظهر أثر هذا الاختلاط واضحًا في إفريقية الشرقية وإفريقية الشمالية، وما زال هذا التأثر واضحًا حتى اليوم1.
ولهذا فإن من الصّعب تصوّر هجرة الساميين من إفريقية إلى جزيرة العرب وبلاد الشام والعراق على وَفْق نظرية هؤلاء العلماء.
ومن القائلين إن المهد الأصلي للساميين هو أرض إرمينية "جون بيترس"، وحجته في ذلك أن هذا المحل هو أنسب مكان يتفق مع رواية التوراة في الطوفان، وهو المحل الأصلي للأمم السامية والآرية2. ثم إن الأنف الحَثِيّ يشبه كل الشبه الأنف العبراني، وفي هذه التسمية دلالة على المكان، وقد نسي أن العرب وهم من الساميين لم يُرزقوا هذا الأنف3.
وقد ذهب "أنكناد""ungnad" إلى أن أصل الساميين من أوروبة، وقد تركوها وهاجروا منها إلى آسية الصغرى، ثم هاجروا منها إلى أرض "أمورو""amurru"، وذهب قسم منهم في الألف الرابعة قبل الميلاد إلى بابل وبقية أنحاء العراق4.
وذهب "كلي" إلى أن الوطن الأصلي للساميين هو أرض "أمورو""amurru""الأموريين" وتشمل هذه الأرض، في رأيه، بلاد الشام ومنطقة الفرات5. من هذه المنطقة هاجر الساميون، وهو قد توصل إلى نظريته هذه من الدراسات اللغوية6، ولكنها لا تستند في الواقع إلى أدلة قوية. والأموريون من الشعوب السامية القديمة التي سكنت في فلسطين والشام وإقليم بابل7.
1 L. H. D. Buxton، The People of Asia، London، 1925، P.، 34.
2 السامية ص4.
Journal of the American Oriental Society، XXXIX، 243، ff، Barton، P.، 8.
3 Barton، P.، 8.
4 A. Ungnad، Die Aeltesten Voelkerwanderungen Vorderasiens، Kulturfragen، I، (Breslau) ، 1923، 5، A. Grohmann، Arabien، S.، 14.
5 Barton، P.، 8، A. T. Clay، Amurru، The Home of the Northern Semites، Fhila- delphia، 1909، The Empire of the Amorites، New Haven، 1919، Enc. of Rel. and Ethics، II، 380.
6 Barton، P.، 9.
7 Hastings، P.، 27، Enc Bibl.، P.، 146، Meissner، Aitar، Privatrecht، No. 42. Schrader، K. A. T.، S.، 178. ff.
وذهب آخرون إلى أن الوطن الأول الأصل للساميين هو أرض "قفقاسية"؛ إذ كان البشر من ثلاثة أجناس أساسية، هي: الجنس القفقاسي "caucassides" والجنس المنغولي "mongoloids""الآسيويين"، والجنس الزنجي negroids. وقد قصدوا بالجنس القفقاسي أصحاب البشرتين البيضاء والسمراء، أي الآربيين والساميين. فوطن هذين الجنسين الأول هو "قفقاسية" على هذا الرأى. منه انتقل الساميون إلى أوطانهم الجديدة، بهجرتهم إلى الجنوب واستقرارهم فيما يقال له "الهلال الخصيب"، ثم فيما وراءه إلى السواحل الجنوبية لجزيرة العرب، ومنه انتقل الآريون إلى الجنوب الشرقي لقفقاسية وإلى الغرب والشمال، أي إلى آسية وأوروبة ثم إلى أماكن أخرى فيما بعد1.
وهجرات على هذا النحو، لا بد أن تكون لها أسباب ومسبّبات؛ إذ لا يعقل ترك إنسان لوطنه من غير سبب. وقد بحث القائلون بهذا الرأي عن الأسباب التي أدت إلى وقوع تلك الهجرات، فوضعوا لهم جملة فرضيات.
ظهر الساميون على مسرح الوجود في الألف الثالثة قبل الميلاد، واستقروا في هذه الأرضين التي اصطبغت بالصبغة السامية، وهي الهلال الخصيب وشبه جزيرة سيناء وجزيرة العرب، حيث تعدّ اليوم المواطن الرئيسية للساميين2.
وقد توسط بعض الباحثين بين الآراء المتباينة، عن الوطن الأول للجنس السامي، فذهب إلى أن الهلال الخصيب وأطراف جزيرة العرب هي الموطن الأول للساميين والميدان الذي وجدوا فيه منذ أقدم أيامهم، وقد كان هذا الميدان موضع صراع بين البداوة والحضارة، فقد كان البدو يهاجمون الحضر سكان القرى والمدن، والبدو هم من الساميين، وكثير من الحضر كانوا من الساميين أيضًا، ومن هذا التنازع على الحياة تكوّن تاريخ الساميين في هذه المنطقة الواسعة من الهلال الخصيب التي تُحِدُّها من الشرق والشمال والغرب الجبال والتي تمتد فتشمل كل جزيرة العرب3.
1 Sonia Cole، Races of man، British Museum {Natural History) . PP. 9.
2 Simon Dubnow، Weltgeschichte des Juedlschen Volkes، Bd.، I، S.، 3.
3 Ancient Iraq. PP.، 125.