الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد ذكر المسعودي أن قدوم أصحاب الفيل مكة، كان يوم أحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانية واثنين وثمانين سنة للإسكندر، وست عشرة سنة ومائتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة العدد1 "حجة الغدر"2، ولسنة أربعين من ملك كسرى أنوشروان3. ولم يشر المسعودي إلى العرب الذين أرَّخوا بالتقويم المذكور؛ غير أننا نستطيع أن نقول إن "المسعودي" قصد بهم أهل مكة، لأن حملة "أبرهة" كانت قد وجهت إلى مدينتهم، وأن الحملة المذكورة كانت حادثًا تاريخيًّا بالنسبة إليهم، ولذلك أرَّخوا بوقت وقوعها.
ويرى كثير من المستشرقين والمشتغلين بالتقاويم وبتحويل السنين وبتثبيتها، وفقًا لها، أن عام الفيل يصادف سنة "570" أو "571" للميلاد، وبذلك يمكن اتخاذ هذا العام مبدئًا نؤرخ به على وجه التقريب الحوادث التي وقعت في مكة أو في بقية الحجاز والتي أرخت بالعام المذكور.
1 "حجة العدد" مروج الذهب "1/ 282"، "حجة العدد"، مروج "2/ 170""تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد" ،سنة ثمان مائة واثنتين وثلاثين سنة للإسكندر، مروج "2/ 8""تحقيق محمد محيي الدين"
2 "حجة الغدر"، البدء والتاريخ "4/ 131 وما بعدها"
3 مروج "2/ 170""تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد""وسنة أربع وأربعين من ملك أنوشروان بن قباذ"، البدء والتاريخ "4/ 131".
2-
التوراة والتلمود والتفاسير والشروح العبرانية:
وقد جاء ذكر العرب في مواضع من أسفار التوراة تشرح علاقات العبرانيين بالعرب. والتوراة مجموعة أسفار كتبها جماعة من الأنبياء في أوقات مختلفة، كتبوا أكثرها في فلسطين. وأما ما تبقى منها، مثل حزقيال والمزامير؛ فقد كتب في وادي الفرات أيام السبي، وأقدم أسفار التوراة هو سفر "عاموس""amos"، ويظن أنه كتب حوالي سنة 750 ق. م1.
1 أحد الأنبياء، وكان راعيًا في "تقوع""تقوعة" مدينة صغيرة جنوبي يهوذا على بعد نحو "12" ميلًا من جنوب القدس. عاش في أيام عزيا ملك يهوذا ويربعام ملك إسرائل نحو سنة 800 ق. م. وسفر عاموس هو الثلاثون من أسفار التوراة، قاموس الكتاب المقدس "ترجمة الدكتور جورج بوست" 2/ 59
Hastings، Dictionary of the Bible، P. 147.
وسأرمز إليه بـ: Hastings
وأما آخر ما كتب منها، فهو سفر "دانيال""Daniel" والإصحاحان الرابع والخامس من سفر "المزامير". وقد كتب هذه في القرن الثاني قبل المسيح1.
فما ذكر في التوراة عن العرب يرجع تاريخه إذن إلى ما بين سنة 750 والقرن الثاني قبل المسيح.
وقد وردت في التلمود "Talmud" إشارات إلى العرب كذلك. وهناك نوعان من التلمود الفلسطيني أو التلمود الأورشليمي "yeruschalmi" كما يسميه العبرانيون اختصارًا، والتلمود البابلي نسبة إلى "بابل" بالعراق، ويعرف عندهم باسم "بابلي" اختصارًا.
أما التلمود الفلسطيني؛ فقد وضع، كما يفهم من اسمه، في فلسطين. وقد تعاونت على تحبيره المدارس اليهودية "academies" في الكنائس "الكنيس". وقد كانت هذه مراكز الحركة العلمية عند اليهود في فلسطين، وأعظمها هو مركز "طبرية""tiberias"، وفي هذا المحل وضع الحبر "رابي يوحان""rabbi jochanan" التلمود الأورشليمي في أقدم صورة من صوره في أواسط القرن الثالث الميلادي وتلاه بعد ذلك الأحبار الذين جاءوا بعد "يوحنان" وهم الذين وضعوا شروحًا وتفاسير عدة تكون منها هذا التلمود الذي اتخذ هيأته النهائية في القرن الرابع الميلادي.
وأما التلمود البابلي؛ فقد بدأ بكتابته –على ما يظهر- الحبر "آشي""rabbi ashi" المتوفى عام 430م، وأكمله الأحبار من بعده، واشتغلوا به
1 "التلمود""تعليم" Learning راجع عن التلمود المصادر الآتية:
Hastings، P.، 890، Ency. Britani.، Vol.، 21، P. 769، J.Z.
Iauterbacli، Mishna and W. Bacher، Talmud، In Jew. ESncy.، Funk، Entstehung-des Talmud، Leipzig، 1910، Rodkinson، History of the Talmud، New York، 1903، Strack، Einleitung in den Talmud، 1908.
ويتألف التلمود من "المشنة" mishnah، وهو الموضوع ومن "جمارة""كماره gemara". وهو التفسير. فالمشنة "التكرار" عبارة عن مجموعة تقاليد أعطيت لموسى حين كان على الجبل ثم تداولها هارون وإليعازر ويشوع، وسلموها للأنبياء ثم انتقلت عن الأنبياء إلى أعضاء المجمع العظيم وخلفائهم حتى القرن الثاني بعد المسيح حينما جمعها الحاخام "يهوذا" وكتبها، ومن ثم صار يعد جامعًا للمشنة. و"الجمارة""الكمارة""التعليم"، وهو مجموعة المناظرات والتعليم والتفاسير التي جرت في المدارس العالية بعد انتهاء المشنة، قاموس الكتاب المقدس "1/ 290، pirqee aboth، 1،1،
حتى اكتسب صيغته النهائية في أوائل القرن السادس للميلاد1. ولكل تلمود من التلمودين طابع خاص به، هو طابع البلد الذي وضع فيه؛ ولذلك يغلب على التلمود الفلسطيني طابع التمسك بالرواية والحديث. وأما التلمود البابلي، فيظهر عليه الطابع العراقي الحر وفيه عمق في التفكير، وتوسع في الأحكام والمحاكمات، وغني في المادة. وهذه الصفات غير موجودة في التلمود الفلسطيني2.
وبهذا يكمل التلمود أحكام التوراة، وتفيدنا إشارته من هذه الناحية في تدوين تأريخ العرب. أما الفترة بين الزمن الذي انتهى فيه من كتابة التوراة والزمن الذي بدأ فيه بكتابة التلمود؛ فيمكن أن يستعان في تدوين تاريخها بعض الاستعانة بالأخبار التي ذكرها بعض الكتاب، ومنهم المؤرخ اليهودي "يوسف فلافيوس""جوسفوس فلافيوس "josephUs flavius" الذي عاش بين سنة 37 و 100 للمسيح تقريبًا. وله كتاب باللغة اليونانية في تأريخ عاديات اليهود "Joudaike archaioloigia"، تنتهي حوادثه بسنة 66 للميلاد، وكتاب آخر في تأريخ حروب اليهود3 "peri tou JOUDIAKOU POLEMOU" من استيلاء "أنطيوخس أفيفانوس" "Antiochus epiphanos" على القدس سنة 170 قبل الميلاد، إلى الاستيلاء عليها مرة ثانية في عهد "طيطس" "titus" سنة 70 بعد الميلاد، وكان شاهد عيان لهذه الحادثة. وقد نال تقدير "فسبازيان" "vespasIan" و"طيطس" وأنعم عليه بالتمتع بحقوق المواطن الروماني4.
وفي كتبه معلومات ثمينة عن العرب، وأخبار مفصلة عن العرب الأنباط، لا نجدها في كتاب ما آخر قديم. وكان الأنباط في أيامه يقطنون في منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات، فتتاخم بلاد الشام، ثم تنزل حتى تتصل بالبحر الأحمر5. وقد عاصرهم هذا المؤرخ؛ غير أنه لم يهتم بهم إلا من ناحية علاقة الأنباط بالعبرانين، ولم تكن بلاد العرب عنده إلا مملكة الأنباط6.
1 Hastings، P.، 891.
2 Hastings، P.، 891.
3 Peri tou Joudalkon Polemou، De Bello Judiaco.
4 Harvey The Oxford Companion to Classical Literature، P.، 228، Simon Dubnow،
Weltgeschichte des Judischen Volkes، BD.، 2، s.، 83. «-، BD. 3، s.، 105، Ency.
Brita. Vol.، 13، P.، 153.
5 Josephus، AntiquiUes، BK.، XTV، Ch.، 14، I، The Jewish War، BK.، I، ch. 1. 3.
6 Ch. 4. 2.