الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: في كيفية الاستنجاء
قوله: والمسألة الثانية في كيفية الاستنجاء وجهان. أظهرهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه يمسح بكل حجر جميع المحل بأن يضع واحدًا على مقدم الصفحة اليمين فيمسحها به إلى مؤخرها ويريده إلى الصفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها إلى مقدمها فيرجع إلى الموضع الذي بدأ منه ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى ويفعل به مثل ذلك ويمر الثالث على الصفحتين والمسربة [إلى مؤخرها ويديره إلى الصفحة اليسرى فيمسحها به من مؤخرها إلى مقدمها فيرجع به ووجهه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وليستنج بثلاثة أحجار يقبل بواحد ويدبر بواحد ويحلّق بالثالث"(1).
والثاني قاله أبو إسحاق: إن حجرًا للصفحة اليمنى وحجرًا للصفحة اليسرى وحجرًا للوسط.
وحكى في التهذيب وجهًا ثالثًا وهو أنه يأخذ واحدًا يضعه على مقدم المسرية ويديره إلى مؤخرها ويضع الثاني على مؤخرها ويديره إلى مقدمها ويحلق بالثالث وكأنه أراد بالمسربة جميع الموضع، وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الأول والثاني جميع الموضع كأنه صفحة واحدة ويطبق الحجر الثالث على المنفذ، وبهذا فارق الوجه الأول فإنه على ذلك الوجه يطبق الحجرين الأولين ويمسح بالثالث جميع الموضع وهذا الخلاف [في الإيجاب على ما
(1) قال النووي في شرح المهذب: هذا غلط -أي قول الرافعي: هذا ثابت- والرافعي تبع الغزالي في الوسيط والغزالي تبع الإمام في النهاية والإمام قال: إن الصيدلاني ذكره وقد بيض له الحازمي والمنذري في تخريج أحاديث المهذب.
وقال ابن الصلاح في الكلام على الوسيط: لا يعرف ولا يثبت في كتاب حديث.
وقال النووي في الخلاصة: لا يعرف، وقال فى شرح المهذب: هو حديث منكر لا أصل له.
نقل عن الشيخ أبي محمد. وقال المعظم الخلاف في] (1) الأولوية لثبوت الروايتين جميعًا زاد في الروضة على هذا فقال: قلت: وقيل: يجوز العدول من الكيفية الثانية إلى الأولى دون عكسه -والله أعلم- انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره الرافعي في الوجه الأول أن الإدارة فيه تكون عند ابتداء الصفحة اليسرى لم يتعرض له في "الروضة" بل أوهم كلامه غير المراد فإنه عبر بقوله أصحهما يمسح بكل حجر جميع المحل فيضعه على مقدم الصفحة اليمنى ويديره على الصفحتين إلى أن يصل موضع ابتدائه، هذه عبارته. إلا أن ما ذكره بعد ذلك في الكلام على الإدارة ظاهره مخالف المذكور هنا.
الأمر الثاني: أنه لم يبين تفصيل الكيفية على قول أبي إسحاق، وقد اختلفوا في ذلك فقال الماوردي: وقال أبو إسحاق: إنه يمسح بالحجر الأول الصفحة اليمنى من مقدمها إلى مؤخرها ويمسح بالحجر الثاني الصفحة اليسرى من مؤخرها إلى مقدمها، ثم يمسح بالثالث جميع المحل وهو المسربة وقال البغوي في التهذيب قال أبو إسحاق: يأخذ حجرًا يضعه على مقدم صفحته [اليمنى ويدير إلى مؤخرها ثم يأخذ الثاني فيضعه على مقدم صفحته](2) اليسرى ويدير إلى مؤخرها انتهى وهذا بالنسبة إلى الحجر الثاني عكس ما نقله عنه الماوردي.
واعلم أن ما نقله عنه الماوردي أيضًا من أن الحجر الثالث يكون لجميع المحل قد صرح به أيضًا في التتمة فقال: وقال أبو إسحاق: يستعمل حجرًا في الصفحة اليمنى وحجرًا في الصفحة اليسرى وحجرًا يمسح به الجميع،
(1) سقط من أ.
(2)
سقط من جـ.
هذا لفظه. وذلك يخالف ما نقله عنه الرافعي من تخصيص الثالث بالوسط.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من ثبوت الحديثين غريب، فإن الحديث الأول ليس بثابت ولا يعرف في كتب الحديث، كذا قاله ابن الصلاح في مشكل الوسيط وتابعه عليه المصنف في "شرح المهذب" وغيره. وأما الثاني فرواه الدارقطني والبيهقي عن سهل بن سعد الساعدي وقالا: إسناده حسن ولفظه: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربة.
الأمر الرابع: في ضبط المسربة، اعلم أن المعروف في اللغة أن المسربة لا تطلق على مجرى الغائط وإنما تطلق على الشعر المستدق المستطيل من الصدر إلى السرة، ويقال حينئذ بفتح الراء وضمها حتى أن الجوهري في "الصحاح" وابن سيده في "المحكم" والقزاز في "جامعه" وأمثالهم في التصانيف الكبار المعتمد عليها لم يطلقوا المسربة على مجرى الغائط بالكلية.
نعم: ذكر الصغاني في "العباب" أن المسربة بالفتح مجرى الغائط وبالوجهين الشعر المذكور وذكر ابن الأثير في النهاية أن الشعر المشار إليه يقال فيه مسرُبة بالضم وأن مجرى الغائط يقال بالفتح والضم قال: كأنه من السرب وهو المسلك وما ذكره مخالف لكلامهم من وجهين ظاهرين، وقد اغتر النووي بهذا فجزم في "لغات التنبيه" بأن مجرى الغائط يجوز فتحها وكسرها ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" على وجه عجيب فقال: والمسربة مجري الغائط وهو بضم الراء، وقيل: يجوز فتحها هذا لفظه.
الأمر الخامس: أن هذا الذي حكاه في "الروضة" من زوائده، واقتضى كلامه أنه وجه ثالث نقله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" عن الغزالي بحثًا وكذلك نقله هو في "شرح المهذب" فقال: وقال الغزالي في درسه ينبغي
أن يقال من قال بالأول لا يجيز الثاني، ومن قال بالثاني يجيز الأول هذه عبارته.
قوله: ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بقرب النجاسة لأنه لو وضعه عليه لأبقى شيئًا منها ونشرها وحينئذ يتعين الماء ثم إذا انتهى إلى النجاسة أراد الحجر قليلًا قليلًا حتى يرفع كل جزء منه جزءًا من النجاسة، فلو أمره من غير إدارة ونقل النجاسة من موضع إلى موضع تعين الماء، وإن لم ينقل فقيل: لا يجزئه لأن الجزء الباقي من المحل يلقى ما تنجس من الحجر، والاستنجاء بالنجس لا يجوز والأظهر الجواز؛ لأنه تضييق لباب الرخصة. انتهى.
وما ذكره من أنه يشترط الوضع على موضع طاهر وأنه يضر النقل الحاصل من عدم الإدارة قد تابعه في "الروضة" عليهما ثم خالفهما في "شرح المهذب" فقال بعد نقل هذه الكيفية ما نصه هكذا ذكره إمام الحرمين والغزالي والرافعي وغيرهم، ولم يشترط العراقيون شيئًا من ذلك وهو الصحيح، فإن اشتراط ذلك تضييق للرخصة غير ممكن إلا في نادرٍ من الناس مع عسر شديد، وليس لهذا الاشتراط أصل في السنة هذا كلامه.
وما أطلقه في "شرح المهذب" عن الإمام ليس كذلك، فقد قال في "النهاية": والمقتصر على الأحجار لو كلف ألا ينقل النجاسة في محاولة رفعها لكان ذلك تكليف أمر يتعذر الوفاء به فيجب العفو عن القدر الذي تعسر الاحتراز منه مع رعاية الاحتياط، وهذا لم أره منصوصًا ولكن لابد منه، هذا كلامه.
قوله: لأن مس الذكر باليمين مكروه. انتهى.
لم يتعرض في "الروضة" للكراهة بل اقتصر على استحباب مسكه باليسار.
قوله: الخامسة الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر أو ما في معناه فقد أثنى الله تعالى على أهل قباء بذلك وأنزل فيه قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} (1) الآية، وفيه من طريق المعنى أن العين تزول بالحجر والأثر بالماء فلا يحتاج إلى مخامرة عين النجاسة وهي محمومة. انتهى كلامه.
فيه أمور:
الأول: أن فحوى كلامهم تصويرًا وتعليلًا يدل على أن استحباب الجمع يختص بالغائط، وقد رأيته مجزومًا به في "كتاب محاسن الشريعة" للقفال الكبير الشاشي وهو ظاهر فتأمله، لكن رأيت في "التقريب" لسليم الرازي التصريح بأنه لا فرق، ورأيت في "عقود المختصر" للغزالي نحوه أيضًا.
الأمر الثاني: أن المعنى وسياق كلامهم يدلان على الاكتفاء في هذا الاستحباب بما دون ثلاثة أحجار إذا حصلت إزالة العين.
الثالث: إذا لم نجوز الحجر في المجاوز والنادر ففي كلام "المهذب" وشرحه إشارة إلى أنه لا يستحب الجمع والمتجه الاستحباب. ويلزم القول به أيضًا في سائر النجاسات نظرًا للمعنى السابق.
الرابع: أن التعليل بقلة مخامرة النجاسة يقتضي أنه لا تشترط الطهارة في هذا الحجر خصوصًا عند فقدان الطاهر، وقد رأيت التصريح بعدم اشتراطه مطلقًا في كتاب "الإعجاز" للجيلي نقلًا عن الغزالي في بعض كتبه.
الخامس: أن هذا الحديث الذي ذكره الرافعي قد رواه البزار في مسنده من رواية ابن عباس لكن بإسناد ضعيف (2) ولفظه: "فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم
(1) سورة التوبة (108).
(2)
قال الهيثمي: فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما وهو الذي أشار بجلد مالك.
عن ذلك فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء"، وأنكر النووي في "شرح المهذب" هذه الرواية فقال: هكذا رواه الفقهاء في كتبهم وليس له أصل في كتب الحديث، بل المذكور فيها أنهم قالوا: كنا نستنجي بالماء (1). وليس فيها مع الحجر، كذا رواه جماعة منهم الإمام أحمد في مسنده وابن خزيمة في صحيحه. هذا كلامه.
قوله في "الروضة": وأما الرجل فمخير في فرجيه بين الماء والحجر وكذا المرأة البكر، وبهذا الثيب، فإن مخرج بولها فوق مدخل الذكر والغالب أنها إذا بالت نزل البول إلى مدخل الذكر، فإن تحققت ذلك تعين الماء وإلا جاز الحجر على الصحيح. انتهى كلامه.
والإتيان بلفظ كذا في الثيب فاسد، وصوابه أن يقول: وأما الثيب بلفظ أما فإن التعليل الذي بعده لا يلائمه أصلًا، وكلام الرافعي رحمه الله مستقيم فإنه عبر بأما كما ذكرته، والعلة في تعيين الماء عند التحقق هو الانتشار وعلله في "الكفاية" بعد هذا بقليل بكون الحجر لا يأتي على ذلك.
قوله -عقب ذلك-: ثم القدر المغسول من الرجل ظاهر ومن المرأة ما يظهر إذا جلست على القدمين، وفي وجه تغسل الثيب باطن فرجها كما تخلل أصابع رجليها؛ لأنه صار ظاهرًا بالثيابة. انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول هذه المسألة المختلف فيها إن كانت مع تحقق إيصال الماء فكيف يسوي بين البكر والثيب في الاقتصار على غسل ما يظهر عند الجلوس؟ وأيضًا فكيف يجب الماء مع أن الحجر يأتي على هذا المقدار ولهذا
(1) أخرجه ابن ماجه (355)، والحاكم (3277) والبيهقي في "الشعب"(2747) والبخاري في "التاريخ الكبير"(1/ 18) والدارقطني في "العلل"(1604) من حديث أنس وصححه الألباني.
قال في "شرح المهذب": قال الشافعي والأصحاب: ويلزم الثيب أن توصل الحجر إلى الموضع الذي يجب إيصال الماء إليه في غسل الجنابة وهو ما يظهر عند جلوسها على قدميها هذا كلامه وإن لم يكن مع تحقق إيصال الماء فالواجب غسل المنفد فينبغي أن يتأمل وقد أبرزنا ما في غضونه من الإشكال فإن لاح للناظر أمر فهو مستند لما ذكرته. ولعلنا نزداد فيه علمًا.
قوله من زياداته: فإن قدم الوضوء أو التيمم على الاستنجاء صح الوضوء دون التيمم في أظهر الأقوال.
والثاني: يصحان.
والثالث: لا يصحان. انتهى كلامه.
والفرق بينهما كما قاله الأصحاب ومنهم الشيخ في "المهذب": إن الوضوء يرفع الحدث وارتفاعه يحصل مع قيام المانع، وأما التيمم فلا يرفع الحدث ولكن يبيح الصلاة ولا استباحة مع قيام المانع، وإذا كان هذا هو المدرك لزم استثناء وضوء دائم الحدث، وألا يصح فعله قبل الاستنجاء لكونه لا يرفع الحدث على المذهب، كما نقله في "الروضة" من زياداته قبيل باب المستحاضات.