الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النظر الثالث في حكم المسح
قوله: وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان: قال في القديم: لا، لما روى ابن عمارة وكان ممن صلى للقبلتين قال: قلت: يا رسول الله أمسح على الخف، قال:"نعم"، قلت: يومًا، قال:"ويومين" قلت: وثلاثة أيام، قال:"نعم وما شئت"(1).
وقال في الجديد يتقدر في حق المقيم بيوم وليلة في حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن لحديث صفوان بن عسال كما تقدم. انتهى.
واعلم أن التعبير بقوله: و"لياليهن" هو التعبير الموجود في الأحاديث وفي كتب الأصحاب أيضًا وليلة اليوم هي الليلة السابقة عليه فلا يكون مقتضى اللفظ جواز مسح ثلاث ليال مطلقًا؛ بل جواز مسحها إن كانت ليالي تلك الأيام، وحينئذ فقد يتفق استباحة الثلاث كما إذا أحدث عند الغروب وقد يتفق له استباحة الثلاث كما إذا أحدث عند الغروب وقد يتفق ذلك في ليلتين كما إذا أحدث عند الفجر وهذا هو مقتضى اللفظ الوارد في
(1) أخرجه أبو داود (158)، وابن ماجة (557)، والحاكم (607)، والدارقطني (1/ 198)، والطبراني في "الكبير"(545)، وفي "الأوسط"(3408)، وابن أبي شيبة (1/ 163)، والبيهقي في "الكبرى"(1240)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(2145) من حديث أبي بن عمارة رضي الله عنه.
قال أحمد: حديث أبي بن عمارة ليس معروف الإسناد.
وقال ابن معين: إسناده مظلم.
وقال البخاري: أبي بن عمارة له صحبة يقال ذلك وحديثه في المسح إسناده مجهول لا يروي عن غيره ولا يصح.
وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس هو بالقوي.
وقال الدارقطني: هذا الإسناد لا يثبت.
وقال الألباني: ضعيف جدًا.
الحديث وفي كتب الأصحاب فاعلمه.
غير أن الرافعي لما تكلم على غاية ما يمكن المسح له من الصلوات مثل بمثال يؤخذ منه جواز مسح ثلاث ليال مطلقًا.
ولقائل أن يقول له: الدليل قائم على امتناع ما قلت فما الدليل على ما ذهبت إليه، وما جوابك عما قلناه؟
وحديث صفوان صحيح كما تقدم، وأما حديث أبي بن عمارة فرواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم من أهل السنن واتفقوا على أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به.
وعمارة بكسر العين وضمها والكسر أشهر، وخالف ابن عبد البر فقال: إن الضم قول الأكثرين قالوا: وليس في الأسماء عمارة بكسر العين غير هذا.
قوله: وتعبير الرافعي ابتداء المدة من وقت الحدث بعد اللبس ونقل عن أحمد وداود أن ابتداءها من وقت المسح. دلنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصلاة وغيره. انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي مشهور في كتب المتقدمين من أصحابنا والمتأخرين وهو صريح في أنه لا يجوز لماسح الخف أن يجدد الوضوء قبل الحدث لكن جزم النووي في "شرح المهذب" بالاستحباب فضلًا عن الجواز، فإنه قال في الاستدلال على أن ابتداء المدة من حين الحدث، واحتج أصحابنا بأنه إنما يحتاج إلى الترخص بالمسح من حين يحدث، وهذا
فاسد فإنه يحتاج بمجرد اللبس لتجديد الوضوء.
واعلم أنه إذا لبسه ثم أراد تجديد الوضوء قبل أن يحدث جاز له المسح، ولا تحسب عليه المدة حتى يحدث هذا لفظه،
وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" أن مقتضى القياس المتقدم منع اللابس من التجديد قال: ولا شك في كونه مكروهًا وكلامه يقتضي أنه لا فرق بين ما قبل الحدث وما بعده والذي دل عليه تعليل الأصحاب إنما هو المنع فيما قبل الحدث كما فرضناه.
وهذا الذي نقله الرافعي عن أحمد وداود قد نقله في "شرح المهذب" عن أبي ثور وابن المنذر من أصحابنا ثم قال أعني النووي: إنه المختار لأنه مقتضى أحاديث الباب الصحيحة انتهى.
وأما ما جاء في رواية عن صفوان بعد قوله: "وبول من الحدث" إلى الحدث فخرجها القاسم بن زكريا المطرز لكنها لم تثبت.
قوله: ولو أحدث في الحضر ومسح في السفر فإنه يمسح مسح مسافر خلافًا للمزني حيث قال: يمسح مسح مقيم ولنا أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصحيح. انتهى.
واعلم أن هذا النقل عن المزني قد أنكره جماعة منهم القاضي أبو الطيب فقال ما نصه: نقل الداركي عن المزني أنه يمسح مسح مقيم وليس بصحيح ومذهبه كمذهبنا.
فإن قيل: استدلال الرافعي على المزني بالقياس على جواز القصر في هذه الحالة أيضًا مردود ففي "المهذب" في صلاة المسافر نقلًا عنه أيضًا أنه لا يجوز [القصر](1) بل يجب الإتمام.
(1) سقط من جـ.
فالجواب أن مذهب المزني في القصر هو الجواز كما نقله عنه الرافعي؛ لأن الشيخ في "المهذب" قد نقل هناك عنه أن فائتة الحضر يباح قصرها في السفر. فإذا كان مذهبه جواز القصر إذا مضى جميع الوقت في الحضر [فالأولى](1) جوازه إذا مضى مقدار الصلاة [وأما ما نقله الشيخ عن المزني في هذه الحالة أي فيما إذا مضى مقدار الصلاة](2) فإن المزني قاله تخريجًا من وجوب القضاء على المرأة إذا حاضت بعد إمكان فعل الصلاة فقال: قياس قول الشافعي أنه يلزمه الإتمام هكذا صرح به جماعة ونقله ابن الرفعة عنه فالمزني إنما قاله: إلزامًا لأن المسألتين عنده متشابهتان ولم يقل ذلك مذهبًا ثم إن المزني لما وافق في مسألة طرآن الحيض بعد إمكان فعل الصلاة لزمه أن يقول: ليس له القصر؛ لأن المسألتين عنده متناظرتان فلذلك احتج عليه الرافعي بالقياس على القصر.
قوله: ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين وكذا لو انعكس الحال وقال المزني: كل يوم وليلة في السفر [تقابل بثلث يوم وليلة في الحضر؛ فإن مسح يومًا وليلة في السفر](3) ثم أقام فله ثلثًا يوم وليلة وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلث يوم وليلة. انتهى كلامه.
واعلم أن البندنيجي قد ذكر في "تعليقه" مذهب المزني محررًا وستر ما ذهب إليه فقال: حكى أبو العباس يعني ابن سريج عن المزني أنه قال: إذا كان مقيمًا ثم سافر أو مسافرًا ثم أقام بنى إحدى المدتين على الأخرى [ويقسط](4) ذلك على الزمان فإن كان مقيمًا فمضى من مدة الإقامة ثلثها
(1) في جـ: فالأول.
(2)
سقط من أ، ب.
(3)
سقط من جـ.
(4)
فى أ، ب. وتقسيط.
من حين الحدث ثم سافر له أن يمسح بعد أن حصل مسافرًا يومين وليليتن ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقى من مدة الحضر وهو ثلثًا يوم وليلة [فإنه بقى له الثلثان من مدة المسح وقد صار الآن مدة مسافرين وإن كان مسافرًا يوم وليلة](1) ثم حضر فقد مضى له ثلث مدة السفر فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر انتهى.
وكلام الرافعي منطبق عليه في الصورتين فتأمله إلا إنه لم يمثل إلا لطرآن الإقامة على السفر، وقد اختصره في "الروضة" على صورة تقتضي أن خلاف المزني إنما هو في الثانية خاصة فإنه حذف الضابط، واقتصر على المثال ولكنه عبر عنه أعني عن المثال بتعبير حسن أخذه من مشكل الوسيط لابن الصلاح فقال: وقال المزني: يمسح ثلث ما بقى من ثلاثة أيام ولياليهن مطلقًا هذا لفظه من غير زيادة عليه ولا يمكن عوده إلا إلى الثانية فقط.
قوله: الغاية الثانية نزع الخفين أو إحداهما فإن وجد ذلك وهو على طهارة مسح لزمه غسل الرجلين وفي استئناف الوضوء قولان؛ أظهرهما أنه لا يلزمه. انتهى ملخصًا.
واحترز بالمسح عن طهارة الغسل ويدخل في ذلك مسائل.
الأولى: إذا لم يحدث قبل النزع وهو واضح.
الثانية: إذا أحدث ولكن توضأ وغسل رجليه في الخف وطهارته كاملة ولا يلزمه شئ بلا خلاف وله أن يستأنف لبس الخف بهذه الطهارة كذا ذكره في "شرح المهذب" وأشار بقوله: وله أن يستأنف إلى وجوب [نزعها](2) إذا أراد المسح حتى لو كان المقلوع واحدة فقط فلابد من نزع الأخرى وهو كذلك.
الثالثة: إذا كان على طهارة المسح ولكن اتفق أن غسل رجليه في الخف
(1) سقط من جـ.
(2)
في أ، ب: نزعه.
قبل النزع أو غسلهما قبل انقضاء المدة والمنقول في هذه المسألة أن الغسل المذكور لا أثر له بعد النزع والانقضاء لأن فرض الرجل قد سقط بالمسح فلم يكن الغسل على اعتقاد الفرض كذا ذكره البغوي في فتاويه ثم قال: ويحتمل خلافه وهي مسألة نفيسة، وما ذكره فيها متجه.
قوله: واختلفوا في أصل القولين المذكورين، فقيل: إنهما أصل [بأنفسهما](1) وقيل: مبنيان على تفريق الوضوء، وقيل: على أن بعض الطهارة هل تختص بالانتقاض، وقيل على أن مسح الخف هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا، فإن قلنا يرفع استأنف وإلا فلا، وهذه طريقة القفال والشيخ أبي حامد وأصحابهما، وهو ما أورده الغزالى. انتهى ملخصًا.
ومقتضى كلامه أن الأكثرين على ترجيح طريقة البناء على رفع الحدث، وقد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" ولم يصح في "الروضة" شيئًا لكنه صحح في "شرح المهذب" أنهما أصلان بنفسهما ولهذا صحح فيه وفي "الروضة" من زوائده أن مسح الخف يرفع الحدث لكن تصحيح الرافعي في الشرح أن القولين مبنيان على رفع الحدث مع تصحيحه لوجوب غسل الرجلين يلزم منهما أن يكون الأصح عنده أن مسح الخف لا يرفع الحدث على خلاف ما صححه النووي في "الروضة" وغيرها فاعلمه.
قوله: من "زياداته": ولو خرج الخف عن صلاحية المسح لضعفه أو لخرقه أو غير ذلك فهو كنزعه. انتهى.
ومسألة التخرق ذكرها الرافعي وكررها في مواضع عديدة في الكلام على فوائد الخلاف في أن الجرموق إذا جوزنا المسح عليه يتنزل منزلة البطانة أو غيرها.
(1) في جـ بنفسيهما.