الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث في الماء الجاري
قوله: قال الغزالي: النهر المعتدل إذا وقعت فيه نجاسة مائعة لم تغيره فطاهر؛ إذ الأولون لم يحترزوا عن الأنهار الصغيرة.
قال الرافعي في شرحه له: كلام الغزالي هنا في الماء القليل وكأنه اختيار للقول القديم الذي حكاه صاحب "التلخيص" وغيره أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وذلك القول قد اختاره طائفة من الأصحاب ووجهوه بشيء آخر غير ما ذكره في الكتاب، وهو أن الماء الجاري وارد على النجاسة فلا ينجس إلا بالتغير كالماء الذي زالت به النجاسة. انتهى كلامه ملخصًا من تفرق كبير.
وكلامنا معه موقوف على مقدمة.
فنقول: اختلف الأصحاب في محل القديم فقال في "التتمة": محله في الماء الذي يجري على النجاسة الواقفة وينفصل عنها، وقال: إن صاحب "التلخيص" رواه هكذا على القديم.
وقال القاضي أبو الطيب: محله في الجرية التي اشتملت على نجاسة جامدة تجري بجريان الماء لا قبلها ولا بعدها.
وكذا ذكره في "المهذب".
وقال الخوارزمي محله في النجاسة المائعة التي [لم](1) تغير الماء.
وقال في "شرح المهذب": القديم جار في المائعة والجامدة الواقفة والجارية.
والحق: ما قاله في "التتمة" لاسيما وقد نقلوه صريحًا عن تصوير الشافعى، وتعليل الرافعي يدل له أيضًا، واستبعد في "الكفاية" تصوير
(1) سقط من أ.
القاضي قال: لأن الجرية شبيهة بالماء الراكد.
إذا علمت ذلك فقد صرح الغزالي عقب هذا بأن القليل المار على النجاسة نجس، وألحق أيضًا الجارية بالجامدة وسأذكر لفظه عقب هذا، وحينئذ فيبطل قول الرافعي: إنهم وجهوه بأن الجاري وارد على النجاسة إلى آخره، فإن هذا تعليل ممن صور القديم بالماء المار عليها، وأخذ الرافعي حكمًا من قائل وتعليلًا من آخر، فلزم الجمع بين متنافيين، وهذا كله نشأ من تنزيل الرافعي كلام "الوجيز" على اختيار القديم.
قوله: في المائعة أيضًا وهذا إذا لم تغير الماء حسًا أو تقديرًا فإن غيرته فالقدر المتغير نجس وحكم غيره معه كحكمه مع النجاسة الجامدة. انتهى كلامه.
وقد سبق في الماء الراكد أنه إذا تغير بعضه تنجس جميعه على ظاهر المذهب وحكى وجهًا موافقًا لما جزم به هاهنا.
وقد ذكر هو وغيره أن كل جرية من الماء الجاري لها حكم ماء مستقل فلزم حينئذ أن تكون المسألتان على حد سواء، وقد صرح هو به بعد هذا في آخر الفصل فقال: الثالث قضية كلام الأكثرين تلويحًا وتصريحًا أنه لا فرق بين الحريم وغيره لا في الماء الراكد ولا في الجاري؛ لأنه إن كان طاهرًا فلا معنى لوجوب الاجتناب، وإن كان نجسًا فليزمه نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتى يتعدى إلى جميع الراكد وإلى جميع الجاري مما في عرض النهر هذه عبارته.
قوله: قال الغزالي: وإن كانت جامدة فإن كانت تجري بجريان الماء فما فوق النجاسة وهو الماء الذي لم يصل إلى النجاسة وما تحتها وهو الذي لم تصل النجاسة إليه طاهر، وما على يمينها وشمالها فيه طريقان: قيل: بطهارته، وقيل: بتخريجه على قولي التباعد.
وإن كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق إلا أن ما يجري على النجاسة وينفصل عنها فهو نجس فيما دون القلتين. انتهى كلام الغزالي.
وفيه أمور:
أحدهما: أن ما ذكره من طهارة الجريان التي بعد النجاسة والتي قبلها قد وافقه عليه الرافعي والنووي، وإطلاقه لا يستقيم، كما نبه عليه البغوي في "التهذيب"، ونقله عنه في "شرح المهذب" فقال: إن الجرية التي تعقب جرية النجاسة تغسل المحل فهي في حكم غسالة النجاسة.
والذي قاله البغوي ظاهر متعين حتى لو كانت نجاسة مغلظة فلابد من سبع جريات عليه، ثم إن ما عدا السابعة من تلك الجريات نجس أيضًا على تفاوت بين تلك الغسلات في عدد ما يجب الغسل منها وهو مذكور في حكم غسالة الكلب واضحًا فليراجع منه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر عقب هذا أن منهم من أجرى خلاف التباعد فيما بعد النجاسة دون ما قبلها؛ لأن ما بعدها مستمد مما قبلها، وإن في كلام العراقيين ما يقتضي طرده في جميع الجوانب وهاتان الطريقتان لم يذكرهما في "الروضة".
الأمر الثالث: أن الطريقتين اللتين فيما على جانبي النجاسة لم يصحح الرافعي منهما شيئًا في هذا الكتاب وتبعه عليه في "الروضة" وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة التخريج وعبر بالأظهر، وصحح النووي في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" طريقة القطع، وهو الصواب فقد نقلها في "النهاية" عن الأكثرين.
وصرح -أعني الإمام- بأن الخلاف المذكور محله في الباقي من هذه
الجرية لا من غيرها، والطريقتان المذكورتان وهما الساقطتان من "الروضة" جاريتان أيضًا كما قاله الرافعي فيما يسامت النجاسة في العمق أو على وجه الماء.
الأمر الرابع: أنا قد استفدنا من لفظ الغزالي المذكور في أول المسألة أن الماء القليل إذا كان جاريًا لا ينجس إذا كانت النجاسة مائعة. أو جامدة تجري بجريانه وأنه ينجس إذا كانت النجاسة جامدة وهو يمر عليها.
إذا تقرر هذا، فقد اعترض الرافعي في آخر الفصل على الغزالي فقال: إنه: لا يمكن أن تكون مسائل الفصل مفروضة في القليل وإلا كان خلاف التباعد جاريًا فيما على يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد، بل الوجه الحكم بالنجاسة عند القلة، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره. هذه عبارته.
وقد ظهر لك أن الاعتراض مردود وأن كلام الغزالي على العكس مما توهمه.
قوله: أما النهر العظيم فيجتنب فيه حريم النجاسة خاصة ولا يعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في التباعد عما حوالي النجاسة في النهر المعتدل، كذا قاله الغزالي في "الوجيز" وحكى في [البسيط](1) وجهًا أنه [لا](2) يجري خلاف التباعد فيه أيضًا، ووجهًا آخر أنه لا يجب اجتناب الحريم ثم ذكر في "الوجيز" أن هذا الحريم مجتنب في الماء الراكد، وجزم في "البسيط" بأنه لا يجتنب وفرق بينه وبين الماء الجاري على أحد الوجهين بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم، فكما يجوز الاغتراف مما بعد النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها.
(1) فى أ: الوسيط.
(2)
سقط من جـ.
ثم قال: وقضية كلام الأكثرين تصريحًا وتلويحًا أنه لا فرق -أى في عدم الوجوب- بين الحريم وغيره لا في الماء الراكد ولا في الجاري. انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح جريان [خلاف](1) التباعد في النهر العظيم على وفق الوجه المنقول عن "البسيط" مخالفًا لما جزم به في "الوجيز"، فقد صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بأن الأكثرين قالوا به ونقل الفرق عن الإمام والغزالي خاصة، وصحح النووي في أصل "الروضة" الفرق بينهما كما قاله في "الوجيز" فاعلمه واجتنبه، فإن الرافعي لم يصحح في "الكبير" شيئًا، وقد بين في "الصغير" أن الأكثرين على خلافه.
وسبب وقوع النووي فيما وقع فيه أن الرافعي ذكر في أول الفصل أنه يشرح كلام الغزالي على ما هو عليه إلى آخر الفصل، ثم يتعقبه فلم يتعقب هذا ولا التزم القول بما فيه على ما هو عليه إلى آخر الفصل فلم يستحضر النووي حالة الاختصار ما قدمه أو استحضره فظن بسكوته عليه أنه المعروف فوقع فيما وقع.
ولا شك أن سكوت الرافعي وهم، ولم يتعرض في "شرح المهذب" لشيء من هذا بالكلية.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد اختصر موضع الخلاف بقوله: وفيه وجه: أنه يجب اجتناب الحريم خاصة وبه قطع الغزالي وطرده في حريم الراكد أيضًا. هذه عبارته من غير زيادة عليها.
فدعواه أن الغزالي قطع به عجيب، فإن الرافعي قد نقل عنه أنه ذكر الخلاف في "البسيط"، وأما في "الوجيز" فإنه جزم ولم يقطع.
(1) سقط من أ.
وقد تقدم في الخطبة أن الرافعي قد فرق بينهما.
ثم إن النووي قد أوهم كلامه أيضًا [القطع](1) بذلك في الراكد، مع أن الرافعي قد نقل عنه أنه جزم في "البسيط" بعدم وجوب الاجتناب كما تقدم، فليته اقتصر على الحذف من الأصل ولم يزد فيدعي القطع.
قوله: ولابد من بيان العظيم والحريم، أما العظيم فقد قال الغزالي: إنه الذي يمكن التباعد فيه عن كل جانب من جوانب النجاسة بقدر قلتين والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك.
وقال الإمام: المعتدل هو الذي يفرض تغيره بالنجاسات المعتادة، والعظيم هو الذي يمكن تغيره بها.
قال: والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي، وأما الحريم فقال الغزالي: ما يتغير شكله بسبب النجاسة؛ أي بتحريكه إياها وانعطافه عليها والتفافه بها. انتهى.
وهذا الخلاف الذي ذكره في "تفسيره العظيم" لم يصحح منه شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح في "الروضة" ما قاله الغزالي ولم ينبه على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله من زياداته: ولو توضأ من بئر ثم أخرج منها دجاجة منتفخة لم يلزمه أن يعيد صلاته إلا ما تيقن أنه صلاها بالماء النجس ذكره صاحب "العدة". انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي اقتضى كلامه أن الرافعي لم يذكرها واقتصر على نقلها عن صاحب "العدة" قد ذكرها الرافعي في قاعدة شاملة لها ولغيرها من النجاسات في شروط الصلاة في الضرب الخامس.
(1) سقط من أ، ب.