الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني في المستحاضات
قوله: وبما تعتبره القوة والضعف فيه وجهان:
أحدهما: إن الاعتبار بمجرد اللون. ثم قال: والوجه الثاني وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم أن القوة تحصل بإحدى خصال ثلاث: اللون، والرائحة الكريهة والثخانة.
وقد ورد في صفة دم الحيض أنه أسود محتدم بحراني ذو دفعات، والمحتدم: هو الحار الذي يلذع البشرة ويحرقها بحدته، وقيل المحتدم: هو الضارب إلى السواد، والبحراني: هو الشديد الحمرة يقال: أحمر بحراني وباحري. انتهى.
وما ذكره عن العراقيين غريب، فإن الشيخ أبا حامد شيخهم لم يعتبر في "تعليقه" غير اللون، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" و"التنبيه" والماوردي في "الحاوي" وابن الصباغ في "الشامل" والمحتدم بحاء ودال مهملتين، وما ذكره الرافعي في تفسيره ذكره الفقهاء في كتبهم قالوا: وهو مأخوذ من احتدام النهار وهو شدة حره، والمشهود في كتب اللغة أن المحتدم هو الذي اشتدت حمرته حتى اسود، والفعل منه احتدم.
والبحرانى: الشديد الحمرة ينسب إلى البحر لصفاء لونه بخلاف دم الفساد؛ لأنه يخرج من قعر الرحم كما يخرج الماء من قعر البحر، حكاه البندنيجي وقيل: لأنه يخرج بسعة تدفق كماء البحر.
قوله: وإذا وجد بعد القوي ضعيفان كما إذا رأت خمسة سوادًا ثم خمسة حمرة ثم أطبقت صفرة فطريقان:
أحدهما: القطع بإلحاق الحمرة المتوسطة بالقوي قبلها؛ لأنهما قويان بالإضافة إلى ما بعدهما.
والثاني وجهان:
أحدهما: هذا.
والثانى: إلحاقها بالضعيف بعدها احتياطًا للعبادات. انتهى ملخصًا.
لم يصح شيئًا في "الروضة" أيضًا والراجح إلحاقها بما بعدها فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أشبه الوجهين وصحح في "شرح المهذب" و"التحقيق" وغيرهما طريقة القطع به.
قوله: فلو رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادًا فالصحيح أن حيضها السواد ثم قال: فإذا عرفنا على هذا، فلو رأت المبتدأة خمسة عشرة حمرة ثم خمسة عشر سوادًا تركت الصوم والصلاة في جميع هذه المدة، قال الأئمة: ولا يتصور مستحاضة تدع الصلاة شهرًا كاملا، إلا هذه وزاد المتولي فقال: ولو زاد السواد على الخمسة عشر فقد فات شرط التمييز، وحكمها أن نرد من أول الأحمر إلى يوم وليلة على قول وإلى ست أو سبع على قول فتؤمر بترك الصلاة أيضًا هذه المدة فهذه امرأة تؤمر بتركها ستًا وثلاثين أو سبعًا وثلاثين. انتهى ملخصًا.
وسياقه يقتضي أن هذه الأيام هي أقصى ما يمكن فيه الترك، وقد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك، فقد تؤمر بالترك في أضعاف ذلك كما إذا رأت خمسة عشر كدرة ثم صفرة كذلك [ثم شقرة كذلك](1) ثم حمرة كذلك فإنها تؤمر بالترك في كل واحد من هذه الدماء لأن العلة المذكورة في الثلاثين وهي قوة المتأخر على المتقدم مع رجاء انقطاعه موجودة
(1) سقط من جـ.
فيه بل إن اعتبرت بقية أنواع التمييز كالرائحة والثخانة فتزيد أيضًا المدة.
قوله: إذا بلغت الأنثى سن الحيض وبدأها الدم لزمها أن تترك الصلاة والصوم كلما ظهر الدم، ولا يأتيها الزوج، ثم لو انقطع لما دون أقل الحيض بان أنه لم يكن حيضًا فيقتضي الصلاة والصوم. انتهى.
واعلم أن النووي رحمه الله قد استثنى في "شرح المهذب" من قضاء الصوم ما إذا كان أمسكت قال: فإنه لا قضاء عليها، وما ذكره رحمه الله يحتاج إلى تصوير فإن لقائل أن يقول: كيف يصح الصوم مع تحريم الإقدام عليه وذلك تلاعب يقتضي التردد في النية؟
والجواب: أن يقال صورة المسألة: ما إذا نوت ليلًا قبل طرآن الدم، وحينئذ إذا طرأ بعد ذلك طرأ في وقت لا تجب فيه النية، فإنه قد دخل في العبادة بالنية السابقة والصوم بعد الدخول فيه لا يؤثر فيه الشك في النية بل ولا الجزم بقطعها بخلاف ما إذا كانت النية موجودة في وقت وجود الدم، فإنه لا يصح لما ذكرنا من الشك وهذا الذي ذكرته متعين لابد منه، ولم يتعرض في "الروضة" لقضاء الصوم بالجملة وكأنه تركه لتوهم وجوبه على كل حال سواء بان حيضًا أم لا. وليس كذلك.
قوله: المستحاضة البائنة مبتدأة لا تمييز لها فترد إلى أقل الحيض في أصح القولين.
والثاني إلى غالب عادة النساء وهو ست أو سبع وقد روى أن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة فاستقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "تحيضي ستة أيام وسبعة أيام في علم الله ثم اغتسلى، فإذا رأيت أنك قد طهرت فصلى أربعًا وعشرين أو ثلاث وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن
ذلك يجزئك" (1)، وروى أنه قال: تحيض في علم الله ستًا أو سبعًا كما تحيض النساء وتطهرن ميقات حيضين وطهرن وقال جماعة من الأصحاب ومنشأ القولين تردد الشافعي في أن حمنة كانت معتادة أو مبتدأة والمراد بقوله في علم الله أى: مما أعلمك الله. انتهى.
حمنة بحاء مهملة وميم ساكنة ونون مفتوحة. وقوله: ميقات هو منصوب على الظرفية أى في وقت حيضهن وأما تردد الشافعي في أنها كانت معتادة أو مبتدأة، والراجح منهما عنده أنها كانت معتادة كذا ذكره في "الأم" ولو صح دليله وقال: هذا أشبه معانيه إلا أن الجمهور اختاروا أنها مبتدأة.
والحديث المذكور رواه جماعات بألفاظ مختلفة، قال الترمذي: هو حسن (2) قال: وسألت البخاري عنه فقال: إنه حسن قال، وقال أحمد [بن حنبل](3) إنه حسن صحيح، وأعله البيهقي بتفرد عبد الله بن محمد بن عقيل وليس هو كذلك، وصوب النووي في "شرح المهذب" ما قاله الترمذي.
قوله: في أصل "الروضة" فإن رددنا بالمبتدأة غير المميزة في الحيض إلى الأقل فالصحيح أن طهرها بقية الشهر، وقيل: غالب الطهر وقيل أقله وهو
(1) أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجة (622)، وأحمد (27514)، والحاكم (615)، والدارقطني (1/ 214)، وعبد الرزاق (1174)، وإسحاق بن راهوية في "مسنده"(2190)، والشافعي (1470)، والطبراني في "الكبير"(24/ 218) حديث (553)، والبيهقي في "الكبرى"(1499)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(3189).
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الألباني: حسن.
(2)
الذي في النسخ الخطية التي بين يدي سنن الترمذي وهي سبع نسخ قوله: حسن صحيح.
(3)
زيادة من جـ.
نص غريب للشافعي. انتهى ملخصًا.
وهذا النص ليس بغريب فقد رأيته مجزومًا به في "البويطى" في آخر الحيض، وأيضًا فإنه جعل مقابله وهو عدم الرد إلى الأقل وجهًا ثم صححه وفيه مخالفة الأصحاب لنص إمامهم ولا بد لذلك من مقتضى وإلا فهو ممتنع.
واعلم أن الرافعي لا يرد عليه شئ من ذلك، فإنه لم يستغرب هذا النص وجعل أيضًا مقابلة قولًا ثم فرع عليه فقال: وعلى هذا فوجهان
أحدهما: ترد إلى بقية الشهر.
والثاني: إلى غالبه.
قوله: أما إذا رددنا المبتدأة إلى الأقل أو الغالب هل يلزمها الاحتياط فيما وراء التردد إلى تمام الخمسة عشرة كالمتحيرة؟ فيه قولان.
أصحهما: لا يجب فإن [أوجبنا منعناها](1) من تمكين الزوج [ولا](2) يجوز لها أن تقضي فيه وإن كان قد فاتها من الصوم والصلاة والطواف ثم قال: وعلى القولين لا تقضي الصلوات المأتي بها ما بين المراد والخمسة عشر لأنها إن كانت ظاهرة فقد صلت وإن كانت حائضًا فليس عليها قضاء الصلوات. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: في تصوير قضاء الطواف فإنه محل نظر يتضح بذكر أقسامه فنقول: أما طواف الإفاضة وطواف العمرة فلا آخر لوقتها فلا يتصور أن يكونا قضاء، وعلى القولين لا تفعلها المرأة في المدة المذكورة وهي ما بين المرد وتمام الخمسة عشر لأنه لما لم يكن لوقتها آخر كانا شبيهين بالفوائت،
(1) فى جـ: أوجبناها.
(2)
فى جـ: فلا.
والفوائت لا تفعل فيه كما تقدم.
وأما طواف الوداع فإنه يفعل في هذه المدة لكن الفائدة أنه لا يقضي ولكن يجب الدم بتركه بالشروط المقررة في موضعه.
والقياس أن الدم لا يجب على المرأة المذكورة بسببه لأنها قد أتت به للمعنى المذكور في عدم قضاء الصلاة.
ويبقى النظر فيما إذا نذرت طوفًا في وقت معين والكلام فيه أولًا في أنه هل يتعين أم لا؟ ويتجه أن يكون كالصلاة المنذورة في وقت معين وفي تعينها خلاف واضطراب في الترجيح مذكور في موضعه، فإن قلنا إنه لا يتعين صار كالفوائت فلا تفعله المرأة في هذا الوقت، فإن قلنا بالمتعين فتفعله فيه بلا قضاء كما في الصلاة.
الأمر الثاني: أن هذا الذي قاله في الصلاة من عدم الوجوب مع التفريع على قوله في الاحتياط مشكل، وما الفرق فيه بين المبتدأة والمتحيرة، وأيضًا فإن الرافعي كما حكى الخلاف في وجوب قضاء الصلاة على المتحيرة احتج للوجه الضعيف بهذا الدليل بعينه ثم إنه رده باحتمال انقطاع الحيض في أثناء الصلاة أو في آخر الوقت أو قبل غروب الشمس فيلزمها الظهر والعصر، وكذلك قبل طلوع الفجر حتى يلزمها المغرب والعشاء وهذا تعينه. فقال هنا أيضًا والظاهر أن هذا إنما صدر ممن لم يوجب قضاء الصلاة على المتحيرة فقلده فيه الرافعي.
قوله: المستحاضة الثالثة: المعتادة التي لا تمييز لها ترد إلى عادتها لما روى عن أم سلمة أن امرأة كانت تهريق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيض في الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا
خلفت ذلك فلتغتسل ولتستثفر ثم تصلي" (1). انتهى.
وتهراق بضم التاء وفتح الهاء أي تصب، والدماء منصوب على التمييز لكنه شاذ عند البصريين لكونه معرفة.
والحديث المذكور صحيح رواه مالك في "الموطأ" والشافعي وأحمد في "مسنديهما" أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم بأسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: في الكلام على المستحاضة: الرابعة: وهي المعتادة المميزة: وإذا رأت المبتدأة خمسة سوادًا وخمسة وعشرين حمرة هكذا مرارًا ثم استمر السواد أو الحمرة في بعض الشهور فقد عرفنا بما سبق من التمييز أن حيضتها خمسة من أول كل شهر وصار ذلك عادة لها محيضها الآن خمسة من أول كل شهر ويحكم بالاستحاضة في الباقي هذا هو الصحيح، وحكى إمام الحرمين وجهًا آخر أنه إذا انحزم التميز فلا نظر إلى ما سبق وهي كمبتدأة غير مميزة. انتهى كلامه.
وما ذكره من أنه إذا استمرت الحمرة في بعض الشهور فيجعل لها منها خمسة حيضًا وباقي الشهر طهرًا لأجل ما سبق قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو مخالف لما أسلفه من القواعد فقد ذكر في أوائل الكلام على المستحاضة الأولى أنها إذا رأت خمسة سوادًا ثم رأت حمرة مستمرة فإنه لا حيض لها في الأشهر التي استمرت الحمرة فيها على خلاف ما دل عليه
(1) أخرجه مالك (136) وأبو داود (274) والنسائي (208) وابن ماجه (623) وأحمد (26759) والدارمي (780) والشافعي (1047) والدارقطني (1/ 207) والطبراني في "الكبير"(23/ 272) حديث (583) وأبو يعلى (6894) والبيهقي في "الكبرى"(1473) وأبو نعيم في "الحلية"(3519) وإسحاق في "مسنده"(1844) وابن الجارود في "المنتقى"(113). وهذا حديث صحيح عند جماهير أهل العلم.
كلام الغزالي، فإن ما ذكره في السواد المستمر صحيح، وأما في الحمرة فيستقيم على طريقة الغزالي فقط؛ لأن العادة تثبت بمرة وقد بان لها تقدم أن حيضها خمسة من أول الشهر إلا أنه لم يثبت لها مقدار الطهر.
قوله: ولو كانت المسألة بحالها فرأت في بعض الأدوار عشرة سوادًا وباقي الشهر حمرة ثم استمر السواد في الذي بعده فقال الأئمة: فحيضها [عشرة](1) السواد ومردها بعد ذلك عشرة وفي الرد إلى العشرة إشكال إذا لم تثبت العادة بمرة فينبغي تخريجه عليه، وأجاب الغزالي بأن هذه عادة تمييز به فتنسخها المرة فلا يجري الخلاف. انتهى ملخصًا.
وهذا الذي حاوله الرافعي من التخريج واقتضى كلامه عدم الإطلاع عليه قد صرح به جماعات كثيرة ونقله عنهم النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة" منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي والسرخسي والشيخ نصر المقدسي وصاحب "البيان".
قوله: ولا خلاف في كون الصفرة والكدر حيضًا في أيام العادة. انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه النووي عليه في "الروضة" وليس كذلك ففيه وجه أنه لا يكون حيضًا إلا إذا كان معه سواد أو حمرة بالشرط المذكور في غير أيام العادة [وفاقًا وخلافًا ويحصل منه وجوه تعرف بمعرفة الوجوه المذكورة فيما إذا وقع ذلك في غير العادة](2)، وهذا الخلاف ذكره صاحب التتمة. والرافعي والنووي يكثران النقل عنها فدعواهما النفي غريب.
(1) في أ، ب: عدة.
(2)
سقط من جـ.