الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن
باب الحشر
(من الصحاح)
] 4158 [حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء.
الأعفر: الأبيض، وليس بالشديد البياض. والعفرة لون الرضي.
وقوله: (كقرصة النقى) يريد بذلك بياضها واستدارتها] 185/أ [واستواء أجزائها، وأراد بالنقى: الدقيق الذي ينخل وينظف فتؤخذ نقاوته، وهو الحواري.
وقوله: (ليس فيها علم لأحد) أي: علامة، يريد أن ما أحدثه الخلق على وجه الأرض من الأبنية وغيرها يزال عنها بالتسوية وتبديل صفات الأرض.
] 4159 [ومنه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها
…
) الحديث.
(يتكفأها) من رواية كتاب البخاري. وروي في كتاب مسلم: (يكفؤها)، وهو الصواب على ما نعرفه من رواية الحفاظ، وهو المستقيم على اللغة العربية.
والمعنى: يقلبها، ونر الحديث مشكلا جدا غير مستنكرين شيئا من صنع الله وعجائب فطرته، بل لعدم التوقيف الذي يكون موجبا للعلم في قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ورد في الآثار المنقولة أن هذه الأرض برها وبحرها يمتلئ نارا في النشأة الثانية، ويضم إلى جهنم؛ فنرى الوجه فيه أن نقول: معنى قوله: خبزة واحدة، أي: كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا، وهو مثل ما في حديث سهل ابن سعد كقرصة النقى، وإنما ضرب المثل بقرصة النقى لإستدارتها وبياضها على ما ذكرنا في هذا الحديث ضرب المثل بخبزة تشبه الأرض نعتا وشكلا ومساحة، فاشتمل الحديث على معنيين: أحدهما بيان الهيئة التي تكون الرض عليها يومئذ.
والآخر: بيان الخبزة التي يهيئها الله سبحانه نزلا لأهل الجنة، وبيان عظم مقدارها إبداعا واختراعا من القادر الحكيم الذي لا يعجزه أمر ولا يعوزه شيء.
] 4160 [ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه (يحشر الناس على ثلاث طرائق
…
) الحديث.
قال الخطابي: الحشر المذكور في هذا الحديث إنما يكون قبل قيام الساعة؛ يحشر الناس أحياء إلى الشام.
فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور، فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها إنما هو على ما ورد في الحديث:(إنهم يبعثون حفاة عراة)، ففسر ثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، على أنهم يعقبون البعير الواحد يركب بعضهم، ويمشي بعضهم عقبة بينهم، ثم قال: وقد قيل: إن هذا الحشر دون البعث، فليس إذا بين الحديثين تدافع ولا تضاد.
قلت: قول من يحمل الحشر على الحشر الذي هو بعد البعث من القبور أسد وأقوى وأشبه بسياق الحديث من وجوه:
أحدها أن الحشر على الإطلاق في متعارف الشرع لا يراد منه إلا الحشر الذي بعد قيام الساعة، إلا أن يخص بنوع من الدليل، ولم نجده ها هنا.
والآخر أن التقسيم الذي ذكر في هذا الحديث] 185/ب [لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر إليها لابد أن يكون راغبا راهبا، أو راغبا راهبا، فأما أن يكون راغبا راهبا، ويكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا.
والثالث: أن حشر بقية الطائفتين على ما ذكره في هذا الحديث إلى أرض الشام والتزازها بهم، حتى لا يفارقهم في مقيل ولا مبيت، ولا صباح ولا مساء، قول لم يرد به التوقيف ولم يكن لنا أن نقول: بتسليط النار على أولى الشقوة في هذه الدار من غير توقيف.
والرابع: وهو أقوى الدلائل وأوثقها ما روى عن أبي هريرة أيضا، وهو في الحسان في هذا الباب: (يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف
…
) الحديث.
وأما ما ذكر من بعث الناس حفاة عراة، فلا تضاد بين القضيتين، ووجه التوفيق بينهما، وإن ذكر عن غيره بالتوفيق بين الحالتين، أعني حالة البعث من المنشر، وحالة السوق إلى المحشر، فهو مستغنى عنه بما هو أظهر منه، وهو أن بعث الناس حفاة عراة لا ينافي كونهم ركبانا.
ونرى التقسيم الذي جاء به الحديث التقسيم الذي جاء به التنزيل، قال الله -تعالى-:{إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة} الآيات.
فقوله (راغبين راهبين) يريد بها عوام المؤمنين، وهو ذوو الهنات الذين يترددون بين الخوف والرجاء بعد زوال التكليف، فتارة يرجون رحمة الله لإيمانهم، وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات، وهو أصحاب الميمنة في كتاب الله على ما في الحديث الذي رواه أيضا أبو هريرة، وهو في الحسان في هذا الباب.
وقوله: (اثنان على بعير)، فالمراد منه أولوا السابقة من أفاضل المؤمنين وهم السابقون.
وقوله: (ويحشر بقيتهم النار) يريد به أصحاب المشأمة، فهذه ثلاث طرائق.
وقد ذكر في الحديث أن المذكورين من نجباء أهل الإيمان يؤتون بنجائب من نوق الجنة فيحملون عليها من المنشر إلى المحشر.
قلت: وحشرهم على الصورة المذكورة في الحديث يحتمل وجهين.
إما الحمل درجة واحدة تنبيها على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله كناقة صالح فيقوى على ما يقوى
عليه غيره من البعران.
وإما الحمل على سبيل الاعتقاب، فإن قيل لا يجوز أن يحمل قوله:(واثنان على بعير) محل المجاز.
ويسلك به مسلك الاتساع، فيحمل ما يؤيد به أحدهم ويعان في المسير] 186/أ [إلى المحشر على حسب مكانته في العبودية ومثابته في الإخلاص.
قلنا: الأصل فيه الحقيقة ولا ضرورة بنا الى هذا التأويل مع استقامة الحديث على ظاهره.
فإن قيل: لم يذكر من السابقين من ينفرد بفرد مركب، لا يشاركه فيه أحد؟
قلنا: لأنه عرف أن ذلك مجعول لمن فوقهم في المرتبة من أنبياء الله؛ ليقع الإمتياز بين الأنبياء والصديقين في المراكب، كما وقع في المراتب.
فإن قيل: لم يذكر الخمسة والستة إلى إلى آخر ما ختم به من الكلام؟
قلنا: ايثارا للإيجاز، أو اكتفاء بما مر من ذكر الأعداد.
فإن قيل: فعلى هذا كان له في ذكر الثلاثة غنية عن ذكر الأربعة.
قلنا: لو أقتصر ذكر الثلاثة لم يتهيأ لنا الوقوف منها على ما تضمنه الكلام من العجب العجاب، وهو ركوب الأربعة فما فوقها على البعير الواحد، ولا على ما تضمنه من الدلالة على المعاقبة.
فإن قيل لم يسلك في العشرة مسلكه في بقية الاعداد المتروكة؟
قلنا: لأن في العشرة بيان الغاية منها، فإن لم يذكرها لاقتضى ذلك أحد الأمرين اما التوقيف على الأربعة، أو التبليغ لما فوق العشرة.
[4161]
ومنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنكم محشورون حفاة عراة غرلا
…
) الحديث.
غرلا: جمع أغرل وهو الأقلف، ومنه الأرغل بتقديم الراء.
وفيه: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام وفي غير هذه الروية أن النبي صلى الله عليه وسلم يكسى على أثره.
ونرى أن التقديم بهذه الفضيلة إنما وقع لإبراهيم عليه السلام لأنه أول من عرى في ذات الله، حين أرادوا إلقاءه.
فإن قيل: أوليس نبينا صلى الله عليه وسلم هو المحكوم عليه بالفضل على سائر الأنبياء، وتأخره في ذلك موهم أن الفضل للسابق؟
قلنا إذا استأثر الله سبحانه عبدا بفضيلة على آخر، واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بعشر أمثالها، أو أفضل كانت السابقة له، ولا يقدح استئثار صاحبه عليه بفضيلة واحدة في فضله، ولا خفاء بأن الشفاعة -حيث لا يأذن لأحد في الكلام- لم تسبق سابقة الأولى السابقة، ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها، وكم له من فضائل مختصة به لم يسبق إليها، ولم يشارك فيها.
وفيه: (وإن ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال)
قلت: أن الله -تعالى- رفع أقدرا الصحابة لهجرتهم إلى رسوله ونصرتهم إياه وأكرمهم بنصر سنته وتمهيد شرعه، والجمهور منهم درجوا إلى منهاج الحق، وممن أدرك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلقيه لقية، أو
صحبه صحبة [وشيكة] نفر يسير لم تترسخ أقدامهم في قدم الاستقامة، فلما طوى عنهم بساط الصحبة، وبسط عليهم ظل النعمة ركنوا إلى الخفض، وأخلدوا إلى الدعة، ومال بهم مخيلة الأمل وبارقة الطمع عن سواء السبيل إلى كل طريق معمور، وإلى مالا يجمل في الأحدوثة، كما كان من بسر ابن أرطاة ومن نحا نحوه من كل كسير وعويل، وأكرم بأمة لا يعد نفرهم ولا يضبط جيلهم وقبيلهم، ثم لا يصادف منهم مسيء إلا بالندرة. وقد دل على هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم (أصيحابي) أشار التصغير إلى قلة أولئك النفر.
وأما قوله: (إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم)، فإنه أراد به إساءة السيرة، والرجوع عما كانوا عليه من صدق العزيمة، ولم يرد به الردة عن الإسلام؛ إذ لو كان المراد منه الردة لأقتصر على قوله: مرتدين. ولم يوجد -بحمد الله- ممن أدرك صحبة نبي الله واشتهر بها من ارتد بعده.
نعم قد كان من جفاة الأعراب ورؤسائهم ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل بعده في غمار أهل الردة كعيينه بن حصن الفزاري، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والأشعث بن قيس الكندي.
وقد كان من طليحة الأسيدي من إدعاء النبوة ما كان، ثم الله -تعالى- تداركهم برحمته فتابوا وحسنت توبتهم وأصلحوا ما أفسدوه، والله هو التواب الرحيم.
] 4164 [ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (فإذا هو بذيخ متلطخ).
الذيخ: الذكر من الضياع.
[4168]
ومنه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يكشف ربنا عن ساقه ..) الحديث.
قلت مذهب أهل السلامة من السلف التورع من التعرض للقول في مثل هذا الحديث، والتجنب عن تفسير ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب، وهو الأحوط والأمثل. وقد أشرنا الى ذلك في غير موضع.
وقد تأوله جمع من العلماء فاتبع الآخر الأول حتى تشابه تأويلهم، وإن اختلفت أقاويلهم، وحاصل تلك الأقاويل أن الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
قلت: وأصله في الفزع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب.
وزعم بعض أهل المعرفة بالمآخذ اللغوية أن الأصل فيه أن يموت الولد في بطن الناقة فيدخل المذمر يده في رحمها فيأخذ بساقه ليخرجه منها، فهذا هو الكشف عن الساق، فجعل لكل أمر فظيع] 178/أ [.
ومنه قوله عز وجل: {يوم يكشف عن ساق} أي: عن شدة.
قلت: وتنكير الساق في الآية من دلائل هذا التأويل، ومثله قولهم: قامت الحرب بنا على ساق، ومنه قولهم: ساوقه، أي: فاخرة أينا أشد، وما أكثر شواهد ذلك في أشعارهم.
ومنه قول حاتم:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها
…
وإن شمرت عن ساقه الحرب شمرا
ومنه قول بعض الأعراب:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها
ومن طرادى الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها
أراد سنة الجدب، وكان يطير عن الزرع، فأولوا الحديث تأويل الآية.
قلت: وقد خالف. الحديث الآية في تعريف الساق، ووجه التعريف فيها أن يقال: أضفها إلى الله تعالى تنبيها على أنها الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، أو على أنها هي التي ذكرها في كتابه.
وفيه: (فسجد فيعود ظهره طبقا واحدا (أي: يرد عظاما بلا مفاصل ولا تنثني عند الرفع والخفض، وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه (وتصير ظهورهم طبقا واحا كأن فيه السفافيد)، والمعنى أنه سبحانه يكشف يوم القيامة عن شدة يرتفع دونها سواتر الإمتحان، فيتميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص بالسجود الموصوف، عن أهل الريب والنفاق.
(ومن الحسان)
[4172]
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف
…
) الحديث.