الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
ــ
لفظها: من الجمع، وقد استعملوا ذلك في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر.
والأصل في مشروعيتها في الصلوات الخمس قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} ، وإذا ثبتت في الخوف .. ففي الأمن أولى.
وفي (الصحيحين)[خ 645 - م 650] أنه صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وفي رواية: (بخمس وعشرين ضعفًا)[خ 647]، وفي رواية:(جزءًا)[خ 648] بدل (ضعفًا) ولا منافاة بينهما؛ لأن القليل لا ينفي الكثير، أو أن ذلك يختلف باختلاف الناس، أو أنه صلى الله عيه وسلم أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، ومفهوم العدد باطل عند الجمهور.
وقيل: الدرجة غير الجزء، وهو غفلة من قاتله.
وكان صلي الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة؛ لأن الصحابة كانوا مقهورين في بيوتهم، فلما هاجر إلى المدينة .. أقام الجماعة وواظب عليها، وانعقد الإجماع عليها.
وفي (مصنف عبد الرزاق): أن قومًا تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة - قال - فخسف بهم. وهو في (الإحياء) بلفظ: وقد قيل: إن قومًا .. إلى آخره.
وقد نقل الزمخشري عن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد صلاة الجماعة في القرآن؟ قال: لا تحضرني، فقال في قوله تعالى:{واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا} .
هِيَ فِي اَلْفَرَائِضِ - غَيْرَ اَلْجُمُعَةِ - سُنَّةَ مُؤّكَّدَةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ
ــ
ونقل في (الإحياء) في آخر (كتاب التوبة) عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا تفوت أحدًا صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه، قال: وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام غذا فاتتهم التكبيرة الأولى، ويعزون سبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة، قال: والاحتلام عقوبة، ولذلك عصم الله منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال: (هي في الفرائض - غير الجمعة - سنة).
(غير) منصوب على الحال، ولا يصح جره على الصفة؛ لكونه لا يتعرف.
وإنما كانت سنة؛ لأنها فضيلة في الصلاة لا تبطل بتركها، فلم تجب كالتكبيرات.
وخرج بـ (الفرائض) النوافل؛ ليست الجماعة فيها فرض كفاية، ولكنها سنة في بعضها كما تقدم.
وعبر في (المحور) بالخمس؛ ليخرج المنذورة، فلا تشرع لها الجماعة كما صرح به الرافعي في (باب الأذان)؛ لأنه لا شعار فيها.
واحترز (بغير الجمعة) عن الجمعة؛ فغن الجماعة فيها فرض عين بالاتفاق.
قال: (مؤكدة)؛ لما روى مسلم [654] عن ابن مسعود قال: (من سره أن يلقي الله تعالى غدًا مسلمًا .. فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، وقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف).
و (مؤكدة) بالهمز ودونه، يقال: أكدت الشيء ووكدته توكيدًا وتأكيدًا، وبالواو أفصح؛ لأنها أصل والهمزة بدل، قال الله تعالى:{ولا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} .
قال: (وقيل: فرض كفاية للرجال)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الجماعة .. إلا استحوذ عليهم الشيطان) أي: غلب، رواه أبو داوود [548] والنسائي] 2/ 106 - 107] والحاكم [1/ 211] وابن حبان [2101].
وفي (مسلم)[651]: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لقد هممت أن أمر بالصلاة فتقام، ثم أمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أمر فتيتي فيجمعوا لي حزمًا من حطب،
فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ اَلْشَّعَارُ فِي اَلْقَرْيةِ،
ــ
ثم آتى يومًا يصلون في بيوتهم فأحرقها عليهم).
واحترز بـ (الرجال) عن النساء؛ فإنهن لا يدخلن في هذا الفرض جزمًا، لكنها تسن لهن؛ لما روى أبو داوود [592]: أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر أم ورقة بنت نوفل أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن وكان النبي صلي الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، فاتفق أنه كان لها عبد وأمة دبرتهما فقتلاها في زمن عمر فصلبهما، وكانا أول مصلوبين بالمدينة، فقال عمر: صدق الله صلي الله عليه وسلم حيث كان يقول: (انطلقوا بنا نزور الشهيدة).
وفي (الكفاية) عن القاضي حسين: أنها لا تسن في حقهن كما لا يسن لهن الأذان.
والخنثى في هذا كالمرأة.
والمصنف أطلق الخلاف مع أنها لا تجب على العبد جزمًا.
وكان ينبغي أن يقولك في المؤداة؛ فإنها ليست في المقضية فرض كفاية قطعًا، بل سنة إن لم تصل قضاء خلف أداء وعكسه، فإن كان .. فالانفراد أفضل.
ويستثنى العراة؛ فالخلاف في حقهم في الاستحباب: صحح الرافعي استحبابها لهم، والمصنف أنها والانفراد في حقهم سواء.
والمسافرون استثناهم في (الروضة) و (شرح المذهب) و (التحقيق)، والنص:
أنهم كالمقيمين.
قال: 0فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية)، وكذلك في البلد، وذلك يختلف باختلاف البلاد وسكانها، ففي القرية الصغيرة يكفي فعلها في موضع، وفي البلد الكبير تفعيل في محالها.
فلو ظهر الشعار في بلد بإقامة غير البالغين لها .. ففي الاكتفاء بذلك تردد للشيخ محب الدين الطبري.
فَإِنِ اَمْتَنَعُوا كُلُّهُمْ .. قُوتِلُوا، وَلَا يَتَأَكَّدُ اَلْنَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي اَلأَصَحِّ. قُلْتُ: اَلأَصَحُّ اَلْمَنْصُوصُ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةِ، وَقِيلَ: عَيْنٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
ــ
والظاهر: عدم الإجزاء كرد السلام، بخلاف صلاة الجنازة؛ فإن مقصودها الدعاء وهو من الصغير أقرب إلى الإجابة؛ لأنه لا ذنب عليه.
ولو أطبقوا على إقامتها في البيوت ولم يحضروا المسجد .. فالأصح: أنه لا يكفي سواء حصل الشعار بذلك أم لا.
قال: (فإن امتنعوا كلهم .. قوتلوا)؛ لأن هذا شأن فروض الكفايات إذا عطلت، وإنما يقاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس.
أما إذا قلنا سنة .. فالأصح: أنهم لا يقاتلون.
قال: (ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح)؛ لقوله تعالى: {ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} ، فلا يكره لهن تركها.
والثاني: يتأكد؛ لعموم الأدلة.
والأصح: أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن، وقيل: هما سواء.
قال: (قلت: الأصح المنصوص: أنها فرض كفاية)؛ لظاهر الأحاديث الصحيحة المتقدمة، ونص عليه في (الأم) صريحًا.
ولا فرق في هذا الفرض بين أهل القرى والبوادي كما تقدم.
قال: (وقيل: عين والله أعلم) واختاره ابن خزيمة وابن المنذر وأبو ثور؛ لما تقدم من همه صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت من لم يشهدها.
ولأن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله؛ إني ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمين، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال عليه الصلاة والسلام:(هل تسمع النداء؟) قال: نعم، قال:(لا أجد لك لخصة) رواه أبو داوود [553] بإسناد صحيح.
وعلى هذا: الأصح: أنها ليست شرطًا في صحة الصلاة.
وأجاب الأصحاب بأن معناه: لا رخصة لك تلحقك بفضيل من حضرها، وبأن
وفي المسجد لغير المرأة أفضل،
ــ
النبي صلي الله عليه وسلم رخص لعتبان بن مالك حين شكا بصره أن يصلي في بيته، وحديثه في (الصحيحن)[خ 425 - م 33].
وفي الاستدلال به نظر؛ لأنه إنما امتنع من الاتيان إلى المسجد لأجل السيول التي بينه وين المسجد، وهذا عذر مانع من حضور الجماعة.
وأكد الصلوات في طلب الجماعة: الصبح، ثم العشاء، ثم العصر، كذا في (زوائد الروضة). زاد عليه في (الكفاية): أنها في صبح الجمعة أكد.
قال: (وفي المسجد لغير المرأة أفضل)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله تعالى ليقضي فريضة من فرائض الله .. كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) رواه مسلم [666].
وفي (الصحيحين)[خ 731 - م 781]: (صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ويهما [خ 647 - م 649/ 272] إذا توضأ الرجل، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة .. لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه خطيئة). ولأن المسجد مشتمل على الشرف وإظهار الشعار وكثرة الجماعة.
فإن كان إذا صلى في بيته صلى جماعة، وإذا صلى في المسجد صلى منفردًا .. فصلاته في بيته أفضل.
ولو كانت جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد .. فقال الماوردي: المسجد أولى، وقال القاضي أبو الطيب: بيته أولى.
وشملت عبارته: الصبي وهو كذلك.
وأما النساء .. فصلاتهن في بيوتهن أفضل؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بتيها) رواه أبو داوود [571].
و (الحجرة): صحن الدار، و (المخدع): بيت داخل البيت تخبئ فيه ثيابها.
وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ إِلَاّ لِبِدْعَةِ إِمَامِهِ
ــ
ولا يكره للعجائز إذا خرجن متبذلات؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
وبالحالين يجمع بين الخبرين، فلو تشبهن بالشواب .. كره لهن ذلك، وغير العجائز .. يكره لهن.
فإذا استأذنت زوجًا أو وليًا .. كره له حيث يكره لها، وإلا .. ندب.
ويكره لها أن تطبيب، وأن تلبس فاخر الثياب إذا حضرت المسجد.
ودخل في قوله: (لغير المرأة) الخنثى، فلو عبر بالذكر .. كان أولى.
قال: (وما كثر جمعه أفضل) وإن كان قليل الجماعة بعيدًا؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر .. فهو أحب إلى الله تعالى) رواه أبو داوود [555] والنسائي [2/ 104] وابن ماجه (790] وصححه ابن حبان [2056].
وقيل: إن مسجد الجوار أفضل بكال حال؛ فإن كان مسجد الجوار بلا جماعة ولو حضر فيه لم يحضر معه غيره .. فالذهاب إلى البعيد للجماعة أفضل بالاتفاق، وإن استويا .. فمسجد الجوار بالاتفاق أفضل.
وأفادت عبارة المصنف .. أن أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (الاثنان فما فوقهما جماعة) رواه ابن ماجه [972].
وعن صاحب (الفروع): أقلها ثلاثة يؤمهم أحدهم؛ لأنه أقل الجمع عند الشافعي.
والجواب: أن ذلك وضع لغوي، وهذا حكم شرعي مأخذه التوقيف.
قال: (إلا لبدعة إمامه) كالمعتزلي والقدري والرافضي.
أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبِ لِغَيْبَتِهِ. وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَهِ اَلإِحْرَامِ فَضِيلَةٌ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِاَلاِشْتِغَالٍ بِاَلْتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ،
ــ
قال: (أو تعطل مسجد قريب لغيبته)؛ لكونه إمامه، أو يحضر الناس بحضوره.
وكذا إذا كان الإمام فاسقًا، أو يعتقد عدم وجوب بعض الأركان .. ففي هذه الأحوال المسجد القليل الجماعة أولى، فإن لم تحصل الجماعة .. إلا مع هذه الأحوال .. فهي أفضل.
فلو كان بجواره مسجدان .. استوت جماعتهما، فإن سمع نداء أحدهما .. فهو أولى، وإن لم يسمع منهما .. فالأقرب أولى، فإن استويا .. يخير، قاله الروياني.
قال: (وإدراك تكبيرة الإحرام فضيلة)؛ لما روى الترمذي [241] عن عمارة بن غزية عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من صلى الله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى .. كتب الله له يراءتين: براءة من النار، وبراءة من النفاق) وهو منقطع؛ لأن ابن غزية لم يدرك أنسًا، لكنه من الفضائل فيتسامح فيه.
وروى البزار في (مسنده)[كشف 521] عن أبي هريرة: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها) ورواه عن أبي الدرداء بمعناه.
قال: (وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه)؛ لأن الفضل معلق في الحديث بالإدراك، وإذا لم يتعقبه .. لم يسم مدركًا.
وفي (الصحيحين)[خ 378 - م 411]: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر .. فكبروا)، والفاء للتعقيب.
قال الرافعي: هذا إذا لم تكن وسوسة ظاهرة، فإذا منعته الوسوسة عن التعقيب .. حصلت الفضيلة كما جزم به ف (التحقيق) و (شرح المهذب).
وجزم في (شرح المهذب) بأن الوسوسة في القراءة ليست عذرًا في التخلف عن الإمام بتمام ركعتين فعليتين.
والفرق: أن المخالفة في الأفعال أشد منها في الأقوال كما تقدم.
وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ بَعْضِ اَلْقِيَامِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ رُكُوعٍ. وَاَلْصَّحِيحُ: إِدْرَاكُ اَلْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ
ــ
وفي (الاستيعاب) في ترجمة على: أن ابن مسعود قال: 0الوسوسة برزخ بين الشك اليقين).
قال: (وقيل: بإدراك بعض القيام)؛ لأنه محل التكبيرة الأولى.
قال: (وقيل: بأول ركوع)؛ لأن حكمه حكم قيامها، بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام، ولأنه معظمها، واختاره القفال.
والوجهان فيمن لم يحضر إحرام الإمام، أما من حضر وأخر .. فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة.
وفي وجه رابع: ما لم يشرع في (الفاتحة).
وخامس: إن اشتغل بأمر دنيوي .. لم يدرك بالركوع، أو بعذر أو سبب للصلاة كالطهارة .. أدرك.
ولو خاف فوت هذه التكبيرة .. لم يسرع عند الأكثرين، بل يمشى بسكينة، ففي (الصحيحين) [خ 636 - م 602]:(إذا أقيمت الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم .. فصلوا .. وما فاتكم .. فأتموا).
ولو خاف فوات الجماعة .. فمقتضى كلام الرافعي في (باب الجمعة) .. أنه يسرع، وبه صرح ابن أبي عصرون وشيخه الفارقي.
قال: (والصحيح: إدراك الجماعة ما لم يسلم) سواء جلس معه أو لا؛ لأنه قد أدرك من الجماعة قدرًا يعتد به وهو: النية والتكبير، فكان كما لو أدرك ركعة.
قال الرافعي: وقد يوجه ذلك بأن هذه البقعة إذا لم تكن محسوبة من صلاته، فلو لم ينل بها الفضيلة .. لمنع من الاقتداء والحالة هذه؛ لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها.
وفي (كامل ابن عدي)[6/ 70] من حديث جابر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من أدرك الإمام قبل أن يسلم .. فقد أدرك فضل الجماعة).
وَلْيُخَفَّفِ اَلإِمَامُ مَعَ فِعلِ اَلأَبْغَاضِ وَاَلْهَيِئَاتِ،
ــ
والوجه الثاني: لا يدرك إلا بركعة؛ لأن الصلاة كلها ركعة مكررة، واختاره الغزالي والفوراني.
ومقتضى عبارة المصنف .. أنه فرق بين أن يقتدي به في آخر الصلاة أو في أولها.
فإن أخرج نفسه من الجماعة، أو خرج الإمام بحدث أو غيره .. فإنهم صححوا جواز الخروج من الجمعة قبل سلام الإمام مع أن الجماعة شرط فيها، إلا أن الجواز هناك مشروط بفعل ركعة مع الإمام؛ لأن الجمعة لا تحصل بدون ذلك.
فرع:
دخل جماعة المسجد والإمام في التشهد الأخير .. فعند القاضي حسين يستحب لهم الاقتداء به، ولا يؤخرون لصلاة جماعة ثانية.
وجزم المتولي بخلافه، وكلام القاضي في موضع آخر يوافقه، وهو الظاهر.
قال: (وليخفف الإمام مع فعل الأبعاض والهيئات)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إذا أم أحدكم بالناس .. فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى وحده .. فليطل ما شاء) رواه مسلم [467]، وفي (الصحيحين) [خ 708 - م 469] قال أنس:(ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلي الله عليه وسلم).
قال الأصحاب: والتخفيف: أن الإمام لا يزيد على ثلاث تسبيحات.
والشافعي قال في (الأم): إن كل ما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه إمامًا كان أو منفردًا.
قال المصنف: والأقوى ما كره الأصحاب، فيتناول نصه على ما إذا رضى المأمومون.
هذا في الأذكار، أما القراءة .. فتقدمت في (صفة الصلاة).
إِلَاّ أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ. وَبُكْرَةُ: اَلْتَّطْوِيلِ لِيَلْحَقَ آَخَرُونَ،
ــ
قال: (إلا أن يرضى بتطويله محصورون)، فحينئذ لا يكره التطويل، بل يستحب، لأن العلة انتفت.
والمراد بـ (المحصورين): أن يكونوا في موضع غير مطروف أو في سفينة وفهم منهم ذلك، فيأتي بأعلى الكمال؛ لانتفاء علة التخفيف.
وعلى هذا يحمل تطويل النبي صلي الله عليه وسلم في بعض الأوقات.
فإن كان المسجد مطروقًا بحيث يدخل في الصلاة من حضر بعد دخول الإمام فيها .. لم يطول.
ومراده: إلا أن يرضى جميع المأمومين بالتطويل، وعبارته لا تعطي ذلك، وعبارة (المحرر): إلا أن يرضى الجميع بالتطويل.
فإن رضى بعضهم .. قال الجيلي: راعى الأكثر.
وفي (فتاوى ابن الصلاح)[1/ 234]: لو آثروا التطويل إلا واحدًا أو اثنين لعذر، فإن كان مرة ونحوها .. خفف، وإن كثر حضوره .. طول ولا يفوت حق الراضين بهذا الفرد الملازم، قال المصنف: هذا حسن متعين.
واستشكله الشيخ بأن النبي صلي الله عليه وسلم أنكر على معاذ التطويل لرجل واحد ولم يستفصل، وبأن فيه تنفير الملازم وهو مفسدة، ومراعاة الرضا مصلحة ظاهرة، فمراعاة درء المفاسد أولى؛ لأنه صلي الله عليه وسلم قال:(إني لأدخل الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهة أن أشق على أمه) رواه البخاري [707].
قال: (ويكره: التطويل ليلحق أخرون) أي: عادتهم الحضور من أسواقهم ومنازلهم؛ للنهي عن التطويل، ولأن في عدم انتظارهم حثًا لهم على المبادرة.
وسواء كان المنتظر مشهورًا بعلم أو دين أو دنيا، كذا اتفق عليه الأصحاب.
واختار الشيخ أن الانتظار في القيام لذلك لا يكره ما لم يبالغ فيه؛ لرواية أبي قتادة في (الصحيحين)[خ 759 - م 451]: (أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يفعله).
وَلَوْ أَحَسنَّ فِي اَلْرُّكُوعِ أَوِ اَلْتَّشَهُّدِ اَلأَخِيرِ بِدَاخِلٍ .. لَمْ يُكْرَهٍ اَنْتِظَارُهُ فِي اَلأَظْهَرِ إِنْ لَمْ يُبَالِغ فِيهِ، وَلَمْ يَفْرُقْ بَيْنَ اَلْدَّاخِلِينَ. قُلْتُ: اَلْمَذْهَبُ: اَسْتِحْبَابُ اَنْتِظَارِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
وعلل ذلك بإدراك القاصدين لها، وجاء التعليل مصرحًا به في رواية في (الصحيحين) ولفظه:(كي يدرك الناس).
ولو حضر بعض المأمومين والإمام يرجو زيادة .. فالمستجب أن لا يؤخر الإحرام، ولو أقيمت الصلاة .. لم يحل له الانتظار بلا خلاف.
قال: (ولو أحس في الركوع أو التشهد الأخير بداخل .. لم يكره انتظاره في الأظهر إن لم يبالغ فيه، ولم يفرق بين الداخلين)؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم انتظر في غزوة ذات الرقاع، وفي (سنن أبي داوود) [798] عن عبد الله بن أبي أوفى:(أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان ينتظر ما دام يسمع وقع نعل)، ولأن في ذلك عونًا على إدراك الركعة والجماعة، (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه).
والثاني: يكره؛ لما فيه من الإضرار بالباقين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره المزني، لأن الصلاة يجب أنم تكون خالصة لله تعالى، وفي الانتظار تشريك بين العمل لله والعمل للمخلوقين.
وملخص ما في المسألة طريقان:
إحداهما: أن الخلاف في الكراهة وعدمها مع القطع بعدم الاستحباب، وهي طريقة الشيخ أبي حامد، وصححها الرافعي.
والثانية: أن الخلاف في الاستحباب وعدمه، واختارها المصنف فلذلك قال:(قلت: المذهب: استحباب انتظاره والله أعلم) فاستفيد من كلامه حكاية ثلاثة أقوال: الاستحباب والكراهة وعدمها.
وعلى القول بالكراهة .. المشهور: لا تبطل الصلاة، وقيل: تبطل فيأتي قول رابع بتحريم الانتظار.
وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا، وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي وَحْدَهُ - وَكَذَا جَمَاعَةّ فِي اَلأَصَحَّ-: إَعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يَدْرِكُهَا،
ــ
وقيل: إن عرف الداخل نفسه .. لم ينتظره، وإلا .. انتظره.
وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة .. انتظره، وإلا .. فلا. فهذه ستة أقوال. وللانتظار شروط:
أحدها: أن يكون الجانبي داخل المسجد، كما أشعر به لفظ المصنف، فإن كان خارجًا .. لم ينتظره قولاً واحدًا.
الثاني: أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى دون استمالة القلوب والتودد إلى الناس، فإن قصد ذلك .. كره قولاً واحدًا. وههنا قال أبو حنيفة: أخشى أن يكفر بذلك. وهذا يفهم من قوله: (ولم يفرق بين الداخلين).
والثالث: أن لا يبالغ في التطويل، وضبطه الإمام بالتطويل الذي لو وزع على الصلاة .. أن لا يبالغ في التطويل، فهذا ممنوع منه، وإلا .. فلا.
وأشار ابن الصباغ وغيره - بضبطه - بأن لا يزيد على الركوع المشروع للأئمة.
وقوله: (أحس) هي اللغة المشهورة، قال الله تعالى:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} .. وفي لغة غريبة بلا همز.
قال: (ولا ينتظر في غيرهما)؛ إذ لا فائدة يه، بل صرح في زوائد (الروضة) بكراهته.
وقيل: يجري الخلاف في الجميع لإفادة الداخل بركة الجماعة.
وقيل: يجريان في القيام خاصة؛ لأنه موضع التطويل.
قال: (ويسن للمصلي وحده - وكذا جماعة في الأصح .. إعادتها مع جماعة يدركها).
أما المصلي وحده .. فلما روى مسلم [648] عن أبي ذر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لهك (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فبماذا تأمرني؟ قال: (صل الصلاة في وقتها، فإن أدركتها معهم .. فصل فإنها لك نافلة).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما المصلى جماعة .. فلما روى يزيد بن الأسود أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فرأى في آخر المسجد رجلين لم يصليا معه قال:(ما منعكما أن تصليا معنا؟) قالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا، فقال:(إذا صليتما في رحالكما ثم أتيمتا مسجد جماعة .. فصلياها معهم؛ فإنها لكما نافلة) قال الترمذي [219]: حسن صحيح. ولقصة معاذ المشهورة؛ فإن النبي صلي الله عليه وسلم أنكر عليه التطويل دون الإعادة.
والثاني: لا يستحب؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) رواه أبو داوود [580]، ولأنه حصل فضيلة الجماعة.
والثالث: يستحب إعادة الظهر والعشاء فقط.
والرابع: إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لإمام أو مكان أو كثرة جمع
…
استحب.
والصحيح في المسألتين: أنه لا فرق بين صلاة وصلاة.
وقيل: لا يعيد الصبح والعصر، ويعيد ما سواهما؛ لأن الصلاة بعدكما مكروهة بلا سبب. والحديث حجة عليه، لكن روى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:(من صلى وحده ثم أدرك جماعة .. فليصل إلا الصبح والعصر)، قال عبد الحق: الذي وصله ثقة.
وقيل: لا يعيد المغرب أيضًا؛ لئلا تصير شفعًا. وفي (الترمذي) عن الشافعي: أنه يعيدها أربعًا.
ويستثنى - من هذا - الجنازة، فسيأتي أن من صلى لا يعيد.
وإنما تسن الإعادة لغير من الانفراد له أفضل كالعاري.
ولو صلى معذور الجمعة الظهر، ثم أدرك معذورين يصلونها .. لا يعيدها معهم، ويحتمل غيره.
وَفَرْضُهُ اَلأُولَى فِي اَلْجَدِيدِ، وَالأَصَحُّ: أَنّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ
ــ
وإن الإعادة إنما تستحب لمن لو اقتصر عليها .. أجزأته، أما لو كانت غير مغنية عن إلقاء كمقيم تيمم أو لبرد
…
فلا.
وإن الإعادة إنما تستحب حيث لا يعارضها ما هو أهم منها وأمثلته كثيرة.
ومن صلى منفردًا في جماعة، ثم رأى من يصلي وحده .. فاتفقوا على أنه يستحب له أن يصلي معه لورود الخبر، وهذا ما أدرك جماعة لكن يصدق أنه أعادها جماعة.
ومراد المصنف: الإعادة اللغوية، لا الاصطلاحية وهي: التي سبقت بأداء مختل.
قال: (وفرضه الأولى في الجديد)؛ للحديثين المتقدمين، ولسقوط الخطاب بها.
والقديم: الفرض إحداهما، ويحتسب الله منهما ما شاء.
وقيل: الفرض كلاهما، والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من وقوع الثانية فرضًا، كصلاة الجنازة إذا صلت طائفة .. سقط الحرج عن الباقين، فإذا صليت طائفة أخرى .. وقعت قرضًا أيضًا، وهكذا فروض الكفايات كلها.
وقيل: الفرض أكملهما .. فهذه أربعة:: قولان ووجهان.
وإنما يكون فرضه الأولى إذا أغنت عن القضاءن وإلا .. ففرضه الثانية المغنية عنه على المذهب.
قال: (والأصح: أنه ينوي بالثانية الفرض) أي: تفريعًا على الجديد؛ ليحصل له ثواب الجماعة في فرض وقته حتى يكون كمن صلاها أولاً في جماعة، وذلك توسيع إلى حيازة فضل الجماعة.
واستشكل إمام الحرمين ذلك فقال: كيف ينوي الفرضية مع القطع بأن الثانية ليست فرضًا؟ قال: بل الوجه أن ينوي الظهر أو العصر ولا يتعرض للفرضية، ويكون ظهره نفلاً كظهر الصبي، ورجحه المصنف.
وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا - وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّة - إِلَاّ بِعُذْرِ
ــ
قال الشيخ: ولعل مراد الأكثرين: أن ينوي إعادة الصلاة المفروضة إلا إعادتها فرضًا.
وقيل: هو مخير، إن شاء .. أطلق النية، وإن شاء .. نوى الفر.
كل هذا على الجديد، فإن قلنا فرضة الثانية .. نوى بها الفرض لا محالة.
قال: (ولا رخصة في تركها وإن قلنا: سنة)؛ لتأكدها.
و (الرخصة) بإسكان الخاء وضمها: التيسير في الأمر والتسهيل فيه، وهي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
قال: (إلا بعذر)؛ لما روى ابن ماجه [793] وابن حبان [2064] والحاكم [1/ 246] عن ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء ولم يأته .. فلا صلاة إلا من عذر)، قالوا: ما العذر؟ قال: (خوف أو مرض).
والمراد: أن العذر يسقط إثمها على قول الفرض، والكراهة على قول السنة.
واختلفوا إذا تركها لعذر: هل يحصل له فضلها؟
فقطع في (شرح المهذب) بعدم الحصول: قال الشيخ: وهو ظاهر إذا لم تكن له عادة بها، فإن كان ملازمًا لها .. حصل له؛ لقوله صلي الله عليه وسلم:(إذا مرض العبد أو سافر .. كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) رواه البخاري [2996] عن أبي موسى الأشعري.
وقال الروياني في (التلخيص) وابن الرفعة: كما ينفي العذر الحرج، تحصل فضيلة الجماعة إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، وبه قال القفال والغزالي في (الخلاصة)، وهو الصواب.
ففي (سنن أبو داوود)[565] و (النسائي)[2/ 111] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد
عَامَّ كَمَطَرٍ أَوْ رِيحٍ عَاصِفِ بِاَلْلَّيْلِ،
ــ
صلوا .. أعطاه الله تعالى مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا).
وذكر الرافعي في (باب صفة الصلاة): أن من صلى قاعدًا لمرض .. حصلت له فضيلة القيام.
وقال في (شرح المهذب): لا خلاف فيه .. وهو يقوي الحصول هنا، إلا أن الفرق ظاهر.
قال: (عام كمطر) سواء كان ليلاً أو نهارًا، لما روى مسلم [698] عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فمطرنا، فقال:(ليصل من شاء في رحلة).
وفي (الصحيحين)[خ 901 - م 699] عن ابن عباس أنه قال لمؤذنة في يوم جمعة فيه مطر: (قل بعد الشهادتين: صلوا في رحالكم، فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من هذا؟ والله فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتشمون في الطين والدحض) وهو: الزلق.
وشرط كون المطر عذرًا: أن تحصل به مشقة، كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض، وصاحب (التنبيه) حيث قال هنا: ومن يتأذى بالمطر، وفي (الجمعة): ومن تبتل ثيابه بالمطر، وهو في معنى تقييد الماوردي والمتولي بالشديد.
فعلى هذا: لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشي في كن.
قال: (أو ريح عاصف بالليل)؛ لما روى الشيخان [خ 632 - م 697] عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال النبي صلي الله عليه
وَكَذَا وَحَلّ شَدِيدٌ عَلَى اَلْصَّحِيحِ. أَوْ خَاصِّ كّمَرَضِ، وَحَرَّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ،
ــ
وسلم: (ألا صلوا في الرحال)، ولما فيه من المشقة.
و (الريح) مؤنثة، و (العاصف): الشديدة.
واحترز المصنف بها عن الخفيفة؛ فإنها ليست عذرًا بالاتفاق.
والعاصفة بالنهار ليست عذرًا على المشهور لخفة المشقة. وفي (الكفاية) وجه: أنها عذر أيضًا.
لكن هذا يقتضي: أنها لا تكون عذرًا في صلاة الصبح؛ لأنها صلاة نهارية وفيه نظر.
والمتجه: إلحاقها بالليل؛ لأن المشقة فيها أشد من المشقة في المغرب.
ولا فرق في الليل بين المظلم وغيره؛ لإطلاق الأحاديث.
قال: (وكذا وحل شديد على الصحيح) فهو عذر وحده ليلاً ونهارًا، لحديث ابن عباس المتقدم، ولأنه أشق من المطر.
والثاني: لا؛ لإمكان الاحتراز عنه بالنعال ونحوها.
والمراد بـ (الوحل الشديد): الذي لا يؤمن معه التلويث وإن لم يكن متفاحشًا.
و (الوحل) بالتحريك: الطين الرقيق، وإسكان حائة لغة رديئة.
قال: (أو خاص كمرض)؛ لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .
وتقدم أن ابن عباس سئل عن العذر فقال: (خوف أو مرض)، ولأن النبي صلي اله عليه وسلم لما مرض .. ترك الخروج إلى الجماعة أيامًا كثيرة.
وضبطه الأصحاب بأن يشق معه القصد إلى الجماعة مشقة كمشقة المشي في المطر، فإن كانت مشقة يسيرة كوجع الضرس والصداع اليسير والحمى الخفيفة .. فليس بعذر.
قال: (وحر وبرد شديدين) سواء كان ليلاً أو نهارًا؛ لعظم المشقة فيهما.
وَجْوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ، وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ، وَخَوْفٍ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَمُلَازَمَةِ غريم معسر، ....
ــ
ففي (الصحيح): [خ: 3260 - 1617](اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها في التنفس، فهي تتنفس نفسًا في الشتاء ونفسًا في الصيف، فما كان من شدة الحر .. فهو من فيحها، وما كان من شدة البرد .. فهو من زمهريرها).
والمصنف تبع (المحرر) في عد هذين من الأعذار الخاصة، والرافعي عدهما من الأعذار العامة، وتبعه على ذلك في (الروضة) وهو الصواب.
قال: (وجوع وعطش ظاهرين، ومدافعة حدث)؛ لما تقدم في آخر (شروط الصلاة) وتقدم هناك أن ذلك ليس تكرارًا.
قال: (وخوف ظالم على نفس أو مال)؛ لما تقدم في حديث ابن عباس أنه فسر العذر بالخوف.
والمراد: النفس والمال المعصومان.
والمصنف هنا وفي (باب التيمم) نكر النفس والمال ليشمل ماله ومال غيره ممن يلزمه الذب عنه، ولهذا كان أحسن من قول (الشرحين) و (الروضة): إلا أن يخاف على نفسه أو ماله.
وقد يقال: في الذب عن مال الغير نظر، لكن سيأتي في (دفع الصائل): أنه لو رأى غيره يحرق متاعه أو يشدخ رأس حماره .. لزمه الدفع عنه على الأصح.
قال الرافعي: ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم بمنعه، بل عليه الحضور وتوفيقه الحق، وسيأتي فيمن عليه حضور ما يخصص هذا الإطلاق.
ويدخل في الخوف ما إذا كان خبره في التنور، أو قدره على النار ولا متعهد لهما.
قال: (وملازمة غريم معسر).
المراد بـ (المعسر): من عسر عليه إقامة البينة على إعساره؛ للحديث السابق.
وصورة المسألة: أن لا تكون له بينة بإعساره، أو كانت وتعذر إحضارها، فإن
وَعُقُوبَةٍ يُرْجَى تَرْكُهَا إِنْ تَغَيَّبَ أَيَّامًا،
ــ
وجدا ولم يتعذر إحضارها .. فلا يعذر.
والمتجه: إلحاق رد اليمين بذلك.
والملازم قد يكون صاحب الحل، وقد يكون غيره وهو المعهود الآن، والحبس كالملازمة في ذلك.
وقوله: (غريم معسر) يقرأ بالإضافة من غير تنوين، أي: ملازمة غريمه له وهو معسر.
وعبارة (المحرر): أو خاف حبس الغريم وملازمته.
وما أحسن قول (البسيط): ومديونًا معسرًا يعسر عليه إثبات الإعسار.
و (الغريم) أصله من الغرام - وهو: الدائم، ومنه قوله تعالى:{إنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} - فأطلقوه هنا لدوام الطلب.
قال الجوهري: الغريم: الذي عليه الدين، وقد يكون الذي له الدين، قال كثير عزة [في (ديوانه) 297 من الطويل]:
قضي كل ذي دين فوفى غريمه
…
وعزة ممطول معنى غريمها
قال: 0وعقوبة يرجى تركها إن تغيب أيامًا) كالقصاص وحد القذف والتعازير وغير ذلك مما يقبل العفو، بخلاف ما لا يقبله كحد الزنا والسرقة والشرب إذا بلغت الإمام، وكذا كل ما لا يسقط بالتوبة.
واستشكل الإمام جواز التغيب لمن عليه قصاص بأن القتل ونحوه من الكبائر والتخفيف ينافيه، وكيف يجوز له التغيب مع أن التسليم واجب عليه؟ ثم أجاب بأن العفو مندوب إليه، والتغيب طريق إليه.
وعبر في (المحرر) بقوله: (يرجو تركها، وهي أصوب؛ فإن النظر إلى رجائه وبأسه دون غيره.
وَعُرْيٍ، وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرٍ مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ،
ــ
والظاهر: أن المراد: الرجاء القريب، أما البعيد .. ففيه نظر.
قال: (وعرى) ولو وجد سائر العورة؛ لأن فيه مشقة في المشي من غير ساتر يليق به، فإن اعتاد ستر العورة فقط .. لم تسقط عنه الجماعة.
ووجود ما لا يليق كالفقيه إذا وجد قباء .. حكمه حكم العدم.
قال: (وتأهب لسفر) أي: مباح (مع رفقة ترحل) فيتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم؛ لما في ذلك من المشقة.
وتقدم في (باب التيمم): أن الأصحاب لم يبيحوا ترك الجماعة ولحاق القافلة بسبب الوحشة، بل شرطوا خوف الضرر، وهنا اعتبروا الوحشة وتقدم الفرق.
قال: (وأكل ذي ريح كريه)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراثًا .. فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه الشيخان (خ 855 - م 564] عن جابر.
زاد البخاري [854]: قال جابر: (ما أراه يعني إلا نيته).
وزاد الطبراني (طس 37]: (أو فجلا). لا جرم صرح في (شرح مسلم) بأن الفجل كالكراث.
وذهب الخطابي إلى أن أكل جميع ذلك ليس عذرًا في ترك الجماعة.
تنبيهات:
أحدها: المجزوم به في (الروضة) وغيرها: أن دخول المسجد للذي أكل ذلك مكروه، وظاهر الحديث يقتضي: تحريمه، وإليه ذهب ابن المنذر.
الثاني: محل كون ذلك عذرًا: إذا لم يمكن إزالة رائحته بغسل ومعالجة، فإن كان مطبوخًا .. فلا.
وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتَضَرٍ
ــ
وأسقط المصنف قيد النيء، اعتمادًا على أن الطبخ يزيل رائحته، وهو كذلك اعتمادًا على الأحاديث الصحيحة فيه.
الثالث: اختلف العلماء في أكل ما له رائحة كريهة من البقول: فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في جماعة إلى المنع محتجين بأن النبي صلي الله عليه وسلم سماها:(خبيثة)، والله تعالى وصفه بأنه يحرم الخبائث.
وحجة الجمهور قوله عليه الصلاة والسلام: (كله؛ فإني أناجي لمن لا تناجي".
قال المصنف: وقاس العلماء على هذا مجالس العلم وأمكنه الولائم ونحوها، ولا يلتحق بها الأسواق.
الرابع: يؤخذ مما ذكره المصنف سقوط الجماعة بالبخر والصنان المستحكمين من باب أولى.
والظاهر: أن الجذام والبرص كذلك، وكذلك من بها استحاضة أو جرح سيال.
الخامس: ظاهر إطلاقهم .. أنه لا فرق في ذلك بين المعذور وغره، خلافًا لابن حبان [2095] فإنه استثنى المعذور، ثم أسند إلى المغيرة بن شعبة أنه قال: أكلت ثومًا ثم أتيت مصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فوجدته قد سبقني بركعة، فلما قمت لأقضي .. وجد ريحه فقال:(من أكل هذه البقلة .. فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها)، قال المغيرة: فلما قضيت الصلاة .. أتيته فقلت: يا رسول الله؛ إن لي عذرًا فناولني كفك فوجدته والله سهلاً، فأدخلها في كمي إلى صدري فوجده معصوبًا فقال:(إنك لمعذور).
قال: (وحضور قريب محتضر)؛ لما في ذهابه إلى الجماعة من شغل القلب السالب للخشوع.
وفي (البخاري)[3990] في (باب فضل من شهد بدرًا): أن ابن عمر كان يتطيب
أَوْ مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ أَوْ يَانَسُ بِهِ
ــ
للجمعة، فأخبر ابن سعيد بن زيد منزل به وكان قريبًا له .. فأتاه وترك الجمعة.
وفي معنى القريب: المولى والزوجة والصديق والصهر، وكذا الأستاذ كما نبه عليه المحب الطبري، ولا يبعد إلحاق المعتق والعتيق بهم أيضًا.
قال: (أو مريض بلا متعهد) سواء كان قريبًا أم أجنبيًا؛ لأن حفظ الآدمي أولى من المحافظة على الجماعة.
وشرطه: أن يلحقه بغيبته ضرر ظاهر في الأصح - وكذا من كان له متعهد مشغول عند ذلك الوقت - فلو خاف هلاكه .. فعذر قطعًا.
قال: (أو يأنس به) هذا مخصوص بالقريب، كما صرح به (المحرر) وهو المنقول، فيتخلف القريب - للأنس - مع المتعهد، بخلاف الأجنبي لظهور الفرق بينهما.
و (الأنس): خلاف الإيحاش، يقال: تأنست به واستأنست، وكانت العرب تسمى يوم الخميس مؤنسًان لأنهم كانوا يمليوا فيه إلى الملاذ.
قال الجوهري: تقول: هو إنسي وخدني وخلصي وجلسي كله بالكسر.
تتمة:
عد المتولي وغيره من الأعذار: أن يخاف أن يسرق رحله، أو تضيع وديعة عنده، وعد الماوردي من الأعذار العامة: الزلزلة، ومن الخاصة: إنشاد الضالة التي يرجو الظفر بها.
ومنه: غلبة النعاس والنوم عند الروياني؛ لأنه يسلب الخشوع في الصلاة، ويخاف انتفاض الطهر في اثنائها، وترك الصلوات الليلة لذات الزفاف كما سياتي في (باب القسم).
وعد ابن حبان [2070] من ذلك: السمن المفرط المانع من حضور الجماعة؛ لأن رجلاً ضخمًا من الأنصار شكا لرسول الله صلي الله عليه وسلم ذلك فشكاه.