المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ: لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي اَلْمَوْقِفِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ .. بَطَلَتْ - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٢

[الدميري]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ: لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي اَلْمَوْقِفِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ .. بَطَلَتْ

‌فَصْلٌ:

لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي اَلْمَوْقِفِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ .. بَطَلَتْ فِي اَلْجَدِيدِ

ــ

تغلبه على الإمامة من غير استحقاق، أو لأنه لا يحترز من النجاسات، أو يتعاطى معيشة مذمومة، أو يعاشر الظلمة والفساق، أو يمحق هيئات الصلاة ونحو ذلك، فإن لم يكن .. كذلك فاللوم على من كرهه.

وخص الإمام الكراهة بما إذا لم ينصبه السلطان، فإن نصبه .. لم يكره، وضعفه المصنف.

وحيث ثبتت الكراهة .. فهي مخصوصة بالإمام، فأما المأموم .. فلا يكره له إن كرهه بعضهم، بخلاف الإمامة العظمى .. فإنها تكره إذا كرهها البعض.

قال: (فصل:

لا يتقدم على إمامه في الموقف)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، والائتمام: الاتباع، والمتقدم غير تابع.

قال: (فإن تقدم .. بطلت في الجديد)، كالتقدم بتكبيرة الإحرام؛ فياسًا للمكان على الزمان.

والقديم: لا تبطل مع الكراهة، كما لو وقف خلف الصف وحده.

وعلى الجديد لو شك: هل هو متقدم أو متأخر؟ بأن كان في ظلمة .. صحت صلاته مطلقًا، لأن الأصل عدم المفسد، كذا نقله المصنف في (فتاويه) عن النص، وصححه في (التحقيق).

وقال القاضي حسين: إن جاء من ورائه .. صحت صلاته، وإن جاء من قدامه .. لم تصح؛ عملاً بالأصل فيهما.

ص: 368

وَلَا تَضْرُّ مُسَاوَاتُهُ، وَيُنَدبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلاً، وَاَلاِعْتِبَارُ بَاَلْعَقِبِ

ــ

لكن يستثنى من إطلاق المصنف: جواز التقدم في شدة الخوف، كما جزه به جماعة من الأصحاب.

قال: (ولا تضر مساواته)؛ لعدم المخالفة، وهذا لا خلاف فيه.

وفي (الصحيحين)[خ 183 - م 763]: (أن ابن عباس بات عند خالته ميمونة فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقام عن يساره فأخذ برأسه وأدراه عن يمينه)، والمنقول:(أنه أداره من ورائه)، ولو جاز تقدم المأموم على الإمام

لكانت الإدارة من أمامه أسهل.

قال الشيخ: والاستدلال بهذا ليس بالقوى؛ لأن المرور بين يدي المصلي مكروه، فجاز أن يكون أداره من خلفه لأجل ذلك.

وقال جماعة من العراقيين: تكره المساواة، وتبعهم في (شرح المهذب) و (التحقيق)، واستبعده الشيخ.

قال: (ويندب تخلفه قليلاً)؛ استعمالاً للأدب، ولتظهر رتبة الإمام علي المأموم.

وإنما يندب التخلف في الذكرين المستورين، أما المرأتان .. فلا، وكذا العاريان البصيران، أو كان الإمام عاريًا فقط والمأموم بصيرًا فقط ولا ظلمة.

قال: (والاعتبار بالعقب) في التقدم والمساواة، سواء تقدمت الأصابع أو تأخرت؛ لأن ابن مسعود كان قصيرًا وصلى بعلقمة والأسود، ذات عن يمينه، وذا عن يساره.

وفي (البسيط): الاعتبار بالكعب، وتبعه ابن يونس.

هذا إذا صلى قائمًا، فإن صلى قاعدًا .. فالاعتبار بالآلية، قاله البغوي.

والاعتبار بالاعتماد على الرجل، فلو قدم رجله على رجل الإمام وهي مرتفعة عن الأرض .. لم يضر إذا كان الاعتماد على غير المتقدمة، والظاهر: أن المعتبر في المستلقي رأسه.

ص: 369

وَيَسْتَدِيرُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام حَوْلَ اَلْكَعْبَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إِلَى اَلْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ جِهَةِ اَلإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَا فِي اَلْكَعْبَةِ وَاَخْتَلَفَتَ جِهَتَاهُمَا .. وَيَقِفُ اَلْذَّكَرُ عَنْ يَمِينِهِ،

ــ

قال: (ويستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة)؛ ليحصل الاستقبال للجميع، وأول من فعل ذلك عبد الله بن الزبير، وأجمع عليه من في عصره، ومن بعده.

وقيل: أول من فعله خالد بن عبد الله القسري لما ولي إمرة مكة في أيام عبد الملك بن مروان.

وكان عطاء وعمرو بن دينار ونظراؤهم هناك ولم ينكروا عليه.

ويستحب للإمام أن يقف خلف المقام.

قال: (ولا يضر كونه) أي: كون المأموم (أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام في الأصح)؛ لأنه لا تظهر به مخالفة فاحشة، ولأن رعاية القرب والبعد في غير جهته تشق.

والثاني - ونسب إلى الشيخ ابن إسحاق الإسفراييني -: أنه يضر كما لو كان أقرب في جهة الإمام.

فلو استقل نفس الركن الذي فيه الحجر الأسود - مثلاً - فهل تكون جهته جهة الباب، أو جهة ما بين الركنين؟ فيه نظر، ويحتمل أن يقال: جهته مجموع الجهتين، لأنه يستقبل هذه بكتفه الأيمين وبعض صدره، وتلك بكتفه الأيسر وبعض صدره.

قال: (وكذا لو وقفا في الكعبة واختلفت جهتاهما)، فيجوز أن يكون وجه المأموم إلى وجه الإمام وظهره إلى ظهره، ولا يمتنع إلا أن يتقدم المأموم على إمامه في جهته خاصة.

قال: (ويقف الذكر عن يمينه) بالغًا كان أو صبيًا؛ لحديث ابن عباس.

فإن أحرم عن يساره .. رجع عن يمينه، ويتحرز من أفعال تبطل الصلاة، فإن لم

ص: 370

فَإِنْ حَضَرَ آَخَرُ .. أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ اَلإِمَامُ، أَوْ يَتَأَخَّرَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ وَلَوْ حَضَرَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيِّ .. صَفَّا خَلْفَهُ،

ــ

يحسن .. علمه الإمام كما صنع رسول الله صلي الله عليه وسلم.

قال: (فإن حضر .. أخر أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمام، أو يتأخران)؛ مراعاة للسنة في تقديم الإمام وتأخر الصف. هذا إذا جاء في القيام، فأما إذا لحق الثاني في التشهد أو السجود .. فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوم.

ونبه بقوله: (ثم يتقدم

إلى آخره) على أن التقدم أو التأخر لا يكون إلا بعد إحرام المأموم الثاني، وهو كذلك بالاتفاق.

قال: (وهو أفضل) أي: تأخرما؛ لما روى مسلم [3010] في آخر كتابه من حديث جابر الطويل أنه قال: (قمت عن يسار رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدراني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأخذ بيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه)، ولأن الإمام متبوع فلا ينتقل عن مكانه.

وقيل: تقدم الإمام أولى؛ لأنه عمل واحد وهو أخف من عملين.

وهذا إذا أمكن كل منهما، فإن لم يكن إلا أحدهما لضيق إحدى الجهتين .. تعين.

قال: (ولو حضر رجلان أو رجل وصبي .. صفا خلفه).

أما الرجلان .. فلحديث جابر المذكور.

وأما الرجل والصبي .. فلما روى الشيخان [خ 380 - م 658] عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: أن جدته مليكة - أي: جده إسحاق - دعت رسول الله صلي الله عليه وسلم لطعام صنعته، فأكل منه ثم قال:(قوموا فلأصل لكم)، فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ورائنا، فصلى ركعتين ثم أنصرف.

ص: 371

وَكَذَا اِمْرَأَةٌ أَوْ نْسَوةٌ. وَيَقِفُ خَلْفَهُ اَلْرِّجَالُ ثُمَّ اّلْصِّبْيَانُ ثُمَّ اَلْنَّسَاءُ، وَتِقفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنِّ

ــ

قال: (وكذا امرأة أو نسوة) فالسنة: أن تقف الواحدة خلف الإمام، كذلك النسوة.

قال: (ويقف خلفه الرجال)، وإذا اجتمع عدد من الرجال والصبيان .. يقف خلفه الرجال، ثم الصبيان، فإن كان صبي واحد .. دخل صف الرجال، ثم الخنثى، ثم النساء؛ لقول صلي الله عليه وسلم:(ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) رواه مسلم [432].

و (أولوا الأحلام والنهى): البالغون العقلاء.

والمعنى فيه: أن الصف الأول أفضل، والرجال أكمل فاختصوا به، ويليهم الصبيان؛ لأنهم من الرجال لكنهم دونهم في الفضيلة.

هذا إذا حضروا جميعًا، أما إذا حضر الصبيان أولاً ثم الرجال وقد استوعب الصبيان الصف الأولى .. فليس لهم إزالتهم عن امكنتهم. وإن حضر النساء أولاً .. أخرن.

وقيل: يقف كل صبي بي رجلين؛ ليتعلم منهما أحكام الصلاة.

قال: (ثم الصبيان)؛ لأنهم دون الرجال في الفضيلة.

قال الدارمي: هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل .. قدموا.

قال: (ثم النساء)؛ لما روى البيهقي [3/ 97] عن أبي مالك الأشعري قال: (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يليه في الصلاة الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء).

قال: (وتقف إمامتهن وسطهن)؛ لأن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أمتا نسوة ووقفتا وسطهن، رواه الشافعي [أم 1/ 164] والبيهقي [3/ 131]. ولأن ذلك أستر لها.

وجميع هذا مستح لا تبطل الصلاة بمخالفته حتى لو وقفت المرأة مع الرجل .. لم تبطل الصلاة.

ص: 372

وَيُكْرَهُ وُقُوفُ الْمَامُومِ فَرْدًا،

ــ

و (وسط) هنا بإسكان السين، تقول: جلست وسط القوم بالتسكين؛ لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالفتح؛ لأنه اسم.

وضابطه: أن كل موضع صلح فيه (بين) .. فهو بالتسكين، وإن لم يصلح .. فهو بالفتح.

فرع:

العراة إن كانوا عميًا أو في ظلمة .. صلوا جماعة وتقدم إمامهم، وإن أبصروا أو كانوا في ضوء .. فالأظهر: أن الجماعة والانفراد في حقهم سواء. وإذا صلوا جماعة .. وقف إمامهم وسطهم؛ لسلا يقع بصر واحد منهم على عورة غيره. هذا إذا أمكن، فإن لم يمكن لضيق المكان .. فعن الإمام والمتولي: أنهم يقفون صفوفًا مع غض البصر.

فإن كان فيهم مكتس أهل .. استحب تقديمه، ويصلون جماعة قولاً واحدًا ويكونون صفًا، فإن تعذر .. فصفين أو أكثر بحسب الحاجة.

قال: (ويكره وقوف المأموم فردًا)؛ لما روى البخاري [783] عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنه دخل النبي صلي الله عليه وسلم راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال:(زادك الله حرصًا ولا تعد)، ولم يأمره بالإعادة مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف.

وقال ابن المنذر وابن خزيمة والحميدي: تبطل الصلاة بذلك؛ لحديث وابصة بن معبد: (أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده .. فأمره أن يعيد الصلاة) رواه أبو داوود [682]، وحسنه الترمذي [231].

وف (ابن ماجه) بسند حسن [1003]: (لا صلاة للذي خلف الصف)، وحمل الأصحاب ذلك على الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة.

ص: 373

بَلْ يَدْخُلُ اَلْصَّفِّ إِنْ وَجَدَ سَعَةَ، وَإِلَاّ .. فَلْيَجُرَّ شَخْصًا

ــ

وقد ضعف الشافعي حديث وابصة، وكان في القديم يقول: لو ثبت .. لقلت به.

قال البيهقي: والاختيار أن يتوقى ذلك.

هذا إذا كان ثم من هو من جنسه، فلو جاءت امرأة ولا نساء هناك، أو خنثى ولا خنائي .. استجب له أن يقف فردًا، ويكره له الدخول في الصف.

قال: (بل يدخل الصف إن وجد سعة) سواء وجد ذلك في الصف الذي انتهى إليه، أو في صف أمامه.

قال في (المهمات): كذا أطلقه الشيخان وابن الرفعة وليس كذلك، بل محله إذا كان التخطي إلى الفرجة بصف أو صفين، فإن انتهى إلى ثلاثة .. امتنع كما نص عليه في (الأم)، وصرح به جماعة من الأصحاب.

و (السعة): أن لا يكون خلاء، ويكون بحيث لو دخل بينهما .. لو سعهم.

و (الفرجة): الخلاء الظاهر، فقول المصنف:(سعة) دال على الفرجة بطريق أولى.

قال" (وإلا .. فليجر شخصًا) أي: إذا لم يجد سعة في صف من الصفوف .. فعل ذلك خروجًا من الخلاف.

واستأنس له الأصحاب بحديث في (مراسيل أبي داوود)[83] و (البيهقي)[3/ 105] عن مقاتل بن حيا أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن جاء فلم يجد أحدًا .. فليختلج إليه رجلاً من الصف فلقم معه، فما أعظم أجر المختلج! " فما أعظم أجر المختلج! " وهذا إذا كان في القيام، أما في غيره .. فلا كما تقدم.

والقول الثاني - وهو المنصو في (البويطي) -: أنه يقف منفردًا ولا يجر إلى نفسه أحدًا، وصححه جماعة، لأنه يؤدي إلى الإخلال بالصف وتفويت الفضيلة على المجرور.

وعن مالك وأبي حنيفة: كراهة الجذب.

ص: 374

بَعْد اَلإِحْرَامِ، وَلْيُسَاعِدْهُ اَلْمَجْرُورُ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِاَنْتِقَالَات اَلإِمَام، بِأَنْ يَرَاهُ أَوْ بَعْضَ صَفِّ، أَوْ يَسْمَعَهُ أَوْ مُبَلِّغًا، وَإِذاَ جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ .. صَحَّ اَلاِقْتِدَاءُ وَإِنْ بَعُدَتِ اَلْمَسَافَةُ وَحَالَتْ أَبْنِيَةٌ

ــ

قال: (بعد الإحرام)؛ لأن المجذوب يصير منفردًا إلى أن يحرم، فيفوت عليه الفضيلة.

قال: (وليساعده المجرور)؛ ليحصل له فضيلة المعاونة على البر والتقوى.

قال: (ويشترط علمه بانتقالات الإمام) بالإجماع، ولأنه بدون العلم بذلك لا تمكنه المتابعة.

قال: (بأن يراه أو بعض صف، أو يسمعه أو مبلغًا) هذا من جملة أسباب العلم، ولم يستوعب المصنف الأسباب، وإنما ذكر أمثلة منها.

ولا يكفي عندما وعند جمهور العلماء ذلك، بل لابد معه من أن يعد الإمام والمأموم مجتمعين، والدعاء إلى الجماعة، وكان كل يصلي في بيته وفي سوقه بصلاة الإمام في المسجد إذا علمها وهو خلاف الكتاب والسنة.

ولا فرق في المبلغ بين أن يكون مصليًا أو غيرهن وكلام الشيخ أبي محمد في (الفروق) يقتضي: اشتراط كونه مصليًا، وأن يكون ثقة، لكن قال في (شرح المهذب)، في (باب الأذان): قبول خبر الصبي في ذلك كله.

وكان الصواب التعبير بـ (الكاف) يدل (الياء)؛ لأن الأعمى الأصم لو علم ذلك بحركات شخص إلى جانبه .. كفى على النص.

قال: (وإذا جمعهما مسجد .. صح الاقتداء وإن بعدت المسافة وحالت أبنية)، كصحن المسجد وصفته وسرداب وبئر في وسطه ومنارة فيه؛ لأن المسجد كله مبني للصلاة، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة صلاة الجماعة مؤدون لشعارها - إذا علم المأموم بصلاة الإمام، ولم يتقدم عليه.

ص: 375

وَلَوْ كَانَا بِفَضَاءٍ .. شُرِطَ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلى ثَلاثَ مِئَةِ ذَرَاعٍ

ــ

وشرط البنائين في المسجد أن ينفذ أحدهما إلى الآخر، ولا يضر حينئذ إغلاق باب بينهما ولا مرقا السطح على الأصح.

أما المساجد التي يفتح بعضها إلى بعض .. فلها حكم المسجد الواحد ولو انفرد كل منها بإمام ومؤذن وجماعة.

ولو حال بين المسجدين نهر أو طريق أو حائط بلا نفوذ .. فكملك مع مسجد.

وأما رحبة المسجد .. فعدها الأكثر منه، ولم يذكروا فرقًا بين أن يكون بينها وبين المسجد طريق أم لا، ونزلها ابن كج - إن كانت منفصلة - منزلة مسجد آخر.

قال: (ولو كانا بفضل) وهو: المكان الواسع، سواء كان محوطًا أو غير محوط، كالبيت الواسع مسقفًا كان أو غير مسقف.

قال: (.. شرط أن لا يزيد ما بنيهما على ثلاث مئة ذراع)؛ لأن ذلك قريب عادة.

ص: 376

تَقْرِيبًا، وَقِيَ: تَحْدِيدًا. فَإِنْ تَلَاحَقَ شَخْصَانِ أَوْ صَفَّانِ .. اُعْتُبِرَتِ اَلْمَسَافَةُ بَيْنَ الأَخِيرِ وَالأَوَّلٍ

ــ

وقيل: إن ذلك أخذ من صلاة النبي صلي الله عليه وسلم في صلاة الخوف؛ فإنه انحاز بالجماعة إلى حيث لا تناله سهام العدو، وسهام العرب إنما تبلغ إلى هذه الغاية غالبًا.

قال الإمام: كنت أود لو قال قائل من أئمة المذهب: يراعى في التواصل مسافة يبلغ فيها صوت الإمام المقتدي لو رفعه قاصدًا به تبليغًا على الحد المعهود.

و (الذراع) بالذال المعجمة، والمراد به هنا: ذراع اليد المذكور في مساحة القلتين.

قال: (تقريبًا)؛ لعدم ورود ضابط له في الشرع، فلو زاد على ذلك زيادة غير متفاحشة .. لم يضر، وقيدها في (الشافي) بذراعين، وفي (البحر) و (المذهب) بثلاثة.

قال: (وقيل: تحديدًا)، فلو زاد ذراع .. ضر، وهو قول أبي اسحاق المروزي.

قال الإمام: كيف يطمع الفقيه في التحديد، ونحن في إثبات التقريب على علالة؟! وفيه طريقة ثانية: أنه تقريب وجَها واحدًا.

قال: (فإن تلاحق شخصان أو صفان .. اعتبرت المسافة بين الأخير والأول) ولو بلغ بين الإمام والأخير فراسخ.

وفي وجه: يعتبر ما بين الإمام والصف الآخر.

ولا فرق بين أن يكون هذا التباعد وراء الإمام أو عن يمينه أو عن يساره كما اقتضاه إطلاق الكتاب.

ص: 377

وَسَوَاءٌ اَلْفَضَاءُ اَلْمَمْلُوكُ وَاَلْوَقْفُ وَاَلْمُبّغَّضُ. وَلَا يَضُرُّ اَلْشَّارِعُ اَلْمَطْرُوقُ وَاَلْنَّهَرُ اَلْمُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ عَلَى اَلْصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَا فِي بِنَاءَيْنِ كَصَحْنٍ وَصُفَّهٍ أَوْ بَيْتٍ .. فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: إِنْ كَانَ بِنَاءُ اَلْمَامُومٍ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً .. وَجَبَ اَتِّصَالُ صَفٍّ مِنْ أَحَدِ اَلْبِنَاءَيْنِ بِاَلآَخَرِ، وَلَا تَضُرُّ فَرْجَهٌّ لَاّ تَسَعُ وَاقِفًا فِي اَلأَصَحِّ

ــ

قال: (وسواء) أي: في الصحة (الفضاء المملوك والوقف والمبعض) وهو الذي بعضه وقف، وبعضه طلق؛ لعموم الأدلة.

قال: (ولا يضر الشارع المطروق والنهر المحوج إلى سباحة على الصحيح)؛ لأن ذلك ليس بحائل؛ إذ الماء لم يخلق للحيلولة، وإنما خلق للمنفعة، فلا يمنع الائتمام كالنار، وهي لا تمنع بالإجماع. أما النهر الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر بلا سباحة كالوثوب أو الخوض أو العبور على جسر .. فلا يضر، وادعى المصنف الاتفاق عليه.

والوجه الثاني: يضر، ووجه في (الشارع) بوقوع الحيلولة عن الاطلاع - على أحوال الإمام فتعسر المتابعة.

و (النَّهَر والنَّهْر) لغتان، والجمع) انهار ونهر.

قال: (وإن كانا في بناءين كصحن وصفة أو بيت .. فطريقان: أصحهما) وهي طريقة القفال وموافقيه: (إن كان بناء المأموم يمينًا أو شمالاً .. وجب اتصال من أحد البناءين بالآخر)؛ لأن اختلاف البناء يوجب كونهما متفرقين، فلابد من رابطة يحصل بها الاتصال.

و (الصحن): وسط الدار.

قال: (ولا تضر فرجة لا تسع واقفًا في الأصح)؛ لأن ذلك يعد صفًا واحدًا.

والثاني: يضر؛ لعدم الاتصال الحقيقي.

ص: 378

وَإِنْ كَانَ خَلْفَ بِنَاءِ اَلإِمَامِ .. فَاَلْصَّحِيحُ: صِحَّهُ اَلْقُدْوَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ اَلصَّفَّيْنِ أَكْثّرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. وَاَلْطَرِيقُ اَلْثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ إِلَاّ اَلْقُرْبُ كَاَلْفَضَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ أَوْ حَالَ بَابٌ نَاَّفِذٌّ، فَإِنْ حَالَ مَا يَمْنَعُ اَلْمُرُورَ لَا اَلَرُّؤْيَةَ .. فَوَجْهَانِ،

ــ

و (الفرجة) بضم الفاء وفتحها: الخلل بين الشيئين.

قال: (وإن كان خلف بناء الإمام .. فالصحيح: صحة القدوة بشرط أن لا يكون بين الصفين) أيك أي اللذين أحدهما في بناء الإمام والآخر في بناء المأموم (أكثر من ثلاثة أذرع) أي: تقريبًا؛ لأنها تعد جماعة واحدة، ولأن الحاجة تمس إلى الاقتداء هها كما في اليمين والشمال، وبذلك يحصل الاتصال العرفي .. وإنما جوزنا في اليمين والشمال؛ لأن الاتصال المحسوس يتواصل المناكب فيه ممكن.

والثاني: لا يصح؛ لأن اختلاف البناء يوجب الافتراق، ولم ينجبر ذلك بالاتصال المحسوس بتواصل المناكب.

قال: (والطريق الثاني: لا يشترط إلا القرب كالقضاء)؛ للقياس الذي أشار إليه.

فعلى هذا: يصح الاقتداء ما لم يزد ما بينه وبين آخر صف على ثلاث مئة ذراع، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي، وأكثر العراقيين.

قال: (إن لم يكن حائل أو حال باب نافذ) أي: فوقف بحذائه صف أو رجل.

وفي عبارة المصنف غلاقة؛ لأن النافذ ليس بحائل، وصوابها أو كان باب نافذ، ومع ذلك لا يحتاج إلى ذكر ذلك مع قوله:(إن لم يكن حائل).

قال: (فإن حال ما يمنع المرور لا الرؤية) أي: كالشباك (.. فوجهان):

أحدهما: الصحة؛ لوجود القرب والمشاهدة، فهو كان لو كان معهم. ولا عبرة بالاستطراق، ألا ترى أنه إذا بعد في الصحراء .. لا يصح الاقتداء وإن كان الاستطراق ممكنًا.

والثاني: لا يصح؛ لأن بينهما حائلاً يمنع الاستطراق فأشبه الحائط .. ولا اعتبار بالمشاهدة كما لو زاد بعده عن ثلاث مئة ذراع .. فإنه لا يصح مع المشاهدة.

ص: 379

أَوْ جِدَارٌ .. بَطَلَتْ بِاَتِّفَاقِ اَلْطَّرِيقَيْنِ .. قُلْتُ: اَلْطَّرِيقُ اَلْثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

ــ

وأطلق المصنف الوجهين كما في (المحرر) و (الشرح)، وصحح في (شرح المذهب) و (التحقيق): أنه لا يصح، وكذلك صححه في (أصل الروضة)، ولا تصحيح في (الشرح الكبير)، وليس في (المنهاج) خلاف مرسل إلا هذا الموضع وموضع آخر في (نفقة الأقارب) لا ثالث لهما، إلا ما كان مفرعًا على وجه ضعيف، كالأقوال المفرعة على تعارض السنتين، وفي (المحرر) بلا تصحيح ثمانية مواضع لا تاسع لها.

فرع:

إذا كان الشباك في جدار المسجد، ككثير من الأربطة المتصلة بالمسجد الحرام والمدينة الشريفة وبيت المقدس .. صحت الصلاة إذا وقف المأموم في نفس الجدار؛ لأن جدار المسجد من المسجد، والحيلولة فيه بين الإمام والمأموم لا تضر كما تقدم.

قال: (أو جدار .. بطلت باتفاق الطرفين) وإن علم بصلاة الإمام؛ لأن الجدار معد للفصل بين الأماكن، فإذا صلى في دار أو نحوها بصلاة الإمام في المسجد وحال حائل .. ولم يصح عندنا - وبه قال أحمد - لقوله صلي الله عليه وسلم:(لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، ووقفه أصح من رفعه.

وقال مالك: تصح إلا في الجمعة.

وقال أبو حنيفة: تصح مطلقًا.

قال: (قلت: الطريق الثاني أصح والله أعلم) وهو في ترجيح هذا تابع لمعظم العراقيين، والأولى طريقة المراوزة.

قال الشيخ: وصفف المدارس الشرقية والغربية إذا كان الواقف فيها لا يرى الإمام ولا من خلفه .. الظاهر: أن القدوة ممتعة فيها - كما صححه الرافعي والمصنف من الطريقين - لامتناع الرؤية دون المرور، وإنما يجئ أحدهما إذا حصل إمكان الرؤية

ص: 380

وَإِذَا صَحَّ اَقْتِداؤُهُ فِي بِنَاءٍ آَخَرَ .. صَحَّ اَقْتِدَاءُ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلإِمَامِ. وَلَوْ وَقَفَ فِي عُلُوٍّ وَإمَامُةُ فِي سُفْلٍ أَوْ عَكْسِهِ .. شَرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ

ــ

والمرور جميعًا .. فلا تصح الصلاة فيها على الصحيح، إلا بان تتصل الصفوف من الصحن بها، قال: ولم أر في ذلك تصريحًا.

قال: (وإذا صح اقتداؤه في بناء أخر .. صح اقتداء من خلفه وإن حال جدار بيته وبين الإمام) تبعًا له، وهم معه كالمأمومين مع الإمام، ولهذا لا يجوز تقدمهم عليه في الموقف، ولا في تكبيرة الإحرام.

قال: (ولو وقف في علو وإمامه في سفل أو عكسه .. شرط محاذاة بعض بدنه بعض بدنه)، وذلك بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى على الأصح؛ لأنه لابد من الاتصال المحسوس.

وشرط الشيخ أبو محمد أن يحاذي رأس الأسفل ركبة الأعلى.

والاعتبار بالقيام من معتدل القامة، حتى لو لم تحصل المحاذاة لأجل قصره أو قعوده .. لم يضر.

وصورة المسألة: أن لا يكونا في مسجد، فإن كانا فيه .. صح قطعًا كما تقدم.

والربط والخانات في حكم الدور.

قال الشيخ: واشتراط المحاذاة التي أطبق عليها الأصحاب يحتاج إلى دليل، والمعتمد في هذا الباب: العرف وأن الإمام والمأموم يعدان مجتمعين، وكأن الأصحاب رأوا أن بفوات المحاذاة يفوت ذلك.

ومتى فاتت المحاذاة على الصفة المذكورة صار حكمه حكم السطح.

و (العلو) مثلث العين، و (السفل) بضم السين وكسرها.

ص: 381

وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ وَإِمَامُهُ فِي مَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ شَيْءٌ .. فَاَلْشَّرْطُ اَلْتَّقَارُبُ مُعْتَبَرًا مِن آخِرِ اَلْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: آَخِرِ صَفٍّ، وَإِنْ حَالَ جدِاَرٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ .. مَنَعَ،

ــ

قال: (ولو وقف في موات وإمامه في مسجد، فغن لم يحل شيء .. فالشرط التقارب) - كوقوفهما في الفضاء - وهو: أن لا يتأخر أكثر من ثلاث مئة ذراع.

قال: (معتبرًا من آخر المسجد) هذا تفريع على الصحيح؛ لأن المسجد مبني للصلاة فلا يدخل في الحد الفاصل.

قال: (وقيل: آخر صف)؛ لأن الاتصال مرعي بينه وبين الإمام لا بينه وبين المسجد.

وعلى هذا، فإذا لم يكن فيه المسجد الإمام .. اعتبرنا المسافة من موقفه، وكان ينبغي أن يقول: من آخر مأموم؛ لأن المنفرد إذا اقتدى به .. اعتبرت المسافة منه على هذا.

وقيل: يعتبر من حريم المسجد، وهو: المهيأ لمصلحته كانصباب الماء إليه وطرح المقامات.

وفي كلام الشافعي والشيخ أبي محمد .. اعتبار فناء المسجد، وهو محتمل للوجه الأول والثالث.

قال: (وإن حال جدار أبو باب مغلق .. منع)؛ لعدم الاتصال، سواء علم بحال الإمام أم لا.

وقال أبو إسحاق المروزي: يصح الاقتداء، ولا يكون حائط المسجد حائلاً، سواء كان قدام المأموم أم عن جنبه؛ لأنه من جملة أجزاء المسجد، أما جدار غير المسجد .. فيمنع الاقتداء قطعًا.

وقوله: (مغلق) هو الأفصح.

قال أبو الأسود الدؤلي - واسمه: ظالم بن عمرو -[من البسيط]:

ولا أقوم لقدر القوم: قد غليت

ولا أقول لباب الدار: مغلوق

ص: 382

وَكَذَا اَلْبَابُ اَلْمَرْدُودُ وَاَلْشُّبَّاكُ فِي اَلأَصَحِّ

ــ

وقوله تعالى: {وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} شدد للكثرة.

قال: (وكذا الباب المردود والشباك في الأصح)؛ لحصول الحائل من وجه دون وجه؛ لأن الباب المردود مانع من المشاهدة، والشباك مانع من الاستطراق فغلب جانب المنع.

والثاني: لا يمنع لحصول الاتصال من وجه، وهو الاستطراق في الصورة الأولى، والمشاهدة في الثانية.

لكن في (فتاوي البغوي): لو كان الباب مفتوحًا وقت الإحرام، فأغلق في أثناء الصلاة .. لم يضر، وقيل: يصح لحصول الاتصال من وجه.

ثم إن المصنف تبع في تصحيحه هذا (المحرر) هنا: وإن كان قد أهمله فيمتا تقدم في البناءين وهما سواء لاتحاد العلة.

و (الشباك) واحدة الشبابيك، وهي: المشبكة من الجديد والقصب ونحوه.

فرع:

صلاة الجماعة في السفينة جائزة، فلو كانت ذات طبقتين فصلى الإمام في طبقة واقتدى به بعضهم في طبقة أخرى .. فهي كالدار ذات البيوت.

وإن صلى في سفينة وإمامة في أخرى، فإن كانتا أو إحداهما مغطاة .. لم يصح، وإن كانتا مكشوفتين .. صح إذا علم بصلاته ولم يزد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع من موقف الإمام إن كان وحده، وإلا .. فمن أخر صف.

قال الماوردي: وكذا إن كان أحدهما في سفينة والآخر على الشط.

وعن الإصطخري: أنه شرط في الصحة أن تشد إحدى السفينتين بالأخرى؛ لاحتمال تقدم سفينة المأموم على سفينة الإمام، ولأن الماء يمنع الاستطراق.

فإن كانت الريح عاصفة بحيث لا يؤمن أن تسبق إحداهما .. كره وأجزأتهم الصلاة إذا لم يتقدم المأموم على الإمام.

ص: 383

قُلْتُ: يُكْرَهُ اَرْتِفَاعُ اَلْمَامُوم عَلَى إِمَامِهِ، وَعَكْسُهُ إِلَاّ لِحَاجَةٍ .. فَيُسْتَحَبُّ، وَلَا يَقُومٌ حَتَّى يَفْرُغَ اَلْمُؤَذِّنُ مِنَ اَلإِقَامَةِ،

ــ

قال: (قلت: يكره ارتفاع المأموم على إمامه، وعكسه).

أما الثاني: فلما روى أبو داوود [597] والحاكم [1/ 210] أن حذيفة أم الناس على دكان بالمدائن، فأخذه ابن مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ .. قال:(الم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى وقد ذكرت حين جبذتني).

وأما الأول .. فمن باب أولى.

وهذا إذا أمكن وقوفهم على مستو من الأرض أو غيرها، فإن كان ولابد من وقوف أحدهما أعلى من الآخر .. فقال القاضي حسين: الأولى أن يقف الإمام أعلى.

قال: (إلا لحاجة .. فيستحب) أي: فيهما، والمراد: حاجة تتعلق بالصلاة، كتعليم الإمام القوم أو تبليغ المؤذن، بل في هذه الحالة يستحب أن يقف في موضع عال كما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديث سهل بن سعد في (الصحيحين) [خ 917 - م 544] فإنه يقال:(يا أيها الناس؛ إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي).

ولو حضر مأموم فلم يجد إلا موضعًا مرتفعًا .. لم يكره له ذلك، ولا نول: إنه يستحب.

قال: (ولا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة)؛ لأنه ما لم يفرغ منها لم يحضر وقت الدخول في الصلاة، ويكون مشتغلاً بجوابه، ولو أسقط لفظ (المؤذن) .. لكان أحسن، لكنه جرى على الغالب.

ص: 384

وَلَا يَبْتَدِئُ نَفْلاً بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ .. أَتَمَّهُ إِنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ اَلْجَمَاعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ

ــ

وصحح في (الكافي): أنه يقوم عند: قد قامت الصلاة.

وقال الماوردي والروياني: البطيء النهضة يقوم عند: قد قامت الصلاة، والسريع بعد الفراغ.

وقال الحليمي: إن أقام الإمام .. قاموا عند: قد قامت الصلاة، وإن أقام غيره .. لم يقوموا حتى يروا الإمام وقد خرج أو نهض إن كان بينهم؛ لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث المشهور في (الصحيحين) [خ 637 - م 604] عن أبي قتادة:(إذا أقيمت الصلاة .. فلا تقوموا حتى تروني) وفي رواية [م 604]: (حتى تروني خرجت).

والمراد (بالقيام): التوجه والإقبال؛ ليشمل المصلي قاعدًا أو مضطعجًا.

قال: (ولا يبتدئ نفلاً بعد شروعه فيها)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة .. فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم [710].

وفي (الصحيحين) أن النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً وقد أقيمت صلاة الصبح صلى ركعتين، فلما انصرف .. قال:(الصبح أربعًا؟! الصبح أربعًا؟!) ووهم الحاكم فاستدركه عليهما.

ولا فرق بين الرواتب وغيرها.

قال: (فإن كان فيه .. أتمه إن لم يخش فوت الجماعة والله أعلم)؛ لقوله تعالى: {ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} . فإن خشي فوت الجماعة بأن يسلم الإمام .. قطع النافلة؛ لأن الجماعة أفضل.

لكنى يستثنى ما لو وجد جماعة أخرى يصلون الكسوف .. فإنه يستحب له أن يصليها معهن خوف فواتها.

وقال الرافعي: إن دخل يوم الجمعة والإمام في آخر الخطبة .. لا يصلي التحية؛ لئلا يفوته أول الجمعة مع الإمام.

ص: 385