المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب صلاة الكسوف - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٢

[الدميري]

الفصل: ‌باب صلاة الكسوف

‌‌

‌بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَ

يْنِ

هِيَ سُنَّةٌ،

ــ

باب صلاة الكسوف

(الكسوف والخسوف) قيل: مترادفان، يقال: كسفت الشمس والقمر إذا ذهب ضوءهما، وانكسفا وانخسفا وخسفا.

وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وصححه الجوهري.

فعلى هذا: يكون التبويب لأحدهما، وخص بالشمس؛ لأنها أشهرهما، أو لأن المصنف يرى أنه يطلق عليهما.

وقيل: الكسوف أول ذهاب الضوء، والخسوف آخره، واللفظان مأخوذان من قولهم: فلان كاسف الحال أي: متغيره.

وأصل الباب قبل الإجماع: قوله تعالى:} لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن {، أي: عند كسوفهما؛ لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما؛ لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضا، فلا معنى لتخصيصهما بالنهي.

قال: (هي سنة) سواء وقع ذلك في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أو غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك .. فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).

ويكره تركها، وإنما لم تجب لقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع).

وفي (الحاوي) في صلاة التطوع وجه: أنها فرض كفاية، وجزم به الخفاف في (الخصال) قبيل (الزكاة).

ص: 558

فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الفَاتِحةَ) وِيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رِكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلَّي ثَانِيَةٌ كَذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلانْجِلَاءِ فِي الأَصَحِّ

ــ

والمخاطب بها: المخاطب بالصلوات الخمس.

وتستحب للنساء ذوات الهيئات في بيوتهن، وغير ذوات الهيئات مع الإمام، وإذا صلين في بيوتهن .. لا يستحب لهن الخطبة، فلو ذكرتهن إحداهن .. كان حسنا.

قال: (فيحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ (الفاتحة) ويركع، ثم يرفع ثم يقرأ (الفاتحة) ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلي ثانية كذلك) أي: ثم يسلم فهذه ركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، ويقرأ (الفاتحة) في كل قيام، ويسجد سجدتين في كل ركعة كغيرها من الصلوات.

وهذه الكيفية رواها البخاري] 1052 [ومسلم] 907 [من رواية ابن عمر إلا أنهما لم يصرحا بقراءة (الفاتحة) في كل ركعة.

لكن في ذكره النية نوع تكرار؛ لأنه ذكرها في (صفة الصلاة)، ولهذا أهمل ذكرها في (صلاة العيد) و (الاستسقاء).

والذي ذكره المصنف هو الأقل في كيفيتها، ومقتضاه: أنه لا يجوز الاقتصار على ركوع واحد في كل ركعة كصلاة الصبح، وهذا هو الصحيح في (الروضة) و (المهمات).

والذي وقع في (شرح المهذب) من استحباب الركوع الثاني، وأنه لو اقتصر على ركوع واحد كسنة الظهر .. صحت وكان تاركا للأفضل .. خلاف الصحيح.

قال: (ولا يجوز زيادة ركوع ثالث لتمادي الكسوف، ولا نقصه للانجلاء في الأصح) كغيرها من الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها.

والثاني- وبه قال أحمد وابن خزيمة وابن المنذر والخطابي والصبغي-: تجوز الزيادة حتى تنجلي؛ جمعا بين الأحاديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركوعات، وروى:(أربعة) أخرجهما مسلم] 901/ 6 [] 908 [، وروى: (خمسة) أخرجها أحمد] 5/ 134 [وأبو داوود] 1175 [والحاكم] 1/ 333 [.

ص: 559

وَالأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ (الفَاتِحَةِ): (الْبَقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وفَي الثَّالِثِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابعِ: مِئةٍ تَقْرِيباً

ــ

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: إذا صح الحديث .. فهو مذهبي، واعتذر جمهور الأصحاب عن ذلك بأن أحاديث الركوعين أشهر وأصح، وهي في (الصحيحين).

قال الشيخ: ولا يصح الاعتذار بذلك إلا إذا كانت الواقعة واحدة واختلف الرواة فيها، أما إذا كانت وقائع فلا تعارض.

والوجهان في النقص للانجلاء بنوهما على الوجهين في الزيادة.

وقول المصنف: (ولا نقصه) أي: ولا نقص الركوع الثاني، ولا يمكن عوده على المذكور في الكلام فإنه الثالث، ولو حذف لفظة (ثالث) .. كان أخصر وأصوب، ثم إن الخلاف لا يختص بزيادة الثالث، بل الرابع والخامس كذلك، أما الزائد على الخامس .. فممنوع جزما؛ لأن المروي في الأحاديث زيادة الرابع والخامس فقط.

قال: (والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد (الفاتحة)(البقرة))؛ لما روى مسلم] 907 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الأولى قياما طويلا قدر (سورة البقرة)، وقالت عائشة رضي الله عنها:(حرزت قيامه الأول بقدر (سورة البقرة)).

والمراد: إذا كان يحسنها، فإن لم يحسنها .. قرأ قدرها.

قال: (وفي الثاني كمئتي آية منها، وفي الثالث مئة وخمسين، و) في (الرابع مئة تقريبا)؛ لما روى البخاري] 1052 [عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طول الأول على الثاني، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع).

والذي ذكره المصنف هو نص (الأم) و (البويطي)، ونص في موضع آخر منه: أنه يقرأ في الثاني نحو (آل عمران)، وفي الثالث نحو (سورة النساء)، وفي الرابع

ص: 560

وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنْ (الْبَقَرَةِ)، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيباً،

ــ

نحو (سورة المائدة)، وليس ذلك باختلاف وإنما هو للتقريب.

والمعتبر في الآيات: الوسط، لا الطول كآية الدين.

فائدة:

(سورة البقرة) فساط القرآن وسنامه ولبابه، تعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة، وابنه عبد الله في ثمان سنين.

قال ابن العربي: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر، أخذها بركة، وتركها حسرة، لا تستطيعها البطلة- وهم: السحرة- لمجيئهم بالباطل، إذا قرئت في بيت .. لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام.

قال: (ويسبح في الركوع الأول قدر مئة) آية (من (البقرة)، وفي الثاني) قدر (ثمانين، و) في (الثالث سبعين، والرابع خمسين تقريبا)؛ لما روى مسلم] 901/ 3 [عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر وركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر وركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال:(سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخيرة مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف).

وإنما كانت تقريبا؛ لعدم ورود تقدير فيه من الشارع.

وقوله: (سبعين) هو بتقديم السين، ووقع في (التنبيه) بتقديم التاء على السين، وقيل: بقدر ثمانين، وقيل: خمس وثمانين، وقيل: ما بين الثمانين إلى التسعين.

والصواب: أنه يقول في الاعتدال عن كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، كما في حديث عائشة المتقدم، وبه صرح في (الشرح) و (الروضة).

ص: 561

وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي (الصَحِيحَيْنِ) وَنَصَّ فِي (الْبُوَيْطِيِّ): أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ

ــ

وقال الماوردي: لا يقول ذلك في الرفع الأول، بل يرفع مكبرا؛ لأنه ليس باعتدال، ونقله عن النص، ولهذا عبر في (المنهاج) عنه بالرفع، وفي الثاني بالاعتدال.

قال: (ولا يطول السجدات في الأصح)، كما لا يطول الاعتدال من الركوع الثاني والجلوس بين السجدتين والتشهد، ولو عبر بالأظهر كما في (الروضة) .. كان أحسن.

قال: (قلت: الصحيح: تطويلها ثبت في (الصحيحين)] خ 1051 - م 910 [) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.

قال: (ونص في (البويطي): أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها والله أعلم) هو كما قال، وبه قال ابن سريج وابن المنذر والخطابي وقال: إنه مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه والبندنيجي والبغوي، ولا يعرف للشافعي نص يخالفه وينبغي القطع به.

و (البويطي): نسبة إلى بويط قرية من صعيد مصر الأدنى، وهو أبو يعقوب، يوسف بن يحيى، وكان من أجل أصحاب الإمام الشافعي رضي الله عنه وخليفته بعده في حلقته، مات في السجن والقيد ببغداد، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وقيل: سنة إحدى، وامتحن ليقول بخلق القرآن فثبته الله بالقول الثابت، وكان لسانه لا يزال رطبا بذكر الله عز وجل.

تنبيهان:

أحدهما: ظاهر عبارته: أنه لا يطيل الجلوس بين السجدتين، وبه جزم البغوي والغزالي.

ص: 562

وَتُسَنُّ جَمَاعَةٌ. وَيَجْهَرُ بَقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ

ــ

قال المصنف: وصح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع).

وصرح في (الأذكار) باختبار إطالته، بل في (صحيح مسلم)] 904 [من حديث جابر: تطويل الاعتدال الثاني ظاهره: أنه لا فرق بين أن يرضى المأمومون بالتطويل أم لا، وفيه نظر.

ويحتمل أن يحتمل هذا التطويل لندرة هذه الصلاة وهو بعيد، ثم إن التطويل إنما يشرع إذا لم يضق وقت الحاضرة كما سيأتي.

قال: (وتسن جماعة) كما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: الجماعة شرط فيها، وقيل: لا تقام إلا جماعة واحدة كالجمعة، وهما شاذان. ويستحب أن ينادى لها:(الصلاة جامعة).

قال: (ويجهر بقراءة كسوف القمر) بالإجماع.

قال: (لا الشمس)؛ لما روى الترمذي] 562 [وابن حبان] 2851 [والحاكم] 1/ 334 [- وقال: على شرط الشيخين- عن سمرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم في كسوف، فلم نسمع له صوتا).

وقال ابن المنذر: يجهر.

وقال الخطابي: الذي يأتي على مذهب الإمام الشافعي الجهر؛ لما روت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة) متفق عليه] خ 1065 - م 901/ 5 [.

وأجاب بعضهم- عن حديثها- بأن في بعض طرفه أنها قالت: (حزرت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه لم يجهر إلا أنه كان يظهر الآية أحيانا.

ص: 563

ثٌمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ بِأَرْكَانَهِمَا فِي الجُمُعَةِ، وَيَحُثُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالخَيْرِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ .. أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ

ــ

قال: (ثم يخطب الإمام)؛ لما روى الشيخان] خ 1044 - م901 [عن عائشة: (أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته .. خطب).

وأشار بقوله: (الإمام) إلى أن المنفرد لا يخطب وهو كذلك.

قال: (خطبتين بأركانهما في الجمعة) قياسا عليها، والخطبتان سنة لا شرط لصحة الصلاة.

والمنصوص: أن الخطبة الواحدة مجزئة في ذلك.

قال: (ويحث على التوبة والخير) وكذلك الصدقة، والإعتاق كما رواه البخاري] 1054 [عن أسماء بنت أبي بكر.

قال: (ومن أدرك الإمام في ركوع أول .. أدرك الركعة)؛ لأنه الأصل وما بعده تابع له.

قال: (أو في ثان، أو قيام ثان .. فلا في الأظهر)، كما لو أدرك الاعتدال في سائر الصلوات.

والقول الثاني: أنه يصير بإدراك الركوع الثاني مدركا للقومة التي قبله.

فعلى هذا: إذا أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى .. قام بعد سلام الإمام وقرأ وركع واعتدل وجلس وتشهد وتحلل، ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا أثر في إدراك القيام الذي قبله .. كان السجود الذي بعده محسوبا بطريقة أولى.

وإن كان في الثانية .. فيأتي مع ما ذكرناه بالركعة الثانية كاملة.

هذا هو المقابل لقول المصنف: (الأظهر)، ولا يفهم ذلك من الكتاب. ولا خلاف أنه لا يكون مدركا للركعة بجملتها.

ص: 564

وَتَفُوتُ صَلَاةُ الشَّمْسِ بِالانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةٌ، وَالْقَمَرِ بِالانْجِلَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا الفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ، وَلَا بغُرُوبِهِ خَاسِفًا

ــ

قال: (وتفوت صلاة الشمس بالانجلاء)؛ لحصول المقصود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك) أي: الكسوف (.. فادعوا الله تعالى وصلوا حتى ينكشف ما بكم)، فجعل الكسوف سببها، والتجلي غايتها، وذلك يفيد التأقيت.

والمراد بـ (الانجلاء): أن ينجلي جميع ما انكسف، وبـ (الفوات): امتناع الفعل، لا تتميم الأداء.

وقد أرشد إلى عدم القضاء في (باب صلاة النفل) حيث قيد القضاء بالنفل المؤقت؛ ليخرج ذات السبب.

فلو انجلى بعض المنكسف .. فالوقت باق؛ لأن ما بقى لو انكسف لا غير .. شرعت له الجماعة.

ولو جللتها غمامة وهي كاسفة .. صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف.

قال: (وبغروبها كاسفة)؛ لأن الانتفاع بها يبطل بغروبها؛ لزوال سلطانها.

قال: (والقمر بالانجلاء)؛ لحصول المقصود.

قال: (وطلوع الشمس)؛ لعدم الانتفاع بضوئه.

قال: (لا الفجر في الجديد)؛ لبقاء الظلمة.

والقديم: تفوت بطلوع الفجر؛ لذهاب سلطانه وهو الليل.

قال: (ولا بغروبه خاسفا)؛ لبقاء محل سلطانه وهو الليل.

فإن قيل: القمر لا يخسف إلا في ليال التمام غالبا، فهو يبقى إلى طلوع الفجر .. فجوابه ما سيأتي في اجتماع عيد وكسوف.

وسكوت المصنف عن الخطبة يقتضي: أنه يخطب لخسوفهما وإن غابا وهو كذلك؛ لأن المقصود بالخطبة الوعظ فجاز بعد زوال العارض بخلاف الصلاة، قاله في (شرح مسلم) و (الكفاية).

ص: 565

وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آَخَرُ .. قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، وَإِلَاّ .. فَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الكُسُوفِ، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمَعِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ .. قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ

ــ

وفي (الصحيح)[خ1044 - م901]: (أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بعد التجلي).

ولا يعمل في الكسوف بقول المنجمين، فلو أخبروا به ثم حصل عارض غيم .. لم يصل له.

قال: (ولو اجتمع كسوف وجمعة أو فرض آخر .. قدم الفرض إن خيف فوته)؛ لأنه أهم، فيخطب للجمعة ثم يصليها، ثم يصلي للكسوف ثم يخطب له.

قال: (وإلا) أي: وإن لم يخف فوت الفرض (.. فالأظهر: تقديم الكسوف)؛ لأنه يخاف فوته ولا يخاف فوت الفرض.

وعلى هذا: يخفف فيقرأ في كل قيام بـ (الفاتحة) و (سورة الإخلاص) نص عليه.

والقول الثاني: يقدم الفرض؛ لتحتمه.

قال: (ثم يخطب للجمعة متعرضًا للكسوف، ثم يصلي الجمعة)، ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الجمعة والكسوف؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف فإنه يقصدهما جميعًا بالخطبتين؛ لأنهما سنتان.

قال المصنف: كذا قالوه وفيه نظر؛ لأن السنتين إذا لم تتداخلا .. لا يصح أن ينويهما بصلاة واحدة، ولهذا لو نوى بركعتين صلاة الضحى وقضاء سنة الصبح .. لم تنعقد صلاته، ولو ضم إلى فرض أو نفل تحية المسجد .. لم يضر؛ لأنها تحصل ضمنًا فلا يضر ذكرها.

قال: (ولو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة .. قدمت الجنازة)؛ لما يخشى من حدوث التغير للميت. هذا إذا حضرت وحضر الولي، فإن لم تحضر بعد، أو

ص: 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

حضرت ولم يحضر الولي .. أفرد الإمام جماعة ينتظرونها واشتغل هو بغيرها.

ولو حضرت جنازة وجمعة ولم يضق الوقت .. قدمت الجنازة، وإن ضاق .. قدمت الجمعة على المذهب.

وقال الشيخ أبو محمد: تقدم الجنازة؛ لأن للجمعة بدلًا.

ورد المصنف عليه بأنها- وإن كان لها بدل- لا يجوز إخراجها عن وقتها عمدًا.

قال الشيخ: وقد أطلق الأصحاب تقديم الجنازة على الجمعة في أول الوقت ولم يبينوا هل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب؟ وتعليلهم يقتضي: الوجوب.

قال: وقد جرت عادة الناس في هذا الزمان بتأخير الجنازة إلى بعد الجمعة، فينبغي التحذير عن ذلك.

وقد حكى لي ابن الرفعة: أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام لما ولي الخطابة بجامع مصر .. كان يصلي على الجنائز قبل الجمعة، ويفتي الحمالين بسقوط الجمعة عنهم ليذهبوا بها.

تتمة:

فهم من كلامه .. أن ما سوى الخسوف والكسوف من الزلازل والصواعق والرياح لا يصلى لها جماعة كما صرح به المتولي وغيره؛ لأن عمر رضي الله عنه ظهرت الزلزلة في زمنه فلم يصل لها.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وآمر بالصلاة منفردين.

ويستحب أن يدعو ويتضرعوا.

وروى الإمام الشافعي رحمه الله [أم 7/ 168] عن علي رضي الله عنه: أنه صلى في

ص: 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

زلزلة جماعة، ثم قال: إن صح .. قلت به، قال الماوردي: وإلى الآن لم يصح.

* * *

خاتمة

اعترض على الفقهاء في تصوير اجتماع العيد والكسوف؛ لأن الكسوف لا يكون إلا في سرر الشهر.

والجواب: أن الله على كل شيء قدير، وأن ذلك وقع:(يوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول) رواه الزبير بن بكار، ويوم قتل الحسين حتى ظهرت الكواكب وكان يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.

وأيضًا ذلك فرض ولا يلزم منه الوقوع، كفرضهم ألف جدة ونحو ذلك، ويجوز أن يقع العبد في التاسع والثامن والعشرين بسبب توارد شهادات كاذبة بنقص رجب وشعبان، وهما كاملان.

* * *

ص: 568