الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جَهْراً.
فَصْل:
يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضرِهَا،
ــ
قال: (جهرا) بالإجماع، وهذا من زياداته على (المحرر).
تتمة:
روى الحافظ المنذري في جزء جمعه في (غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجله (فاتحة الكتاب)، (قل هو الله أحد)، و (المعوذتين) سبعا سبعا .. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطى من الأجر بعدد كل من آمن بالله ورسوله).
وروى ابن السني] 375 [من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ بعد صلاة الجمعة (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) سبع مرات .. أعاذه الله من السوء إلى الجمعة الأخرى).
قال أبو طالب المكي: ويستحب له بعد الجمعة أن يقول: يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود؛ أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، يقال: من واظب على هذا الدعاء .. أغناه الله تعالى عن خلفه، ورزقه من حيث لا يحتسب.
قال: (فصل:
يسن الغسل لحاضرها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم الجمعة .. فليغتسل) متفق عليه] خ 877 - م 844 [من رواية ابن عمر.
وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ،
ــ
ولا فرق في الحاضر بين الرجل والمرأة والصبي والعبد والمسافر، وقيل: لمن حضرها من أهلها؛ لأن الخطاب كان لهم.
قال: (وقيل: لكل أحد) حضر أو لم يحضر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) - أي: بالغ- رواه الشيخان] خ858 - م 846 [.
وفيهما] خ 898 - م 849 [أيضا: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما) زاد النسائي] 3/ 93 [بإسناد صحيح: (هو يوم الجمعة).
وإنما صرفه عن الوجوب ما رواه أحمد] 5/ 15 [وأبو داوود] 358 [والترمذي] 497 [والنسائي] 3/ 94 [من رواية الحسن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة .. فيها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغسل أفضل) قيل: معناه فبالسنة، وقيل: بالرخصة أخذ ونعمت الفعلة.
وهو وإن كان مرسلا كما قال الترمذي، لكن يقوى بما روى مسلم] 845 [عن أبي هريرة قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضا! ألم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جاء أحدكم الجمعة .. فليغتسل).
وذكر الطبراني] طس 7997 [ذلك مرفوعا من رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فدخل رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(يبطئ أحدكم ثم يتخطى رقاب الناس ويؤذيهم)، فقال: ما زدت على أن سمعت النداء فتوضأت، فقال:(أو يوم وضوء هو؟!).
وهذه القصة تدل على أن الأمر به ندب، وعليه حمل الشافعي قول عليه الصلاة والسلام:(غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أراد: وجوب الاختيار.
لكن في (شرح غنية ابن سريج) لبعض أصحاب القفال عن القديم: أنه واجب.
وفي (الرسالة) للشافعي في وجوبه احتمالان، واحتمالات الشافعي أقوال.
وفي كراهة ترك الغسل وجهان: أصحهما: نعم.
وَوَقْتُهُ: مِنّ الْفَجْرِ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ
…
تَيَمَّمَ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال الإمام: وهذا عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصودا.
ولا يبطل الغسل للجمعة بالحدث ولو كان أكبر.
قال: (ووقته: من الفجر)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علقه باليوم في الحديث المتقدم وفي قوله: (من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى .. فكأنما قرب بدنة ..) الحديث.
وقيل: من نصف الليل كغسل العيد، وهو ضعيف جدا.
قال: (وتقريبه من ذهابه أفضل)؛ لأنه أقرب إلى تحصيل المقصود منه، وهو: دفع الروائح الكريهة.
فلو كان لا يقدر على الغسل إلا بأن يتأخر عن التبكير، فأي الشيئين أولى بالمراعاة؟ .. فيه نظر، والظاهر: أن مراعاة الغسل أولى؛ للاختلاف في وجوبه.
قال: (فإن عجز
…
تيمم في الأصح) كما في سائر الأغسال؛ لأن الشرع أقامه مقامه.
والثاني: لا؛ لأن المقصود منه التنظيف، والتيمم ينافيه، وهذا احتمال للإمام أثبته الغزالي وجها.
وسلم الغزالي: أن الحاج يتيمم إذا لم يجد ماء يغتسل به؛ لان التيمم يلائم الحاج فإنه أشعث أغبر.
وفي (فتاوى ابن الصلاح): أن الإمام والغزالي من أصحاب الوجوه وقد رقم الغزالي بـ (الواو) بخلاف الإمام كثيرا.
وقول ابن الرفعة في (المطلب) في (صفة الصلاة): إنهما ليسا من أصحاب الوجوه، لا يوافق عليه بل ابن الرفعة نفسه ينبغي أن يكون منهم.
وَمِنْ الْمَسْنُونِ: غُسْلُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ، وَالْمَجْنُونِ والْمُغْمَى عَلَيْهِ إَذَا أَفَاقَا
ــ
وقد وقع في (المنهاج) مواضع كثيرة عد فيها خلاف الإمام وجها، منها هذا.
ومنها قوله في (اللقيط): (وغن أخذ ليعرف ويتملك .. فأمانة مدة التعريف، وكذا بعدها ما لم يختر التملك في الأصح).
وفي (اللعان) في قوله: (ولو وطئ وعزل .. حرم على الصحيح).
وفي (العدد) في الإحداد: (وكذا اللؤلؤ في الأصح).
وفي (كيفية القصاص): (والصحيح: قطع ذاهبة الأظفار بسليمتها دون عكسه)، ليس في عكسه إلا احتمال للإمام.
وفي (الزنا) في قوله: (ويحد الرقيق سيده أو الإمام، فإن تنازعا .. فالأصح: الإمام)، فالأوجه الثلاثة احتمالات للإمام.
قال: (ومن المسنون: غسل العيد والكسوف والاستسقاء)؛ لأن الناس تجتمع لها.
قال: (ولغاسل الميت) سواء كان كبيرا أو صغيرا، ذكرا أم أنثى، مسلما أم كافرا؛ لعموم قوله:(من غسل ميتا .. فليغتسل) حسنه الترمذي] 993 [، وصححه ابن حبان] 1161 [، لكن قال أحمد والبخاري: إنه موقوف على أبي هريرة.
وصرفنا عن الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه) قال الحاكم] 1/ 386 [: إنه على شرط البخاري، وبهذا قال المزني، لكنه يستحب أيضا وقواه في (شرح المهذب).
وقال في القديم: إنه واجب؛ لظاهر الأمر به.
ثم اختلفوا فيه فقيل: إنه تعبد، وقيل: لنجاسة الميت عند القائل به.
قال: (والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا)؛ لأنه قل من جن إلا وينزل، وإنما لم نوجبه؛ لأن أثر الإنزال يظهر بوجود المني.
وأما المغمى عليه .. فدليل استحباب الغسل له حديث مرض النبي صلى الله عليه
وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ
ــ
وسلم وفيه: فأغمى عليه ثم أفاق فقال: (أصلى الناس؟) قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله؛ فقال:(ضعوا لي ماء في المخضب)، ففعلنا فاغتسل منه، متفق عليه] خ 687 - م418 [.
و (المخضب) بالكسر: شبه المركن، وهو: إجانة تغسل فيها الثياب.
قال: (والكافر إذا أسلم)؛ تعظيما للإسلام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به قيس بن عاصم، كما رواه أبو داوود] 359 [والترمذي] 605 [، وصححه ابن خزيمة] 254 [وابن حبان] 1240 [، وصححا أيضا] خز 253 - حب 1238 [: (أنه صلى الله عليه وسلم أمر به ثمامة بن أثال الحنفي)، وأصله في (الصحيحين)] خ 4372 - م 1764 [وإن قلنا: لا يجب؛ لأنه توبة من معصية فأشبه غيره، ولأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به.
ثم الأصح: أنه بعد الإسلام إذ لا سبيل إلى تأخير الإسلام الواجب.
وقيل: قبيله، وهو غلط.
كل هذا إذا لم يعرض له في حال الكفر ما يوجب الغسل من حيض أو جنابة، فإن عرض له ذلك .. لزمه الغسل بعد الإسلام.
وقال الإصطخري: يسقط بالإسلام؛ لأنه يهدم ما قبله.
وقيل: إن اغتسل في الكفر .. كفاه، وإلا
…
لزمه، وعلى المذهب
…
تلزمه الإعادة.
ويستحب له أيضا حلق رأسه بعد الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به رواه أبو داوود] 360 [ولم يضعفه.
قال: (وأغسال الحج)؛ لما سيأتي فيه.
وَآَكَدُهَا: غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمْعَةِ، وَعَكَسَهُ: الْقَدِيمُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرةُ وَلَيْسَ لِلجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
قال: (وآكدها: غسل غاسل الميت ثم الجمعة) استدل له الرافعي والمصنف وابن الرفعة بأن غسل الغاسل اختلفوا في وجوبه بخلاف غسل الجمعة، وما ذكروه من نفس الخلاف في الجمعة مردود بما تقدم.
وقيل: هما سواء؛ لتعارض الأدلة.
قال: (وعكسه: القديم) فقال: إن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أصح وأثبت.
قال: (قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الأكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح والله أعلم).
قال الشيخ: هو كما قال، لكن اعترض عليه بما تقدم من تحسين الترمذي] 993 [وتصحيح ابن حبان] 1161 [حديث الأمر به، وروى من عدة طرق صحيحة.
قال الماوردي: خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مئة وعشرين طريقا.
وتظهر فائدة القولين فيما إذا أوصى بماء لأحق الناس به، فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتا.
تنبيهان:
أحدهما: بقي من الأغسال المسنونة الغسل للاعتكاف نقله ابن خيران عن الشافعي، ولكل ليلة من شهر رمضان قاله الحليمي، ولحلق العانة ولبلوغ الصبي بالسن قالهما في (الرونق)، ولدخول حرم مكة قاله الخفاف، ولدخول مدينة النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في بابه- ونقل الإمام وابن الرفعة عن صاحب (التلخيص): أنه يستحب لدخول الكعبة أيضا، وبين شيخنا في (أوهام الكفاية) وهمهما في ذلك- وللحجامة والخروج من الحمام نص عليهما في (جمع الجوامع)، وفي (سنن أبي داوود)] 352 [و (البيهقي)] 1/ 300 [دليل ذلك.
وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا
ــ
قال ابن الصلاح: والمراد الغسل عند إرادة الخروج منه، وهو الذي اعتاده الخارجون من صب الماء على أجسادهم عند الخروج.
وفي (سنن البيهقي)] 1/ 300 [: أن ابن عمر كان يغتسل منهما، ومن نتف الإبط أيضا.
ويستحب لكل اجتماع، وفي كل حال تتغير فيه رائحة البدن كما سيأتي.
الثاني: سئل الشيخ عن الأغسال المسنونة: هل تقضى؟ فقال: لم أر فيها نقلا، والظاهر: لا؛ لأنها إن كانت للوقت .. فقد فات، أو للسبب .. فقد زال.
قال: (والتبكير إليها) أي: من المأموم؛ لقوله تعالى:} أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون {وقال صلى الله عليه وسلم: (على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول) رواه الشيخان] خ 3211 - م 850/ 24 [.
وفيهما] خ 881 - م 850 [: (من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى .. فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية .. فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة .. فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة .. فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة .. فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام .. حضرت الملائكة يستمعون الذكر) زاد النسائي] 3/ 98 [في الخامسة: (كالذي يهدي عصفورا)، وفي
مَاشِياّ
ــ
(مسند أحمد)] 2/ 259 [: (بطة أو إوزة).
والساعة معتبرة: من طلوع الفجر، وقيل: من طلوع الشمس، وقيل: من الزوال ويكون أطلقها على اللحظات، ويبعده قوله صلى الله عليه وسلم:(يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه الله عز وجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) رواه أبو داوود] 1041 [، وقال الحاكم] 1/ 279 [: صحيح على شرط مسلم.
ويستحب الدنو من الإمام لما روى أبو داوود] 1101 [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احضروا الذكر وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها).
وينبغي أن ينوي- في سعيه- الاعتكاف في المسجد إلى انقضاء الصلاة.
قال: (ماشيا)، ففي الصحيح:(ما ركب النبي صلى الله عليه وسلم في عيد ولا جنازة)، ولم يذكر الجمعة؛ لأن باب حجرته كان في المسجد.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ .. كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) حسنه الترمذي] 496 [، وصححه الحاكم] 1/ 282 [وابن حبان] 2781 [.
يروى: (غسل) بالتخفيف؛ أي: غسل أعضاء الوضوء، واغتسل في جميع بدنه، واختاره ابن الصلاح.
ويروى بالتشديد؛ أي: جامع فأوجب الغسل على غيره.
ويروى بعين مهملة وبالتشديد، ومعناه كالذي قبله.
ومعنى (بكر وابتكر): جاء في أول الوقت وأدرك أول الخطبة، وقيل: بكر في الزمان وابتكر في المكان.
ومعنى (مشى ولم يركب): أمكنه الركوب فتركه ابتغاء الثواب.
بِسَكِينَةٍ
ــ
وقيل: أول بدعة ظهرت: ترك التبكير إلى الجامع يوم الجمعة.
غير أنه يستثنى من ذلك الإمام، فلا يستحب له التبكير بل: (يأتي حين يصعد المنبر كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستثنى من له عذر من مرض ونحوه، فلا يكره له الركوب إليها.
هذا في الذهاب إليها، أما العود منها .. فصرح الرافعي وغيره بأن المشي فيه لا يستحب، بل يكون مخيرا فيه إذا لم يحصل من الركوب ضرر، مستدلين بأن العبادة قد انقضت.
والصواب: أن الذهاب كالعود، وهو وجه حكاه شارح (التعجيز)؛ لما روى مسلم] 663 [عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار كان بيته في أقصى المدينة، ومات لا تخطئه الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتوجعنا له فقلت له: يا فلان، لو أنك اشتريت حمارا تركبه في الظلماء ويقيك من الرمضاء ويقيك هوام الأرض؟ فقال: إني أحب أن يكتب لي ممشاي في ذهابي وعودي، فقال صلى الله عليه وسلم:(قد فعل الله لك ذلك).
لكن روى أحمد في (مسنده) عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد).
قال: (بسكينة) هذا مستحب في الجمعة وغيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة) رواه الشيخان] خ 908 - م 602 [.
هذا إذا لم يضق الوقت، فإن ضاق .. ففي (الشرح) و (الروضة): لا يبعد القول بوجوب السعي، وقالا في (باب الصيد والذبائح): إنه لا يكلف في هذه الحالة زيادة على طبعه.
وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقرَاءةٍ أَوْ ذِكْرٍ. وَلَا يَتَخَطَّى
ــ
وقال الماوردي في (الإقناع): يمشي بالسكينة وإن ضاق الوقت.
قال: (وأن يشتغل في طريقه وحضوره) أي: قبل الخطبة (بقراءة أو ذكر)، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(إن الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مجلسه تقول: اللهم؛ اغفر له، اللهم؛ ارحمه ما لم يحدث، وإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه).
ولفظ (الطريق) من زيادة الكتاب وهي حسنة، لكن في كراهة القراءة في الطريق خلاف والمختار: أنه لا كراهة فيها ما لم يلته صاحبها، فإن التهى .. كرهت.
قال: (ولا يتخطى)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتخطى رقاب الناس فقال له: (اجلس؛ فقد آذيت) رواه الحاكم] 1/ 288 [وابن حبان] 2790 [.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة .. اتخذ جسرا إلى جهنم) رواه الترمذي] 513 [.
وقال القفال: إذا كان له موضع يألفه وهو معظم عند الناس .. لم يكره؛ لأن عثمان تخطى الرقاب إلى موضعه وعمر يخطب فلم ينكر عليه.
واستثنى في (الشرح) و (الروضة) و (الكفاية) ما إذا كان إماما، أو بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، وقد تقدم أنه مقيد بما بعد صف أو صفين، فإن زاد على ذلك .. كره.
وقال ابن المنذر: التخطي حرام، وعده صاحب (العدة) من الصغائر.
فروع:
لا يجوز لأحد أن يقيم أحدا من مجلسه ويقعد فيه إلا الذي قعد في موضع الإمام، أو في الطريق بحيث يمنع الناس من الاجتياز، أو بين الصفين مستدبر القبلة والمكان ضيق.
وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ
ــ
ولو بعث إنسانا يجلس في مكان حتى إذا جاء يقوم له ويجلس هو فيه .. لم يكره؛ لأن محمد بن سيرين كان يرسل غلامه يوم الجمعة يشغل له موضعا، فإذا جاء .. قام وجلس هو فيه.
ولو بعث شيئا يفرش له حتى إذا جاء جلس فيه .. قال في (الأم): ليس لغيره أن يصلي عليه؛ لأن ملك غيره.
وقال الشيخ أبو محمد: له أن ينحيه ويجلس في المكان؛ لأن الحرمة للإنسان دون فرشه.
قال: (وأن يتزين بأحسن ثيابه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته .. كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها) رواه ابن حبان] 2778 [، والحاكم] 1/ 238 [وقال: على شرط الشيخين.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته) رواه النسائي وأبو داوود] 1071 [.
ويستحب للإمام أن يزيد على سائر الناس في الزينة؛ لأنه المنظور إليه والمقتدى له، وينبغي:(أن يعتم ويرتدي كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل).
وأفضل الثياب: البياض لقوله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) رواه الترمذي] 994 [.
فإن لبس مصبوغا .. فلا بأس.
وَطِيبٌ. وَإِزَالَةُ الْظُّفْرِ] والْرِّيحِ [
ــ
وفي (الإحياء): يكره له لبس السواد، وفي (باب الأمر بالمعروف): لا يكره ولا يستحب.
وقال في (الأحكام السلطانية): ينبغي له لبس السواد، والظاهر: أنه أراد في زمنه وهي الدولة العباسية؛ فإنه كان شعارهم.
قال المصنف: والصحيح أنه لا يلبسه إلا أن يظن ترتب مفسده على تركه.
وقال الشيخ عز الدين: المواظبة على لبس السواد بدعة، فإن منع أن يخطب إلا به .. فليفعل.
قال: (وطيب)؛ لما تقدم، وروى مسلم] 846/ 7 [عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(غسل الجمعة على كل محتلم، وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه)، وفي رواية] 846 [:(ولو من طيب المرأة).
ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة.
قال: (وإزالة الظفر] والريح [) وكذا الشعر إن طال؛ لما روى البزار] كشف 1/ 299 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة).
يقال: قلمت ظفري، وقلمت أظفاري شدد للكثرة، و (القلامة): ما سقط منه.
فروع:
يستحب حلق العانة. قال المصنف: والمستحب للمرأة النتف، ويجب عليها إذا أمرها به زوجها على الأصح، فإن تفاحش
…
وجب قطعا.
قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا،
ــ
ويقوم مقام الحلق القص والنتف، ويكره أن يوليه غيره إلا زوجته وجاريته التي يباح لها النظر إلى عورته فيجوز مع الكراهة.
و (العانة): الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة.
وفي (ودائع ابن سريج): أنها الشعر المستدير حول الدبر.
قال المصنف: والأولى حلق الجميع.
ويستحب دفن ما يزيله من شعر وظفر ودم؛ لما روى الدارقطني والبيهقي في (الشعب)] 6487 [عن ميل بنت مشرح الأشعري: أن أباها مشرحا- وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قص أظفاره فجمعها ثم دفنها ثم قال: (هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل)، وفي رواية] هب 6488 [: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بدفن الشعر والأظفار)، لكن إسناده ضعيف.
والتوقيت في إزالة الشعور والظفر: بالطول ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وقد صح عن أنس أنه قال:(أقت لنا في ذلك أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة)، وذلك مرفوع على الصحيح.
وقد نص الشافعي على استحباب ذلك في أيام الجمع، لكن يستثنى منه ما سيأتي في (باب الأضحية): أن من أراد أن يضحي .. يكره له فعل ذلك في عشر ذي الحجة.
ثم استحباب الغسل والتطيب، وإزالة الشعر والظفر والروائح الكريهة، ولبس أحسن الثياب ليس مختصا بالجمعة، بل هو مستحب لكل من أراد حضور مجمع من مجامع الناس، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولكنها في الجمعة أشد استحبابا.
قال: (قلت: وأن يقرأ (الكهف) يومها وليلتها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ الكهف في يوم الجمعة .. أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه الحاكم] 2/ 368 [وقال: صحيح الإسناد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى الدارمي] 3450 [والبيهقي] 3/ 249 [: (لأن من قرأها ليلة الجمعة .. أضاء له نور ما بينه وبين البيت العتيق).
وفي بعض طرقه: (وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من الداء والدبيلة، وذات الجنب والبرص، والجذام وفتنة الدجال).
وفي (شعب البيهقي)] 2448 [عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سورة الكهف) تدعى في التوراة: الحائلة؛ تحول بين قارئها وبين النار).
وفي (الذخائر): أن وقت قراءة (الكهف) قبل طلوع الشمس، وقيل: بعد العصر، وقال بعض المتأخرين: عند الخروج من المسجد. وعبارة المصنف تقتضي: أن يقرأها مرة في الليل ومرة في النهار وفيه نظر؛ فقد نص الإمام الشافعي رضي الله عنه على استحباب الإكثار من قراءتها ليلا ونهارا من غير ضبط بعدد. أما إذا اقتصر على قراءتها مرة .. فالنهار أولى من الليل.
والحكمة في قراءتها يوم الجمعة: أن الله تعالى ذكر فيها أهوال يوم القيامة، والجمعة تشبهها لما فيها من اجتماع الخلق وقيام الخطيب، ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة فإذا قرئت في النهار .. تذكر بها ذلك، وإذا قرئت في ليلتها .. ذكر بها ليلة ليس بعدها إلا يوم القيامة.
وفي (الدارمي)] 3446 [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا (سورة هود) يوم الجمعة).
وفي (الترمذي)] 2889 [: (من قرأ (سورة الدخان) ليلة الجمعة .. غفر له).
وفي (تفسير الثعلبي)] 3/ 5 [عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ (سورة آل عمران) يوم جمعة .. صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس). وفي (الطبراني): (من قرأها يوم جمعة .. غربت الشمس بذنوبه).
والظاهر أن الحكمة في ذلك: أن الله تعالى ذكر فيها خلق آدم عليه الصلاة والسلام
وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
ــ
في قوله تعالى:} إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب {، وآدم خلق يوم الجمعة.
قال: (ويكثر من الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وصوب المصنف: أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وقيل: من الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: ما بين الزوال إلى دخول الإمام في الصلاة، وقيل: بعد العصر إلى الغروب.
والأصل في ساعة الإجابة: ما رواه البخاري] 935 [ومسلم] 757 [وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئا .. إلا أعطاه إياه)، وقال بيده يقللها.
والمراد بكونه قائما يصلي أي: ينتظر الصلاة.
وأراد بالقيام: الملازمة كقوله تعالى:} إلا ما دمت عليه قائما {.
ويستحب كثرة الصدقة وفعل الخير في ليلتها ويومها.
قال (والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه) رواه أحمد] 4/ 8 [وأبو داوود] 1040 [والحاكم] 1/ 278 [وابن حبان] 910 [عن أوس بن أوس.
وفي (سنن البيهقي)] 3/ 249 [- بإسناد جيد- عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة؛ ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة .. صلى الله عليه بها عشرا) صلى الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أقربكم مني في الجنة أكثركم علي صلاة، فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر).
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: (الليلة الغراء): ليلة الجمعة، و (اليوم الأزهر): يومها.
قال أبو طالب المكي: وأقل ذلك ثلاث مئة مرة.
وَيَحْزُمُ عَلَى ذِي الْجُمْعَة التَّشَاغُلُ بِالبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ،
ــ
وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة .. غفر الله له ذنوب ثمانين سنة، قيل: يا رسول الله؛ كيف الصلاة عليك؟ قال: (تقول: اللهم؛ صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وتعقد واحدة)).
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن النعمان: إنه حديث حسن.
قال: (ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره) أي: من العقود والصنائع (بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب)؛ لقوله تعالى:} إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع {.
والمراد بـ (ذي الجمعة): من يلزمه السعي إليها.
تنبيه:
احترز بقوله: (ذي الجمعة) عمن لا تلزمه، فإذا تبايع اثنان لا تلزمهما .. لا إثم عليهما، فلو لزمت أحدهما فقط .. اختص التحريم بالمخاطب بها دون الآخر على المنصوص وقول الأكثرين.
وفي (الرافعي): أنهما يأثمان؛ لأن الذي ليس من أهلها أعان على معصية.
وأشار بـ (التشاغل) إلى جوازه في الطريق وفي المسجد، وهو كذلك؛ لعدم منافاته السعي.
وقوله: (بين يدي الخطيب) أشار به إلى أنه الأذان الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر كما تقدم.
فَإِنْ بَاعَ .. صَحَّ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ،
ــ
قال: (فإن باع .. صح)؛ لأن النهي لمعنى خارج عن العقد، ولم يمنع الصحة كالصلاة في الدار المغصوبة.
قال: (ويكره قبل الأذان بعد الزوال والله أعلم)؛ لأن وقتها قد دخل، فلا يليق الاشتغال بغيرها.
قال الشيخ جمال الدين: ينبغي أن لا يكره في بلد يؤخرون فيها الصلاة تأخيرا كثيرا كمكة لما فيه من الضرر.
أما قبل الزوال .. فلا يكره بحال.
فرع:
يستحب إذا أتى المسجد أن يقدم رجله اليمنى في الدخول قائلا: (بسم الله، اللهم؛ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك).
قال المزني: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (اللهم؛ اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وتضرع إليك، وأربح من سألك وطلب إليك).
تتمة:
اتفق الأصحاب وغيرهم على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد وفي المسجد يوم الجمعة وغيره، وسائر أنواع العبث ما دام قاعدا في الصلاة أو منتظرها؛ لأنه في صلاة، واحتجوا بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد .. فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة) رواه أبو داوود] 563 [والترمذي] 386 [بإسناد ضعيف.