الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ما وقع من الحوادث سنة 857]
السنة الأولى من سلطنة الملك الأشرف إينال على مصر وهى سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
على أن الملك المنصور عثمان حكم منها إلى ثامن شهر ربيع الأول.
وفيها- أعنى سنة سبع وخمسين المذكورة- توفّى الشهابى أحمد ابن الأمير فخر الدين عبد الغنى بن عبد الرّزّاق بن أبى الفرج متولى قطيا، فى أوائل المحرم، وهو فى الكهولية.
وتوفّى السلطان الملك الظاهر أبو سعيد جقمق العلائى الظاهرى في ليلة الثلاثاء، ثالث صفر، ودفن من يومه حسبما تقدم ذكره في ترجمته مستوفاة في هذا الكتاب، فلتنظر في محله.
وتوفّى الأمير أسنبغا بن عبد الله الناصرى «1» الطيّارى رأس نوبة النوب في ليلة السبت سادس شهر ربيع الأول، فى أيام الفتنة، وهو في بيت الأمير قوصون، وعليه آلة السلاح، شبه الفجاءة، وكانت مدة مرضه يوما واحدا، وصلّى عليه الأتابك إينال العلائى بدار قوصون المذكورة، وجميع الأمراء وعليهم آلة السلاح، ثم حمل ودفن من يومه في الصحراء، ومات وهو في عشر الثمانين تخمينا، وكان من محاسن الدّنيا كرما وعقلا وشجاعة وتواضعا ومعرفة، كان كامل الأدوات، قلّ أن ترى العيون مثله- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير جانبك بن عبد الله اليشبكى والى القاهرة، ثم الزردكاش، فى ليلة الخميس ثامن عشر شهر ربيع الأوّل، وهو في أوائل الكهولية، ودفن من الغد، وكان أصله من مماليك الأمير يشبك الجكمى الأمير آخور، ثم اتصل بعد موته بخدمة السلطان، ثم صار خاصّكيّا في الدولة الأشرفية برسباى، وصحب الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم ناظر الخواص، فروّجه في المملكة، حتى صار ساقيا في الدولة الظاهرية جقمق، ثم تأمر عشرة بعد مدة طويلة، وصار من جملة رءوس النوب، ثم استقر والى القاهرة، ثم أضيف إليه حسبة القاهرة في سنة أربع وخمسين، ثم انفصل من الحسبة، واستمر في الولاية سنين كثيرة، إلى أن نقل إلى وظيفة الزّردكاشيّة في الدولة المنصورية عثمان، بعد انتقال الأمير لاجين الظاهرى إلى شد الشراب خاناه، وتولى عوضه ولاية القاهرة يشبك القرمى الظاهرى، فلم تطل أيّامه زردكاشا، ومات فى أوائل الدولة الأشرفية إينال، حسبما تقدم وفاته؛ وكان مليح الشكل متجملا، «1» حسن المحاضرة «2» - رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين أرنبغا اليونسىّ الناصرى أحد مقدمى الألوف بالدّيار المصريّة في ليلة الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الأوّل، وسنّه زيادة على السبعين، وأنعم السلطان بتقدمته على الأمير دولات باى المحمودى الدّوادار بعد مجيئه من السّجن بمدّة، وكان أرنبغا هذا تترىّ الجنس من مماليك الملك الناصر فرج، وهو أخو سونجبغا الناصرى، وأرنبغا هذا هو الأكبر، وتنقلت بأرنبغا هذا الأحوال إلى أن تأمّر في دولة الملك الأشرف برسباى عشرة، وصار من جملة رءوس النّوب، وطالت أيّامه، وحجّ وجاور في مكّة غير مرّة، ثم نقل في الدّولة الظاهريّة جقمق إلى إمرة طبلخاناه، ثم صار في أوائل دولة الأشرف إينال أمير مائة ومقدّم ألف، فلم تطل مدّته، ومات في التاريخ المقدم ذكره، وكان أميرا شجاعا مقداما عارفا
بالحروب وأنواعها، إلا أنه كان مسرفا على نفسه مع قلّة تجمّل في ملبسه ومماليكه وخدمه- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين سمام الحسنى الظاهرى الحاجب الثانى، وأحد العشرات فى ليلة الاثنين سادس شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد، وسنه نيّف على السبعين، وكان رجلا ساكنا قليل الخير والشر، لا للسيف ولا للضيف.
وتوفّى الشيخ الإمام المعتقد الواعظ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ الإمام العارف بالله محمد وفاء الشاذلى المالكى المعروف بابن أبى الوفاء، فى يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر، ودفن بتربتهم بالقرافة الصغرى، وكان جلس للوعظ والتذكير على عادتهم، وصار على وعظه أنس وقبول من الناس إلى أن مات- رحمه الله تعالى.
وتوفّى قاضى القضاة بدر الدين محمد ابن القاضى ناصر الدّين محمد ابن العلّامة شرف الدين عبد المنعم البغدادى «1» الحنبلى، قاضى الديار المصرية ورئيسها، فى ليلة الخميس سابع جمادى الأولى، ودفن من الغد، وحضر الخليفة القائم بأمر الله حمزة الصلاة عليه بمصلّاة باب النصر، ودفن بالتّربة الصوفية، وكانت جنازته مشهودة، كثر أسف الناس عليه، لحسن سيرته ولعفتة عما يرمى به قضاة السوء، ومات وهو في أوائل الكهولية، وكان له اشتغال ومعرفة تامة بصناعة القضاء والشروط والأحكام، وأما سياسة الناس ومحبته لأصحابه وكرمه وسؤدده فكان إليه المنتهى في ذلك، وكان قامعا لشهود الزور والمناحيس، وبالجملة فكان بوجوده نفع للمسلمين- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير الوزير سيف الدين تغرى بردى القلاوى الظاهرى قتيلا في واقعة كانت بينه وبين سونجبغا الناصرى، وهى واقعة عجيبة، لأنهما تماسكا على الفرسين، فقتل الواحد الآخر، ثم قتل الآخر في الحال، كلاهما مات على فرسه، وذلك في يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى، وقد ذكرنا واقعتهما في تاريخنا «حوادث الدهور» مفصلا، فلينظر هناك، وكانت نسبته بالقلاوى إلى ناحية قلا، لما كانت إقطاعا لأستاذه الملك الظاهر جقمق
لما كان أميرا، ولم يكن تغرى بردى هذا مشكور السّيرة في ولايته- عفا الله تعالى عنا وعنه.
وتوفّى الأمير سونجبغا اليونسى الناصرى ببلاد الصعيد في وقعته مع تغرى بردى القلاوى في يوم واحد حسبما تقدم ذكره، وسنه زيادة على الستين، وهو أخو أرنبغا المقدم ذكره، غير أن أرنبغا كان مشهورا بالشجاعة والإقدام، وسونجبغا هذا لا شجاعة ولا كرما.
وتوفّى الشيخ عز الدين محمد الكتبى «1» ، المعروف بالعز التّكرورى، فى يوم الأربعاء سابع عشر بن جمادى الأولى، وكان معدودا من بياض الناس، له حانوت يبيع فيه الكتب بسوق الكتبيين، وكانت له فضيلة بحسب الحال.
وتوفّى الأمير سيف الدين دولات باى المحمودى المؤيدى الدوادار كان، وهو أحد مقدّمى الألوف في يوم السبت أوّل جمادى الآخرة، ودفن بالصحراء خارج القاهرة من يومه، وسنه أزيد عن خمسين سنة، وكان چاركسى الجنس جلبه خواجا محمد إلى الإسكندرية، فاشتراه منه نائبها الأمير آقبردى المنقار، وبلغ الملك المؤيّد شيخا ذلك، فبعث طلبه منه، فأرسله إليه، فأعتقه المؤيد- أن كان آقبردى ما كان أعتقه- وجعله خاصكيا ثم ساقيا في أواخر دولته، فلما تسلطن الملك الأشرف برسباى عزله عن السّقاية، ودام خاصكيا دهرا طويلا، إلى أن صحب الأمير جانم الأشرفى قريب الملك الأشرف برسباى، ثم صاهره فتحرك سعده بصهارة جانم المذكور، ولا زال جانم به إلى أن نفعه بأن توجّه بتقليد نائب صفد وخلعته بعد أن كان خلص له إمرة عشرة من الملك الأشرف، مع بغض الأشرف في دولات باى هذا، فلما أمسك جانم مع من أمسك من أمراء الأشرفية لم ينفعه دولات باى المذكور بكلمة واحدة، هذا إن لم يكن حط عليه فى الباطن، ولا أستبعد أنا ذلك لقرائن دلّت على ذلك.
ولما تسلطن الملك الظاهر جقمق استقر بدولات باى هذا أمير آخور ثانيا، بعد مسك الأمير نخشباى الأشرفى وحبسه. ثم نقل [دولات باى]«1» بعد أيام إلى الدوادارية الثانية، بعد الأمير أسنبغا الطّيّارى، بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، كلّ ذلك فى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
فباشر [دولات باى]«2» الدّواداريّة بحرمة وافرة، ونالته السعادة، وأثرى وجمع الأموال الكثيرة، وعمّر الأملاك الهائلة، إلى أن أنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف في صفر سنة ثلاث وخمسين، بعد موت الأمير تمراز القرمشى الظاهرى، فلم تطل أيامه في التقدمة.
وولى [دولات باى]«3» الدّواداريّة الكبرى- بمال بذله، نحو العشرة آلاف دينار- عوضا عن قانى باى الچركسى، بحكم انتقاله إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد موت الأمير قراخجا الحسنى.
ولما ولى الدّواداريّة الكبرى خمدت ريحه، وانحطت حرمته، بالنسبة إلى ما كانت عليه أيام دواداريّته الثانية، والسببية واضحة؛ وهى أنه كان أوّلا مطلوبا، والآن صار طالبا.
ثم سافر [دولات باى]«4» أمير حاج المحمل بعد مدّة، وكان وليها مرّة أولى في سنة تسع «5» وأربعين، فهذه المرّة الثانية في سنة ست وخمسين، وعاد في سنة سبع وخمسين، وقد خلع الملك الظاهر جقمق نفسه من الملك وسلطن ولده الملك المنصور عثمان، فأقام فى دولة المنصور دوادارا على حاله، وقد خاف من صفير الصافر، فلم يكن بعد أيام إلا وقبض عليه في يوم الخميس ثانى عشر صفر من السنة المذكورة، وحمل إلى الإسكندرية، فحبس بها شهرا وأياما، وأطلقه الملك الأشرف إينال، وأحضره إلى القاهرة، ثم أنعم عليه بعد مدة بإقطاع الأمير أرنبغا اليونسى، فلم تطل أيّامه إلا نحو الشهر، ومرض ومات في التاريخ المقدّم ذكره.
ولقد قال لى بعض الحذّاق إن سبب موته إنما كانت طربة «1» يوم أمسك، ودامت الطّربة إلى أن قتلته. قلت: وأنا لا أستبعد هذا، لما كان عنده من الجبن والحذر، وعدم الإقدام، على أنه كان مليح الشكل، متجملا في ملبسه ومركبه، وقورا في الدول، إلا أنه لم يشهر بشجاعة ولا كرم في عمره.
وتوفّى الأمير سيف الدين قانصوه بن عبد الله النّوروزى أحد أمراء دمشق بها في أواخر جمادى الأولى، وله من العمر نحو الستين سنة تخمينا، وكان أصله من مماليك الأمير نوروز الحافظىّ نائب الشّام، وصار خاصّكيّا بعد موته في الدولة المؤيّديّة شيخ، ثم تأمّر عشرة بعد موت المؤيّد، ثم صار أمير طبلخاناه في دولة الظاهر ططر، ودام على ذلك سنينا كثيرة إلى أن أخرجه الملك الأشرف برسباى إلى نيابة طرسوس، ثم نقله إلى حجوبية حلب، ثم تقدمة ألف بدمشق، ثم خرج على الملك الظاهر جقمق، ووافق الأمير إينال الجكمى على العصيان، فلما كسر الجكمى اختفى قانصوه مدة، ثم ظهر وتنقّل أيضا في عدة أماكن، وهو في جميع ما يتحرّك فيه مخمول الحركات إلى أن مات، وكان مليح الشكل، وعنده شجاعة ومعرفة برمى النشّاب، إلا أنه كان خاملا، ما أظنه ملك في عمره ألف دينار، ولولا الحياء لقلت ولا سلّاريّا ثانيا، وفي هذا كفاية.
وتوفّى الأمير سيف الدين قشتم بن عبد الله المحمودى الناصرى نائب البحيرة قتيلا في واقعة كانت بينه وبين العربان الخارجة عن الطاعة في أواخر شهر رجب، وقد ناهز الستين من العمر، وكان أميرا جليلا عاقلا حشما وقورا شجاعا مقداما كريما
متواضعا مليح الشكل، وهو ممن جمع بين الشجاعة والكرم والتواضع- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين بيغوت بن عبد الله من صفر خجا المؤيّدى الأعرج نائب صفد بها في أواخر شعبان، وقد جاوز الستين، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ في أيام إمرته، وصار خاصّكيّا بعد موته، إلى أن نفاه الملك الأشرف برسباى إلى الشام، ثم أنعم عليه بإمرة طبلخاناه بدمشق، ثم ولى نيابة حمص في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق مدّة، ثم نقل إلى نيابة صفد دفعة واحدة، بعد الأمير قانى باى الأبوبكرى الناصرى البهلوان، بحكم توجهه إلى نيابة حماة، ثم نقل بيغوت هذا إلى نيابة حماة، ووقع له مع أهل حماة أمور وشكاو آلت إلى تسحّبه من حماة وتوجّهه إلى ديار بكر، بعد أن أمسك ولده إبراهيم بالقاهرة وحبس، ووقع له أيضا بديار بكر أمور ومحن، وأمسك وحبس بقلعة الرّها، ثم أطلق وعاد طائعا إلى السلطان الملك الظاهر جقمق، وقدم القاهرة، ثم عاد إلى دمشق بطالا، إلى أن أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بها، بعد موت الأمير بردبك العجمى الجكمى، فدام على ذلك إلى أن نقله الظاهر إلى نيابة صفد ثانيا، بعد موت يشبك الحمزاوى، فدام بصفد إلى أن مات- رحمه الله فى التاريخ المقدّم ذكره، وكان رجلا ديّنا مشهورا بالشجاعة والإقدام، وقورا في الدّول، وتولّى نيابة صفد بعده إياس المحمدى الناصرى الطويل.
وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح درويش- وقيل محمد، وقيل غيبى- الرومى، بظاهر خانقاه سرياقوس، فى يوم الاثنين ثالث ذى القعدة، ودفن شرقى الخانقاه المذكورة، وكان أصله من آقصراى «1» ، وكان مليح الشكل، منوّر الشّيبة، لا يدّخر شيئا،
وحجّ غير مرة من غير زاد ولا راحلة، وهو أحد من أدركناه من الفقهاء الصلحاء- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين حطط بن عبد الله الناصرى أتابك طرابلس بها فى أوائل ذى الحجة، وكان ولى نيابة قلعة حلب، ثم نيابة غزّة، كل ذلك بالبذل، فإنه كان لا للسيف ولا للضيف.
وتوفّى الأمير سيف الدين على باى بن طراباى العجمى «1» المؤيّدى أتابك حلب بها في أواخر ذى الحجة، وهو في عشر الستين، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ، وبقى خاصّكيّا أيام المؤيّد، ودام خاصّكيّا عدّة دول إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق في أوائل دولته بإمرة عشرة، وجعله من جملة رءوس النوب، وصار له كلمة في الدولة، وتوجّه في الرّسليّة من السلطان إلى أصبهان بن قرايوسف صاحب بغداد، ثم بعد عوده إلى القاهرة بمدّة نفاه الملك الظاهر إلى حلب على إمرة مائة وتقدمة ألف، ثم نقل إلى أتابكيّة حلب بعد سودون الأبوبكريّ المؤيّدى لما ولى نيابة حماة، فدام على باى على ذلك إلى أن توفّى، وكان مليح الشكل، فصيح العبارة، عارفا بأنواع الفروسية، كريما جوادا إلا أنه كان مجازفا كذوبا مسرفا على نفسه- عفا الله عنه.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم- أعنى القاعدة- ثمانية أذرع وخمسة أصابع- مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.