الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ
(14)
وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)
شرح الكلمات:
له دعوة الحق: أي لله تعالى الدعوة1 الحق أي فهو الإله الحق الذي لا إله إلا هو.
ليبلغ فاه: أي الماء فمه.
إلا في ضلال: أي في ضياع لا حصول منه على طائل.
بالغدو والآصال: أي البُكُر جمع بكرة، والعشايا جمع عشية.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تقرير عقيدة التوحيد بالأدلة والبراهين، قال تعالى:{له دعوة الحق} أي لله سبحانه وتعالى الدعوة الحق وهي أنه الإله الحق الذي لا إله إلا هو، أما غيره فإطلاق لفظ الإله إطلاق باطل، فالأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الله إطلاق لفظ إله عليه إطلاق باطل، والدعوة إلى عبادته باطلة، أما الدعوة الحق فإنها لله وحده.
وقوله تعالى: {والذين يدعون من دونه} أي من دون الله من سائر المعبودات {لا يستجيبون لهم بشيء} أي لا يجيبونهم بإعطائهم شيئاً مما يطلبون منهم {إلا كباسط
1 أي: الدعوة الصدق لله تعالى لأنه هو الذي يستجيب ويعطي السؤال وأما دعوة الأصنام، فإنها دعوة كذب وباطل، فإطلاق الإله على الله إطلاق حق وصدق، وإطلاق إله على صنم أو مخلوق فهو إطلاق كذب وباطل.
كفيه إلى الماء} 1 أي إلا كاستجابة2 من بسط يديه أي فتحهما ومدهما إلى الماء والماء في قعر البئر فلا كفاه تصل إلى الماء ولا الماء يصل إلى كفيه وهو عطشان ويظل كذلك حتى يهلك عطشاً، هذا مثل من يعبد غير الله تعالى بدعاء أو ذبح أو نذر أو خوف أو رجاء فهو محروم الاستجابة خائب في مسعاه ولن تكون له عاقبة إلا النار والخسران وهو معنى قوله تعالى {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} 3 أي بطلان وخسران، وقوله تعالى:{ولله يسجد من في السماوات} أي الملائكة {والأرض} أي من مؤمن يسجد طوعاً، ومنافق أي يسجد كرها، 4 {وظلالهم} تسجد أيضاً {بالغدو} أوائل النهار، {والآصال} 5 أواخر النهار.
ومعنى الآية الكريمة: إذا لم يسجد الكافرون أي لم ينقادوا لعبادة الله وحده تعالى فإنَّ لله يسجد من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الجن والإنس المؤمنون يسجدون طائعين والكافرون يسجدون إذا أكرهوا على السجود والمنافقون يسجدون مكرهين، وظلالهم تسجد في البكر والعشايا كما أنهم منقادون لقضاء الله تعالى وحكمه فيهم لا يستطيعون الخروج عنه بحال فهو الذي خلقهم وصورهم كما شاء ورزقهم ما شاء ويميتهم متى شاء فأي سجود وخضوع وركوع أظهر من هذا؟ وقوله تعالى:{قل من رب السماوات والأرض} أي من خالقهما ومالكهما ومدبر الأمر فيهما؟ وأمر رسوله أن يسبقهم إلى الجواب {قل الله} إذ لا جواب لهم إلا هو، وبعد أن أقروا بأن الرب الحق هو الله، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم موبخاً مقرعاً {أفاتخذتم من دونه أولياء6} ، أي شركاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملكوا لكم نفعاً أو يدفعون عنكم ضراً فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون، ومبالغة في البيان وإقامة للحجة والبرهان على وجوب التوحيد وبطلان الشرك والتنديد أمر رسوله أن يقول لهم: {هل يستوى الأعمى
1 ضرب الله تعالى هذا المثل المائي لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد، قال الشاعر:
فأصبحت فيما كان بيني وبينها
من الودّ مثل القابض الماء باليد
2 هذا التفسير مروي عن علي رضي الله عنه.
3 الضلال: التلف والضياع، والجملة. بيان لخيبة المشركين في عبادة أصنامهم ودعائها وتقرير لخسرانهم.
4 وكافر يسجد بخضوعه لأحكام الله تعالى الجارية عليه ولا يقدر على ردّها من غِنى وفقر، وصحة ومرض وسعادة وشقاوة.
5 الآصال: جمع أصل: وهو جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب. وجمع الجمع أصائل، قال الشاعر:
لعمري لأنت البيت أكرم أهلّه
وأقعد في أفيائه بالأصائل
6 الاستفهام للتوبيخ والتقرير.
والبصير، أم هل تستوي الظلمات والنور1} ؟ والجواب قطعاً لا إذاً فكيف يستوى المؤمن والكافر، وكيف يستوي الهدى والضلال، فالمؤمن يعبد الله على بصيرة على علم أنه خالقه ورازقه يعلم سره ونجواه يجيبه إذا دعاه أرسل إليه رسوله وأنزل عليه كتابه، والكافر المشرك يعبد مخلوقاً من مخلوقات الله لا تملك لنفسها فضلاً عن عابديها نفعاً ولا ضراً لا تسمع نداءً ولا تجيب دعاء، المؤمن يعبد الله بما شرع له من عبادات وبما طلب منه من طاعات وقربات، والكافر المشرك يعبد الباطل بهواه، ويسلك سبيل الغيّ في الحياة.
وقوله: {أم جعلوا2 لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} أي بل جعلوا لله شركاء فخلقت تلك الشركاء مخلوقات كخلق الله فتشابه الخلق على المشركين فعبدوها ظناً منهم أنها خلقت كخلق الله؟ والجواب لا فإنها لم تخلق ولا تستطيع خلق ذبابة فضلاً عن غيرها إذاً فكيف تصح عبادتها وهي لم تخلق شيئاً، وقوله تعالى:{قل الله خالق كل3 شيء وهو الواحد القهار} أي قل أيها الرسول للمشركين عند اعترافهم بأن آلهتهم لم تخلق شيئاً قل لهم: الله خالق كل شيء وهو الواحد الذي لا شريك له ولا ند ولا مِثْلَ، القهار لكل جبار والمذل لكل معاند كفار، هو المستحق للعبادة الواجب له الطاعة، الإيمان به هدى والكفر به ضلال.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1-
دعوة الحق لله وحده فهو المعبود بحق لا إله غيره ولا رب سواه.
2-
حرمان المشركين من دعائهم وسائر عباداتهم.
3-
الخلق كلهم يسجدون لله طوعاً أو كرهاً إذ الكل خانع خاضع لحكم الله وتدبيره فيه.
1 أم: للإضراب الانتقالي من قضية إلى أخرى واختيار العمى والبصر والنور والظلمات لبيان أنّ حال المؤمنين وحال الكافرين في تضاد فالمؤمنون مبصرون يمشون في النور، والكافرون عمي يمشون في الظلمات.
2 هذا من تمام الاحتجاج والاستفهام للإضراب الانتقالي، وهو للتهكم بالمشركين، فالمعنى: لو جعلوا لله شركاء يخلقون فخلقوا كما يخلق الله فتشابه الخلق عليهم لكانوا معذورين ولكنهم لم يخلقوا ولن يخلقوا.
3 في الآية رد على الملاحدة الشيوعيين الذين يكرون وجود الله جل جلاله ورد على القدرية الذين يزعمون أنهم يخلقون أفعالهم والله يقول: {والله خالق كل شيء} فلا يخرج شيء عن كونه مخلوقاً لله تعالى.