الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: تعريف النكاح اصطلاحاً
أولاً: حده
اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف النكاح، فبعضهم يعرفه بأنه: عقد يفيد ملك المتعة قصداً. (1) وبعضهم يعرفه بقوله: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح، أو تزويج، أو ترجمة. (2) وبعضهم يقول: هو عقد يُعتبر فيه لفظ انكاح أو تزويج في الجملة، والمعقود عليه منفعة الاستمتاع. (3) فظاهر هذه التعاريف الاتفاق في أن الرجلَ لا يملك المنفعة من البضع، وإنما يملك الانتفاعَ به والفرق بين ملك الانتفاع وملك المنفعة، هو أن ملك المنفعةِ يستلزم أن ينتفع الزوجُ بكل ما يترتب على البضع من المنافع، وليس كذلك. (4) توضيح ذلك، أن المرأةَ لو وُطئت بشبهة يكون المهرُ لها اتفاقاً (5)، ولا يأخذ الزوج شيئاً؛ لأنه لا يملك منفعةَ البضع، وإنما يملك الانتفاعَ به. أما إباحةُ الوطء، فإنه يلزم منه ملك الانتفاعِ للزوج؛ لأنها إباحةٌ مخصوصةٌ ومقصورةٌ عليه، فتكون التعاريف بذلك متحدةَ المعنى وإن اختلفت عباراتها. قال صاحب أنيس الفقهاء: ومعناه شرعاً، "عقدٌ موضوع لملك المتعة، أي لحل استمتاع الرجل من المرأة، وهو احترازٌ عن البيع، فإنه عقدٌ موضوع لملك اليمين"(6)
هذا هو المشهور في مذاهب الفقهاء في تعريف النكاح، في كون الرجل مختصاً بملك الانتفاع بالمرأة، وأن المعقود عليه هي المرأةُ فقط، وعلى ذلك لا يلزم الرجل وطء زوجته إلا مرةً واحدةً فقط، ولا يصح لها مطالبته بذلك، لأن ذلك يكون من حقه فقط، ولكن إذا نظرنا إلى مقصد النكاح وبقية مباحثه (7) فإنه يلزم الرجلُ إعفافَ زوجته وصونها عن الوقوع في الحرام.
(1) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، 4/ 58، 59، لمحمد أمين الشهير بابن عابدين ط، دار الكتب العلمية بيروت لبنان. ، الطبعة الأولى، تأريخ الطبع 1415 هـ، 1994 م.
(2)
مغني المحتاج 3/ 165.
(3)
الروض المربع بشرح زاد المستقنع، 1/ 360، لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ط، مكتبة المؤيد، دمشق بيروت، تاريخ الطبع 1414 هـ 1993 م.
(4)
الفقه على المذاهب الأربعة بتصرف 4/ 10، لعبد الرحمن بن محمد عوض الجز يري المولود في 1299 هـ والمتوفى سنة 1360 هـ ، ط، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، الطبعة لأولى تأريخ الطبع 1409 هـ-1988 م.
(5)
المرجع السابق
(6)
أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء 1/ 145 ..
(7)
مثل مبحث الإيلاء.
وفي ذلك يقول صاحب الفقه على المذاهب الأربعة: وإن كان المشهور في المذاهب أن المعقود عليه هو الانتفاعُ بالمرأة دون الرجل كما ذُكر، ولكن ستعرف من مبحث أحكام النكاح أنه يحرم الانصرافُ عن المرأة إذا ترتب عليه إضرار بها، أو إفساد لأخلاقها، وعدم إحصانها، كما أنه يحرم على الرجل أن تتلذذ به أجنبيه عنه، فقواعد المذاهب تجعل الرجل مقصوراً على من تحل له كما تجعل المرأة مقصورة عليه، وتحتم على الرجل أن يعفها بقدر ما يستطيع، كما تحتم عليها أن تطيعه فيما يأمرها به من استمتاع إلا لعذر صحيح. (1)
ثانياً: موضوعه الشرعي وحقيقةُ المعنى فيه
اختلف الفقهاء في ما وضعت له كلمة (النكاح) شرعاً، هل تكون حقيقة في العقد مجازاً في الوطء، أم عكس ذلك، أم تكون مشتركاً بينهما، في أصل الوضع؟ فعند الشافعية الثلاثة الأوجه، أصحها أنها حقيقة في العقد، مجازٌ في الوطء. (2) واحتجوا بأنه لم يأتِ لفظ النكاح في القرآن إلا ويكون معناه العقد، لا الوطء، قالوا: ولا يرد على ذلك قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (3) لأن المراد بها العقد، والوطء مستفادٌ من خبر (4) الصحيحين (5) قالوا: ومحالٌ أن يكون في الأصل للجماع، ثم اُستعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كتعاطيه، ومحال أن يستعملوا ما يستعظمونه لما يستحسنونه. (6)
(1) الفقه على المذاهب الأربعة 4/ 11
(2)
مغني المحتاج 3/ 165
(3)
سورة البقرة الآية رقم 230
(4)
فيه إشارة إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت جاءت امرأة رفاعة القرضي النبي صلى الله عليه وسلم فقالت كنت عند رفاعة فطلقني فأبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وأبو بكر جالس عنده وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فقال يا أبا بكر ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري في كتاب النكاح، برقم 2496 م 2/ 933 ومسلم في كتاب النكاح، م 2/ 1055
…
برقم 1433 وغيرهما.
(5)
مغني المحتاج 3/ 165
(6)
التوقيف على مهمات التعاريف، 1/ 170، لمحمد عبد الرؤوف المناوي ط، دار الفكر المعاصر ، دار الفكر - بيروت ، دمشق، طبعة الأولى، 1410 تحقيق: د. محمد رضوان الداية.
وعند الحنفية، أن النكاح حقيقةٌ في الوطء، مجازٌ في العقد. (1) واحتجوا بقوله تعالى:
…
{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (2) يعني الاحتلام، فالمحتلم يرى في منامه صورة الوطء. وقوله تعالى:{الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} (3) والمراد الوطء، أما في الآيات التي ترد فيها ويكون معناها العقد، فذلك لدليل اقترن بها من ذكر العقد، أو خطاب الأولياء، كما في قوله تعالى:{وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (4) أو اشتراط إذن الأهل، كما في قوله تعالى:{فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} . (5)
أما عند أحمد، فالنكاح لفظ مشترك بين العقد والوطء على سبيل الحقيقة فيهما جميعاً. قال أبن هبيرة: وقال مالك وأحمد رحمهما الله تعالى: هو حقيقة في العقد والوطء جميعاً، وليس أحدهما أخص منه بالآخر (6)
(1) المبسوط، م 2/ ج/ 4 صـ 192، 193، شمس الدين السر خسي، ط، دار المعرفة، بيروت لبنان، تاريخ
…
الطبع 1414 هـ، 1993 م.
(2)
سورة النساء الآية رقم 6
(3)
سورة النور الآية رقم 3
(4)
سورة النور الآية رقم 32
(5)
سورة. النساء، الآية 25
(6)
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، 8/ 5، علي بن سليمان المرداوي أبو الحسن، ط، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، تاريخ الطبع، 1418 هـ 1997 م.
فائدة الخلاف
تظهر فائدة الخلاف بين الشافعية ومن وافقهم، والأحناف ومن وافقهم؛ في كون من زنى بامرأةٍ فإنها لا تحرمُ على والده ولا على ولده، عند الشافعية؛ لأنه وطءٌ بغير عقد، ولا يكون التحريم إلا بالعقد، فالنكاح عندهم في قوله تعالى:{وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً} (1) بمعنى العقد؛ وعند الأحناف تحرم لأن النكاح في الآية بمعنى الوطء، فيتناول الوطءَ بعقد أو بغيره (2)، أما عند مالك ففي الموطأ عنه (3) مثلَ قول الشافعي، وروى عنه ابنُ القاسم مثلَ قول أبي حنيفة (4)، وأما الحنابلة فالآيةُ عندهم تتناول من وطء بعقد، أو بغير عقد، مثل قول أبي حنيفة؛ لأن لفظ النكاح عندهم لفظٌ مشترك بين العقد والوطء، فيثبت التحريم (5).
(1) سورة النساء الآية رقم 22
(2)
بدائع الصنائع 2/ 530، مغني المحتاج 3/ 165.
(3)
انظر موطأ الإمام مالك، رواية يحيى بن يحيى الليثي، 2/ 533، 534، مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، ط، دار إحياء التراث العربي - مصر تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
(4)
أنظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد 3/ 62.
(5)
أنظر الكافي 3/ 37.