الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحجار يسمى رسخا وإلى نبات يسمى فسخا وإلى حيوان يسمى نسخا أي لغيرناهم عن خلقهم وهم «عَلى مَكانَتِهِمْ» المكانة كالمكان مثل المقامة والمقام ويكون بمعنى المنزلة العالية في غير هذا المكان أي لو أردنا مسخهم لمسخناهم في منازلهم «فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا» عنها فلا يقدرون ان يبرحوها ويتخلصوا منها من ويل ما وقعوا فيه «وَلا يَرْجِعُونَ» 67 إلى ما كانوا عليه قبل النسخ أي عجزوا على الحالتين معا. واعملوا أيها الناس ان طول الأعمار وقصرها بايدينا وفق ما هو في أزلنا «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ» منكم زيادة على غيره «نُنَكِّسْهُ» أي نقلّبه «فِي الْخَلْقِ» فلا يزال يتزايد ضعفه وتنقص بنيته وتضعف قواه، وقد يقل عقله عكس ما كان عليه لأنه في بدأ طفولته كان يتزايد في الكبر والقوة والعقل والعلم، لأنه يكون عند ولادته عاريا عن ذلك كله فإذا بلغ أشده استكمل قوته وعقله وعلمه، وأنكس قلب الشيء على رأسه، والمنكوس الولد الذي تخرج رجلاه قبل رأسه والنكس عود المرض بعد النّقه وكل ما كان مقلوبا فهو منكوس ولهذا قال ننكسه أي نرجعه على حالة الطفولة من جهة نقص القوى وضعف الجوارح والنكس الشيخ المدرهمّ الساقط العاجز من الكبر بعد الهرم، والناكس المطأطئ رأسه من أجل ذلك «أَفَلا يَعْقِلُونَ» 68 هؤلاء بأن من قدّر تعريف أحوال الإنسان بالصورة المذكورة وهي مدونة ومشاهدة، ألا يقدر على إحياء من يميته ويبعثه حيّا مرة ثانية، أفلا يعتبرون ويقيسون ما كان على ما يكون، أفلا يتدبرون هذا نظرا وفكرا؟ ثم التفت إلى كفار قريش الذين اتهموا نبيه صلى الله عليه وسلم بكونه شاعرا بعد أن قالوا ساحر وكاهن ومعلم، لأنه هو المقصود بإنزال هذا القرآن بل من خلق الله كله فقال مكذبا لهم «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ» والكلام المنزل عليه لا يضاهي الشعر لأنه غير موزون بأوزانه.
مطلب أوزان الشعر ومخالفة القرآن لها:
أن الشعر عبارة عن تخيلات مرغبة أو منفّرة، وهو معدن الكذب ومقر الهزل في كثير من الأحيان ولهذا قيل في مدحه (أعذبه أكذبه) وهو مبني على
ستة أصول (1) سبب خفيف وهو كل حرف متحرك وراءه ساكن مثل من وعن وقد (2) سبب ثقيل وهو كل حرفين متحركين مثل لم بما من (3) وتد مجموع وهو كل حرفين متحركين بعدهما ساكن مثل غزا ورمى وعلا (4) وتد مفروق وهو كل حرفين متحركين بينهما ساكن مثل سار، قال، باع (5) فاصلة صغرى وهي كل ثلاثة أحرف متحركات بعدها ساكن مثل ذهبا خرجا أكلا (6) فاصلة كبرى وهي كل أربعة أحرف متحركات مثل خرجتا، ذهبتا، أكلتا وهو عبارة عن ستة عشر بحرا لكل منها وزن خاص لا يتعداه وله أصول يتقيد فيها كالخبن والجزء. وهو علم خاص له فروع في عروضه وضروبه وقوافيه، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في النثر، ومتى خرم في أصوله ووزنه بشيء لا يسمى شعرا.
وهذا القرآن العظيم كله حكم وعقائد وشرائع وأمثال وقصص وأمر ونهي منزه عن الهزل، وكله قول حق وصدق قال تعالى «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» الآيتان 13 و 14 من سورة الطارق المارة وإذا كان منزّها من الهزل فبراءته عن غيره أولى، وليس على أوزان الشعر وقوافيه وأصوله فأين الثرى من الثريا، وأين الثريا من يد المتناول، وإذا لم يكن هذا القرآن شعرا، وهو كذلك، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر، لأنه لا ينطق عن الله بغير ما يوحيه إليه، فما يقوله هؤلاء الكفرة وأضرابهم وتلوكه ألسنتهم من الشعر غرضهم منه وصمه صلى الله عليه وسلم بالشعر مع أن ما جاء به ليس بشعر وحاشاه ثم حاشاه «وَما يَنْبَغِي لَهُ» ولا يليق به الشعر. ولا تعلمّه ولا نطق به، لأنه قد يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، وهذا ليس كذلك. والشعر أحسنه المبالغة في الوصف والمجازفة والإغراق في المدح والإفراط بتحسين ما ليس بحسن والتفريط في تقبيح ما ليس بقبيح، وهذا مما يستدعي الكذب أو يحاكيه وجلّ جناب الشارع عن ذلك روي عن عائشة رضي الله عنها وقد قيل لها هل كان النّبي شاعرا يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحه ويقول:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
…
......
أخرجه الترمذي، وفي رواية غيره قالت كان الشعر أبغض الحديث اليه صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم منه إلا ببيت أخي قيس طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
…
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فجعل يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر رضي الله عنه ليس هكذا يا رسول الله، فقال إني لست بشاعر ولا ينبغي لي، وروى عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر يا نبي الله انما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا. أشهد أنك رسول، وتلا هذه الآية وقد جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لان يمتليء جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتليء شعرا وما صح من حديث جندب بن عبد الله أنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابه حجر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت
…
وفي سبيل الله ما لقيت
ومن حديث أنس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لهمّ إن العيش عيش الآخرة
…
فأكرم الأنصار والمهاجرة
وما روى أنه قال:
أنا النبي لا كذب
…
أنا ابن عبد المطلب
فهو من جملة كلامه الذي يرمي به من غير صنعة فيه ولا تكلف، إلا أنه اتفق كذلك عفوا من غير قصد الشعرية وان كان موزونا كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس ومحاوراتهم ورسائلهم، كلام موزون مقفى يدخل في بحور الشعر وأوزانه اتفاقا، وقد جاء في القرآن العظيم ما هو بوزن شطر منه مثل قوله تعالى:«قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ» الآية 21 من سورة طه الآتية وقوله جل قوله: «فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» الآية 25 من سورة الأحقاف في ج 2 وغيره كثير كما في الآية 14 من سورة النمل، والآية 33 من سورة فاطر الآتيتين. فهل يسمى هذا شعرا؟ كلا، على أن الخليل قال المشطور من الرجز ليس بشعر، وهذا كله من
مشطور الرجز، وما روي عن الخليل أنه قال كان الشعر أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام مناف لما سمعت من الأحاديث والأخبار، ولعله قال ذلك بالتفضيل بين شعر وشعر كما قال حين أعجبه شعر أمية ابن الصلت (آمن شعره وكفر قلبه) وكما قال حين سمع قول النابغة:
بلغنا السماء بحدنا وسناؤنا
…
وانا لنرجو بعد ذلك مظهرا
قال له إلى أين قال إلى الجنة يا رسول الله، فأعجبه ولما بلغ في قصيدته قوله:
ولا خير في علم إذا لم يكن له
…
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن
…
حليم إذا ما أورد الأمر اصدرا
قال له لا يفضض الله فاك. قالوا إنه عاش مائة وثلاثين سنة لم يسقط له فيها سن هذا، وان القرآن العظيم امتاز عن كلام البشر بما تقدم، وبنظم آياته على نظام السجع المستمر أو النثر من الشعر وبضرب الأمثال وسوق القصص وتكرارها بغير النسق الأول مع إعطاء المعنى كاملا، وهذا مما يعجز عنه البشر وعدم التزامه أسلوبا واحدا في الأداء والبحث فكما تجد في السورة الواحدة عدة أبحاث تجده في الآية الواحدة أيضا، وكما أن كثيره معجز فقليله معجز، فهو في هذه الحيثية لا يتجزأ كالنور فإنه إذا تجزا لا يخرج عن طبيعته كله لأن جزء النور نور وهكذا القرآن جل منزله. ولهذا البحث صلة في تفسير الآية 226 من سورة الشعراء نستقصي فيها ما لا بد منه في هذا الشأن إن شاء الله تعالى، ولما نفى جل جلاله أن يكون نبيه شاعرا وأن يكون كلامه شعرا قال «إِنْ هُوَ» أي ما الذي علمناه لحضرة رسوله «إِلَّا ذِكْرٌ» من لدنا أنزلناه عليه ليذكر به عبادنا ويعظمهم به «وَقُرْآنٌ» يقرأه عليهم «مُبِينٌ» 69 ظاهر واضح بأنه ليس من قول البشر ويلقم من تصدى لمعارضته الحجر كتاب سماوي لا مثل لمثله، تحدى الخلق كلهم ليأتوا بسورة مثله فعجزوا، وهو مصوغ صوغا إلهيا يباين كلام الإنسان ويخالف ما في الشعر من أصول وأوزان، موضح للحدود والأحكام، ومبين للحلال والحرام صادر عن حضرة الملك العلام القائل «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ