الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الآية 68 من الأعراف المارة في قوله (نَحْنُ وَلا آباؤُنا) الآية 35 من سورة النحل في ج 2، وإنما جاز ذلك لوجود الفاصل وهو الاستفهام، كما جاز الفصل بلا في الآية الأخيرة وفي الآية 147 من سورة الأنعام، وهي (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) لتأكيد النظر بلا المذكورة.
مطلب صحة العطف على الضمير من غير تأكيد:
فلم يبق من حاجة لذكر نحن في الآيتين الأخيرتين، لأن الضمير المنفصل إنما يجب الإتيان به لصحة العطف إذا لم يكن هناك استفهام ولا نفي مؤكد كما في آية النحل وهاتين الآيتين أي الآية المفسرة وآية الأنعام، فيا أكرم الرسل «قُلْ» لقومك المقتفين آثار أولئك الكفرة والجاحدين المقلدين لهم بإنكار البعث «إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» 49 من جميع الخلق طائعهم وعاصيهم وعزة الله وجلاله وعظمته ونواله «لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» 50 عند الله وواقفون بين يديه للحساب والجزاء
«ثُمَّ» يقال لهم من قبل الملائكة الموكلين بتبليغهم وسؤالهم من قبل الله «إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ» عن طرق الهدى «الْمُكَذِّبُونَ» 51 بهذا اليوم «لَآكِلُونَ» في جهنم زيادة على تعذيبكم فيها «مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ» 52 شديد المرارة وهو نبت فيها أشبه بالحنظل في أرض الدنيا، «فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ» 53 رغما عنكم لأن ملائكة العذاب يقسرونهم على أكله والشرب من الحميم أيضا، ليزيدوا في تعذيبهم كما تعلف الدواب المربوطة قسرا من قبل أهل الدنيا «فَشارِبُونَ عَلَيْهِ» عند شدة عطشكم «مِنَ الْحَمِيمِ 54 فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» 55 الإبل المصابة في داء الهيام فإنها لفرط ظمئها لا تزال تشرب حتى تهلك، لأنها لا تروى قال الشاعر:
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد
…
صداها ولا يقضي عليها هيامها
ومن كان شربه والعياذ بالله الماء المغلي كيف يروى؟ وهذا بعض عذاب أهل النار، إذ يسلط عليهم الجوع فتضطرهم الملائكة لأكل الزقوم، ويسلط عليهم العطش فتضطرهم أيضا لشرب الهيم «هذا» أيها السائل «نُزُلُهُمْ» ما يقدم إليهم في جهنم أول دخولهم
فيها ويلجئونهم على تناوله تكرمة لهم على حد قوله (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الآية 21 من آل عمران في ج 3، وقوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) الآية 49 من الفرقان في ج 2، على طريق التقريع والاستهزاء (والنزل) هو أول ما يقدم للضيف عند قدومه ثم بعد استراحته يقدم له الطعام والشراب، وأهل النار أول ما يقدم لهم ذلك ثم يأتيهم والعياذ بالله ما لم تتخيله أذهانهم من العذاب «يَوْمَ الدِّينِ» 56 الجزاء الذي ينالونه فيه على أعمالهم وفي قوله تعالى (نزلهم) تهكم فيهم وسخرية بهم لأنه إذا كان هذا أول عذابهم فما ظنك فيما بعده؟ أجارنا الله وحمانا، وقيل في المعنى:
وكنا إذا الجبار في الجيش ضافنا
…
جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
بتخفيف الزاي بدل ضمه، وهي قراءة أيضا، وهذا وما يأتي وإن كان المخاطب به كفار قريش فهو عام في جميع الكفرة المنكرين للبعث المكذبين الرسل، ثم بادر يخاطبهم على طريق الإلزام والتبكيت بقوله جل قوله «نَحْنُ خَلَقْناكُمْ» كما تعلمون من نطفة وخلقنا أباكم من تراب «فَلَوْلا» هلا «تُصَدِّقُونَ» 57 أن من يخلق ابتداء من غير شيء بطريق الإبداع، ألا يقدر على إعادة ما خلقه ثانيا على نمط الأول؟ بلى وهو أهون عليه، وكل شيء عنده هين «أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ» 58 من النطف في أرحام النساء «أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ» أي لجنين المكون من تلك النطفة فتصيرونه بشرا سويا «أَمْ» نَحْنُ الْخالِقُونَ» 59 له منها بل هو هو، فيا أيها الناس تدبّروا هذا واعلموا أنا «نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ» أي أجله كما قدرنا الحياة في الرحم والدنيا والبقاء في البرزخ فمنكم من يموت في بطن أمه ومنكم من يموت طفلا وصبيا وشابا وكهلا وشيخا وهرما، بمقتضى تقديرنا الأزلي لآجالكم «وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» 60 عن شيء نريده بل الغالبون أبدا في كل شيء، ولا يفوتنا شيء، ولا يقع في الملك والملكوت شيء ما إلا بمقتضى تقديرنا، واعلموا أيها الناس أنا نحن القادرون (الرفع بعد نحن على البدلية، والنصب على الاختصاص) تأمل هذا واعلم أن من يعرف العربية فقد لا يغلط أحدا حيث يجد له طريقا وخاصة ما بعد أن وكان)
فنغير صفاتكم هذه التي أنتم عليها من الخلق والخلق، أو نذهبكم وناتي بدلكم أشباهكم من الخلق الآخر «وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ»
61 من الصور خلقا جديدا لا يشبه خلقكم الذي أنتم عليه، مما لم يكن في حسبانكم «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ» أيها الناس «النَّشْأَةَ الْأُولى» وكيفيتها من العدم لا من شيء سابق ولا مثال متقدم «فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ» 62 بأني قادر على النشأة الثانية لأنها على مثال سابق، ومن كان قادرا على الإنشاء من لا شيء فهو أقدر على إعادة ما أنشأه بعد هلاكه، والبون شاسع بين الوجود والعدم «أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ» 63 في الأرض وتبذرون فيها من أنواع البذور «أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ» فتنبتونه وتنشئونه وتصيرونه زرعا قائما على سوقه، وتجعلون فيه الحب «أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» 64 الفاعلون لذلك كله وانكم لم ولن تفعلوا شيئا غير أقدارنا لكم على طرح الحب في الأرض، فإذا شئنا أنبتناه وإذا شئنا لم ننبته، وأنا «لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً» هشيما مكسرا تبنا ناعما لا قمح فيه عفوا بلا سبب أو نسلط عليه شيئا من الآفات الأرضية كالسوس والجراد والسمائية كالحر والبرد، أو نغرقه بالماء، أو نحرقه بصاعقة فنتلفه بما نشاء «فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ» 65 تتعجبون فيما نزل فيه وتندمون على تعبكم عليه وانفاقكم المال لأجله، وتتلاومون على زرعه أو التقصير في مراعاته.
وأصل التفكه التنقل بصنوف الفواكه، ثم استعبر للننقل بالحديث، وكني فيه هنا عن التعجب والندم والتلاوم، أو عن اتلافه وحرمانكم منه، هذا وإذا أريد المعنى الظاهر من تفكهون فيكون ويجعلكم تقتصرون على أكل الفواكه فقط وتعدمون لذة القمح الذي لا يغني عنه شيء بحيث لا تعافه النفس مهما أدمن عليه بخلاف غيره من الأطعمة، وعند ما يجعله الله كذلك تقولون «إِنَّا لَمُغْرَمُونَ» 66 ذهب مالنا بغير عوض وتعبنا بغير أجر وأملنا دون حظوة وتقولون «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» 67 من ربح زرعنا الذي كنا نأمله لا حظ لنا فيه «أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ» 68 منه أنتم وأنعامكم ودوابكم وتغتسلون منه وتغسلون ثيابكم وأوانيكم «أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ» السحب واحده مزنة قال الشاعر:
فلا مزنة ودقت ودقها
…
ولا أرض أبقلت ابقالها
«أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ» 69 له بقدرتنا إذ ننزله لكم بقدر حاجتكم إليه على أنا «لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً» شديد الملوحة مرا لا يشرب ولا ينفع الزرع، فتهلكون عطشا وتنلف زروعكم وأشجاركم، لأنا قادرون على اتلافكم بأنواع شتى، فلو سكنا عنكم الهواء ساعة لهلكتم جميعا «فَلَوْلا تَشْكُرُونَ» 70 نعم الله عليكم التي من جملتها تأمين ضرورياتكم وما تصلحون به مأكولكم
وما تتقون به شدة الحر المنوه عنه بقوله «أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ» 71 تقدحون لها الزناد فتتقّد فتستضيؤن بها وتنضجون طعامكم عليها «أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها» التي توقد منها أو شجر المرخ والعقار المار ذكره في الآية 80 من سورة يس المارة «أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ» 72 لها بل نحن أنشأنا شجرها لنفعكم و «نَحْنُ جَعَلْناها» أي تلك النار لكم في الدنيا «تَذْكِرَةً» لنار الآخرة الكبرى ليتعظ بها من له عقل كلما رآها، فيذكر عذابها ويرتدع عما نهي عنه، ولذلك عممنا الحاجة إليها «وَ» جعلناها «مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ» 73 المسافرين والفقراء الذين ينزلون (القواء) الأرض القفرة وللأغنياء المقيمين أيضا، إذ لا غنى لأحد عنها، إلا أن المسافر أشد حاجة لها من غيره، لأنه بوقدها للتدفئة ولهروب الهوام عنه لأنها لا تقربه ما دامت النار عنده خشية منها، وإلا افترسته حالا وفيها منفعة أخرى وهي اهتداء الضال بها والاستضاءة بها ليلا وللطبخ والخبز، وتسخين الماء ليلا ونهارا، وكونها تذكرة لنار الآخرة لا يقتضى أن تكون مثلها وقد ذكرنا في الآية 135 من سورة طه المارة أن المشبه لا يكون كالمشبه به من كل وجه. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ناركم هذه الذي توقدون جزء من ستين جزءا من نار جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها. أعاذنا الله منها ولو أن نارنا هذه مثل تلك لما انتفعنا بها أبدا، لأن أجسامنا هذه لا تطيق مقابلتها، ولأن ما يوضع عليها للنضج يحرق حالا، لأنها تذيب الحديد وتفتت الحجارة حالا، ولكانت نقمة علينا لا نعمة لنا. ثم التفت جل شأنه الى حبيبه صلى الله عليه وسلم وقال له «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ»
74 نزه عما يقول هؤلاء الظالمون من اتخاذ الآلهة من دونه وانكار إعادة خلقه بعد الموت ومن سائر ما يصمونه به من الولد والشريك والصاحبة، ثم أقسم قائلا «فَلا أُقْسِمُ» تقدم البحث فيه مفصلا أول سورة القيامة فراجعه ففيه بحث نفيس «بِمَواقِعِ النُّجُومِ» 75 مساقطها عند غروبها بالنسبة لما نرى قال ابن عباس النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مشى الشيخ الأكبر وقال يا لها من أوقات! وقد أخرج النسائي وابن جرير والحاكم والبيهقي في الشعب أنه قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا الى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين. وفي لفظ ثم نزل من سماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ هذه الآية، ويستحيل على هذا القول عرد الضمير في «وَإِنَّهُ» للقرآن بالنظر إلى ما يفهم من مواقع النجوم حتى يعد كأنه مذكور أي وأن هذا القسم الذي ذكره الله بعد أن فرغ من ذكر البراهين المسكة الآنفة الذكر التي يخرس عندها كل بليغ ويحجم عنها كل فصيح «لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ» 76 لأن في سقوط النجوم بالنسبة لما نراه زوال أثرها ودلالة على وجود مؤثرها الدائم وقد استدل الخليل عليه السلام بأقوالها على صانعها جل جلاله، كما سيأتي في الآية 76 فما بعدها من سورة الأنعام في ج 2، وفي هذه الآية دالة على جواز الفعل بين الصفة والموصوف بكلام آخر، لأن عظيما هنا جاء صفة لقسم، والله تعالى يقول هو عظيم جدا لو تعلمون ما يترتب عليه من المصالح فضلا عن أنه وقت قيام المجتهدين المبتهلين الى الله، وآن نزول رحمته، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وجواب القسم في قوله تعالى «إِنَّهُ» أي المنزل عليك يا سيد الرسل «لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» 77 لما فيه من النور والهدى والبيان والعلم والحكم والحكمة، لأن الفقيه يستدل به والحكيم يستمد به والأديب يقتبس منه والأريب يتقوى به، والمتعلم يستفيد منه، وكل عالم يطلب أصل علمه من فيضه، ليس بسحر ولا كهانة كما