الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعرب لا تعد الخلف في الوعيد عيبا بل مكرمة وعطفا، وتعد الخلف بالوعد مذمة ونقصانا، قال قائلهم:
وإني وإن أوعدته أو وعدته
…
لمخلف ايعادي ومنجز موعدي
وقال آخر:
إذا وعد السراء أنجز وعده
…
وإن أوعد الضراء فالعقل مانعه
ومن هنا يفهم أن وعد وأوعد بمعنى واحد إذا صرح بالموعود به، وإلا فإن وعد للخير، وأوعد للشر. ويجوز خلف الوعيد على الله تعالى أيضا لأنه من محض الفضل، قال يحيى بن معاذ: الوعد حق العباد على من ضمن لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم، ومن أولى بالوفاء من الله وهو الآمر به؟ والوعيد حق الله على العباد فإن شاء عفا وإن شاء وأخذ. والعفو من أسمائه تعالى وقد حبّذه لخلقه وهو العفو الرحيم، وأولى الأمرين العفو، ويأبى كرمه إلا أحسنهما لخلقه اه من شرح العقد للجلال الدواني مع تصرف- «وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا» 54 مخبرا عن الله فيما يأمر وينهى، وقد أرسله إلى جرهم قبيلة من عرب اليمن من قحطان بن عامر بن سائح كما سيأتي في الآية 134 من سورة البقرة في ج 3، وقحطان أبو قبائل اليمن كلها «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ» التي تزوجها من جرهم كما يأمر قبيلتها الذين نزلوا عليه في مكة وأباح لهم الشرب من زمزم التي أنبعها الله كرامة له وهو رضيع حين ضاق ذرع أمه مما لحقه من العطش بعد أن كبر وشرفه الله بالنبوة والرسالة «بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ» بمقتضى شريعته التي تلقاها عن أبيه ابراهيم من الصحف التي أنزلها الله عليه، وبما أوحاه له من الشريعة أيضا «وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» 55 عنه وقرىء (مرضوّوا) فقلبت الواو ياء لتطرفها بعد الواو الساكنة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء بالياء وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء.
مطلب أول من اخترع المهن وقصة إدريس عليه السلام:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ» أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن خيتان بن شيث بن آدم عليهم السلام، وبينه وبين نوح ألف سنة تقريبا، وسمي
إدريسا لدراسة الصحف المنزلة على آدم فمن بعده، وهو أول مرسل بعده، وأول من خط بالقلم ولم تكن قبله كتابة، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خاط اللباس وكان الناس من قبله يرتدون جلود الحيوانات ويخللونها عليهم، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، قال ابن الأثير في تاريخه: إن إدريس (أخنوخ) كان خوّاء ينظر بالنجوم وأطلعه الله على كون طوفان يعم الأرض، فبنى الأهرامات في مصر ليتحصن فيها من يكون زمن هذا الطوفان، قالوا وكان بناؤها بتخلية الهواء من حجر فقط بلا كلس ولا طين ولا غيره، وهو أول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، وأول من قاتل بني قابيل، لأن قابيل ابن آدم لما قتل أخاه هابيل خرج عن طاعة أبيه وانفرد بعصيانه وأخذ أخته وهاجر عنه، فنشأ أولاده على المعصية، فلما بعث الله إدريس وجعله خلفا لآدم غزاهم واسترقهم. فادريس عليه السلام أول مؤسس لهذه المهن المارّة، وأول من سن الجهاد واسترقاق المغلوبين، وستأتي قصة قابيل معه في الآية 30 من سورة المائدة في ج 3 إن شاء الله «إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا» 56 تقدم تفسير مثله «وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» 57 بتشريفه بالنبوة والرسالة وتقريبه من الله برفعه إلى السماء الرابعة. روى أنس بن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج- متفق عليه- واختلف في حياته وموته، واتفق الجمهور على أنه حي، وقالوا أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في الأرض الخضر وإلياس، وثنان في السماء إدريس وعيسى اه- من بحر العلوم- على أن الخضر مختلف في نبوته، وأكثر العلماء على أنه ولي، ولهذا البحث صلة تأتي في الآية 16 من سورة الكهف في ج 2 إن شاء الله تعالى. وخلاصة قصته عليه السلام أنه حببّ إلى الملائكة لكثرة عبادته، فقال لملك الموت أذقني الموت يهن علي ففعل بإذن الله، ثم أحياه الله، ثم قال لمالك خازن النار، أدخلني النار أزدد رهبة من الله، فأدخله فيها بإذن الله، ثم أخرجه منها، ثم قال إلى رضوان خازن الجنة أدخلني الجنة أزدد رغبة في عبادة الله، فأدخله فيها بإذن الله، ولما أراد أن يخرجه أبى فتلاحيا بينهما، فبعث الله
ملكا ليتحاكما إليه، فقال الملك بعد أن أخذ ادعاء المدعي رضوان ودفاع المدعى عليه إدريس لإدريس: لم لم تخرج بأمره بعد أن أدخلك بأمره وأنت تعترف بأنك استأذنته بالدخول وأنه أمرك بالخروج فلم تفعل؟ قال لأن الله قضى على كل نفس بالموت بقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) الآية 36 من سورة الأنبياء في ج 2 وقد متّ، وقضى على كل نفس بورود جهنم بقوله:(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) الآية 74 الآتية وقد وردتها، وقضى على كل من دخل الجنة أن لا يخرج منها بقوله:(وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) الآية 49 من سورة الحجر في ج 2، ولذلك فإني لا أخرج. فأوحى الله إلى الملك بأمري دخل وبأمري لا يخرج. وجاء هذا في حديث طويل أخرجه ابن المنذر عن عمر مولى عفرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم بذلك، ولا يقال إن هذه الآيات المحتج بها نزلت على محمد ولم تكن في زمنه، لأن الله قادر على إلهامه إياها، لأنها مدونة في لوحه، وقد يجوز أنه أشار إليها في الصحف التي أنزلها عليه. هذا، وان الرفعة بالمكان كما جاء في هذه الآية لا تكون معنوية بل حسية، وظاهرها لا يحتاج إلى التأويل فيكون، والله أعلم، أن سيدنا إدريس حي خالد في جنة ربه، نسأل الله أن يدخلنا فيها ونراه إن شاء الله، وهذه الآية المدنية من هذه السورة المتأخر نزولها عنها. قال تعالى «أُولئِكَ» اشارة الى الأنبياء المذكورين في هذه السورة كلهم، وما في هذه الكلمة من معنى البعد يؤيد أن نزولها كان متأخرا إذ كان بعد بضع سنين، وفيها إشارة اخرى الى علو منزلة المشار إليهم ولارتفاع شأنهم عنده «الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ» أي إدريس ونوح ومن تقدمه من الأنبياء ومن حملهم في سفينته وذريتهم ومنهم ابراهيم لأنه
من ولد سام بن نوح «وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ» اسحق وإسماعيل ويعقوب المعني بقوله «وَإِسْرائِيلَ» ومن ذرية موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى المار ذكرهم، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، لأنهم كما شرفوا بالنبوة شرفوا بالنسب الطاهر «وَ» هؤلاء المحترمون الأكارم «مِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا» من خلقنا إلى الإيمان بنا والدعوة لخلقنا لتوحيدنا