الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب قرة العين وسخنها والذرية:
ثم ذكر صفة دعائهم لأنفسهم بقوله «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا» أولادهم وأولادهم واجعلهم لنا «قُرَّةَ أَعْيُنٍ» أبرارا صالحين أتقياء فائزين تقر أعيننا بهم لما هم عليه من عمل صالح وخلق كريم وذكر حسن. واعلم أن ليس أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده وأحفاده طائعين لأوامر الله مطيعين له ليطمع أن يحلوا معه في الجنة فيتم سروره بهم في الدنيا والآخرة، وإقرار العين بردها لما يرد على صاحبها من الفرح والسرور، فتدمع دمعا باردا لشدة انشراح صدره، لهذا يقال أقرّ الله عينيك. وضدّه حمانا الله، أسخن الله عينيك. واسخان العين حرها لما يرد على صاحبها من الضيق والحزن فتدمع دمعا حارا لما حل به من الكرب وضيق الصدر، قال أبو تمام:
فأما عيون العاشقين فأسخنت
…
وأما عيون الشامتين فقرت
وقال الآخر:
نعم الإله على العباد كثيرة
…
وأجلهن نجابة الأولاد
وقال تعالى هنا، أعين جمعا للعيون الباهرة، لأن لفظ العيون في القرآن العظيم كله جمع للعيون الجارية. وقرئ ذرّيتنا بالإفراد وقرئت بالجمع قال تعالى «وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً» 74 يقتدى بنا في أفعال الخير اللهم اجعلنا منهم وقرّ أعيننا بأولادنا وأحفادنا يا الله يا الله يا الله بجاهك على نفسك، وحرمة كتبك وحق أنبيائك ومكانة أوليائك عليك وإمام يستعمل مفردا وجمعا واختير على أئمة المطابق لما قبله لكونه أوفق للفواصل التي قبله وبعده، والمراد هنا الجمع رعاية لمفعول جعل قال تعالى «أُوْلئِكَ» الذين هذه صفاتهم الممدوحة «يُجْزَوْنَ» من ربهم يوم الجزاء «الْغُرْفَةَ» الدرجة العالية في الجنة، لأن الغرف تطلق على البيوت الفوقية والحجر على السفلية والبيت عليهما، وذلك الجزاء الحسن ينالهم «بِما صَبَرُوا» على طاعة ربهم وعن شهوات أنفسهم في الدنيا هذا على أن الباء في بما سببية أو بدل صبرهم على أنها مصدرية وعليه قوله:
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا
…
شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
وعلاوة على الجزاء الحسن الذي يعطونه ويرون ثوابه فإنهم يكرمون عليه «وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً» 75 من كل مكروه ولا مكروه في الجنة أي دعاء بالبقاء فيها ودعاء بالسلامة، والسلام من الله وملائكته ومن بعضهم أيضا، وهؤلاء يبقون في هذا النعيم «خالِدِينَ فِيها» أي الجنة الموصوفة بالغرفة التي هي أعلى منازلها وتسمى محل الأمن من الأكوار قال تعالى «وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ» الآية 78 من سورة سبأ في ج 2 «حَسُنَتْ» تلك المنزلة الكريمة «مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» 76 كرمت مقاما وقرارا وهذا بمقابل «ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» الآية 66 المارة بسياق أهل العذاب الجهنميين «قُلْ» يا أكرم الرسل إن الفائزين بتلك النعم الجليلة التي يتنافس بها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتدّ بهم كغيرهم، كما أن أولئك الساقطين بتلك البلايا القبيحة التي يتباعد عنها المتباعدون إنما عوقبوا عليها بما عدد من مساويهم الخبيثة ولولاها لكانوا كغيرهم منعمين، ولهذا أكد عليهم يا حبيبي وقل لهم «ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي» ما يصنع وما يبالي بكم «لَوْلا دُعاؤُكُمْ» إياه عند الشدائد الملمات، ولكن لا ينفع هذا نفعا دائما إلا إذا آمنتم به وبرسوله وبكتابه، فإذ ذاك يظهر لكم عند ربكم وزن وقيمة ويعلو قدركم وتسمو مكانتكم عنده، لأنه لم يخلق الخلق إلا ليعبدوه ويحمدوه ويشكروا آلاءه لا لحاجة بهم- راجع تفسير الآية 56 من الذاريات في ج 2- لأن معنى عبأ ثقل والعبء في الأصل ثقل، والنفي منه معناه عدم الاعتناء والاعتداد والاكتراث بالشيء. أي أيّ اعتداد يعتد بكم ربكم إذا لم يكن لكم عنده قدر، فوجودكم لديه وعدمه سواء، وجواب لولا محذوف وتقديره لما اعتد بكم، لأنه لولا ما يقع منكم من الدعاء لكنتم والبهائم سواسية، وهذا بيان لحال المؤمنين من هذا الخطاب العام، أما حال الكفرة منهم فقد ذكره بقوله «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ» برسولي وكتابي أيها الكفرة وجحدتم ربوبيتي ورفضتم توحيدي وعبادتي وكذبتم بي وأصررتم على مخالفة حكمي، ولم تقتدوا بأولئك الطائعين الصالحين من عبادي،