الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يساوي الناس، بل يجب أن يتنزه عن مضاهاتهم في المأكل والمشرب والملبس والعمل، ثم تنزلوا عما هو أقل من ذلك كله «أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها» على الأقل فيسدّ بها حاجته ويمتاز بها عما من شأن الغير وهم يعلمون أنه ما احتاج قط إلى غيره منذ نشأته بينهم إلا لربّه «وَقالَ الظَّالِمُونَ» وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم في قولهم «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً» 8 مخدوعا مجنونا وقد وصموه بهذا بعد أن وصموه بالشعر والكهانة ووصموا كلام الله بأنه مفترى، وأنه من أساطير الأولين، وانه تعلمه من الغير وانه مملى عليه، إلى غير ذلك.
مطلب اجتماع أشراف قريش مع حضرة الرسول
.
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البحتري والأسود ابن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية ابن خلف والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابني الحجاج، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه إذا لم يقبل منكم ما تعرضو عليه من الأمر، فبعثوا إليه ان أشراف قومك اجتمعوا ليكلموك فاحضر، فجاء ولما استقر به المقام، قالوا يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعتذر منك، فان كنت إنما جئت بهذا الأمر تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا وإن كنت تطلب الشرف نسوّدك بأن نجعلك سيدا علينا، وان كنت تريد الملك أيضا ملكناك علينا، فقال صلى الله عليه وسلم: ما لي مما تقولون ما جئنكم بما جئنكم أطلب أموالكم أو الشرف فيكم أو الملك عليكم، ولكن الله بعثني رسولا إليه وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون بشيرا بجنته ورضاه إن أطعتم، ونذيرا من سخطه وعذابه إن أبيتم، وإني بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئنكم به فهو حظكم بالدنيا والآخرة، وان تردّوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه
عليك فاسأل لنفسك ربّك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، أو سله أن يجعل لك كنزا أو جنة تغنيك عما تبتغي حتى نعرف فضلك لديه، ومنزلتك عنده، إن كان ما تزعمه صحيحا، لأنه لا يجدر بك وأنت على دعوتك هذه أن تمشي بالأسواق وتلتمس المعاش مثلنا فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه، وما بعثت إليكم بهذا، وما أنا إلا بشر مثلكم. فتفروا منه وقالوا ما قالوا قال تعالى «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ» التي لا علاقه لها بالرسالة ولا فائدة لهم بها فضلا عن أنها غير معقولة «فَضَلُّوا» بها طريق الهدى ومنهج الصواب «فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» 9 يخرجون منه لضعف حجتهم، ولا يقدرون أن يستدلّوا بدليل على ما قالوه وان ما وصموك به لا حجه لهم به ولا برهان كما انهم لا طريق لهم للرشد فلا يؤمنوا بما انزل إليك ولا يقدرون على مباراتك، وإنا نعلم قولهم هذا كما نعلم جوابك لهم القاطع لقلوبهم قبل أن تقوله لهم «تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ» يا سيد الرسل «خَيْراً مِنْ ذلِكَ» الذي عرضه عليك قومك وخيرا مما اقترحوه عليك وكلفوك بقبوله «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» دائمة مستمرة في جنان الدنيا والآخرة، لا جنة فانية مثل جنان هذه الدار «وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً» 10 بديعة من صنعه لا من صنع خلقه، عظيمة يعجز عن إنشاء مثلها البشر أجمع مثل قصور الآخرة، وهو قادر على أن يجعل لك ذلك كله في الدنيا، ولكن لا يريده لك فيها، بل إنه هيأها لك، خبأها للدار الآخرة، وذلك لعلمه جل علمه أنه صلى الله عليه وسلم غير ميّال إلى الدنيا وزخارفها، لذلك قال إن شاء، وإلا لكونها له حال سؤالهم له. يدل على هذا ما جاء عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك. وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو شئت «ما كلفني به ربي» لسارت معي جبال مكة ذهبا، جاءني ملك ان حجزته تساوي الكعبة «مقعد
إزاره أو موضع التكة في السروال وهو كناية عن عظمته لأنه إذا كان ذلك منه يساوي الكعبة فكيف بجثته؟ وهو بضم الحاء وسكون الجيم وفتح الزاي أو بفتحها معناه الظلمة أو الذين يحولون دون المتنازعين يمنعون التعدي «ويفصلون بينهم بالحق» فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام وبقول إن شئت نبيّا عبدا وإن شئت نبيّا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأشار إليّ أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا، قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا، يقول أنا عبد آكل
كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد. ذكر هذين الحديثين البغوي في سنده
قال تعالى «بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ» وهي حق ثابت وقد جحدوها وهذا أعظم مما وصموك به لأنه ليس بشيء بالنسبة لانكار وجود القيامة وإعادة الأجساد إلى ما كانت عليه، وعليه فان ما قالوه لك ليس بعجيب، لاتيانهم بأعجب منه وهو جحودهم الآخرة التي أمرناك أن تهددهم بها «وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً» 11 لأن تكذيبك بها تكذيب لنا قال تعالى «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» الآية 30 من سورة الأنعام في ج 2 وقد هيّأنا لهم هذه النار التي لا تنطفيء لبعد مداها وكثرة وقودها بأمثالهم «إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» بمرأى الناظرين أمثالنا ولا يقال كيف تراهم وهي ليست من أصحاب الرؤية لان الذي سعرها قادر على خلق الرؤية فيها فتراهم من مسيرة أعوام، لأنها تشرف لأهلها، أو ان رأتهم بمعنى قابلتهم فتكون بمرأى منهم وإذا رأوها فكأنها رأتهم، قال تعالى «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ» الآية 91 من سورة الشعراء الآتية والمعنى أنها لا تخفى على أحد وقريء تراهم أي زبانيتها ولا مندوحة فيه «سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً» 12 غليانا شديدا وصوتا من تلهبها غير صوت تغيظها من توقدها يشبه الغليان بالغيظ بجامع علو الصوت في كل لأن الغضبان يرتفع صوته لحرارة الغضب في جوفه والغليان له صوت يسمع أيضا لحرارة النار والزفير خروج النفس بشدة، ضد الشهيق الذي هو نزوله بشدة أيضا قال عبيد بن عمير تزخر جهنم يوم القيامة زخرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل