الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب يوم الحسرة وذبح الموت:
فعظهم يا أكمل الرسل «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ» ذلك يوم الخسران والندامة، إذ يتحسر المسيء على ما وقع منه في الدنيا ويتحسر المؤمن على تقصيره فيها أيضا لما يرى من عظيم ثواب غيره. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يموت إلا يندم. قالوا ما ندمه يا رسوله؟ قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع- أخرجه الترمذي- وقال أكثر المفسرين إن يوم الحسرة يوم من أيام القيامة يذبح فيه الموت استنادا على ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح (مختلط سواده ببياضه والموت لا يذبح لأنه عرض والذبح للأجسام، إلا أن الله تعالى يجسمه بصورة كبش فيذبح على مشهد الخلائق فيموت ولا يرجى له حياة ولا وجود، وكذلك حال أهل الجنة وأهلّ النار لا زوال لهما ولا انتقاص) فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار! فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، ثم قرأ: وأنذرهم يوم الحسرة «إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ» فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وذبح الموت «وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ» عما يراد بهم بالآخرة لشدة انهماكهم في الدنيا، والواو في هذه الجملة وفي قوله جل قوله «وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» 39 للحال، أي والحال أنهم لا يصدقون أن الأمر قد فرغ منه، وأشار بيده إلى الدنيا. زاد الترمذي فيه: فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار.
لزيادة ما يرى الأول من النعيم والسرور، والآخر من العذاب والحزن، ويعلم كل منهم أنه خالد فيما صار إليه. ورويا عن ابن عمر أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى
يجعل بين الجنة والنار، فيذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن فيكون عليه حسرة. فعلى هذا قد ثبت أن يوم الحسرة هو يوم ذبح الموت على الوجه الذي بيناه، إذ يتحسر فيه الظالمون على ما فرط منهم، والمنقون على تفريطهم بعدم ازدياد العمل الصالح، فما قيل إنه يوم يقال لهم (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) الآية 107 من سورة المؤمنين في ج 2، أو يوم يقال لهم (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية 90 من سورة يس المارة، أو يوم (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ) الآية 91 من سورة الشعراء الآتية، أو يوم يسدّ باب التوبة حين تطلع الشمس من مغربها ليس لها ما يؤيدها بمقابلة الأحاديث الصحيحة التي أوردناها أعلاه، وذلك لأن قوله تعالى اخسئوا بعد دخول النار، وقوله وامتازوا قبل دخولها ويوم تبرز الجحيم يكون بعد الامتياز، ويوم طلوع الشمس من أيام الدنيا لا من أيام الآخرة، والأمل بعد باق للعاصين، أما يوم ذبح الموت فتنقطع فيه الآمال، ولذلك سمي يوم الحسرة إذ لم يبق أمل لأهل النار بالخروج منها، ولذلك يتحسرون الحسرة إثر الحسرة، وليس بنافع، أجارنا الله تعالى القائل «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها» في ذلك اليوم إذ لا يبقى ملك لملك، بل يكون الملك كله لله، ويرجع الملوك الغاشمون أذلاء خاضعين إليه كآحاد الناس، بل هم أدنى لما يعلمون ما كانوا عليه في الدنيا إلا من رحمه الله منهم «وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ» 40 ملوكهم ومملوكوهم انسهم وجنهم وطيرهم وحيتانهم، ومنهم قومك يا محمد، فيجازى كل بعمله. وقرىء ترجعون بالتاء على الخطاب والأول أولى بنسق الآية،
قال تعالى «وَاذْكُرْ» لقومك يا سيد الرسل «فِي الْكِتابِ» المنزل عليك جدك وجد الأنبياء من قبلك «إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً» كثير الصدق ملازما له في أقواله وأفعاله لم يكذب
قط «نَبِيًّا» 41 مرسلا بدليل قوله بعد (قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ) الآية الآتية، ثم بين قصته مع أبيه فقال «إِذْ قالَ لِأَبِيهِ»
آزر وكان من عبدة الأوثان «يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ»
نداءك إذا استغثت به «وَلا يُبْصِرُ»
شخصك حين تعبده فلا يقدر خضوعك إليه وخشوعك منه «وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً»
من الأشياء البتة «يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ» والمعرفة بالله المستحق للعبادة الذي يجيب دعاء المضطرين ويرى خضوع الخاشعين، يثيب الطائع ويعذّب العاصي. واعلم يا أبت أن الله ربي وربك ورب الخلق أجمع أعطاني شيئا عظيما «ما لَمْ يَأْتِكَ» ولا غيرك شيء منه «فَاتَّبِعْنِي» واترك ما أنت عليه من عبادة الأوثان «أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا» 43 عدلا مستقيما يوصلك إلى النجاة ويخلّصك من الضلال المؤدي بك إلى مهاوي العطب «يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ» وتطيعه فيما يزين لك من زخارف الدنيا ويوسوس في قلبك الانقياد لعبادته ويحبذ لك ما أنت عليه «إِنَّ الشَّيْطانَ» الذي ديدنه الخبث «كانَ» ولم يزل من حين امتناعه من السجود لأبينا آدم صار «لِلرَّحْمنِ» الواجب طاعته على خلقه «عَصِيًّا 44» ومن يعصه أحق أن يعصى ويلعن لا أن يطاع ويعبد، لأن طاعة العاصي عصيان والعاصي جدير بأن تسلب منه نعم ربه انتقاما منه «يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ» إن بقيت مصرّا على عصيانك إياه وعبادة غيره «فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا» 45 يلي أمرك ويتسلط عليك، ومن ولي أمره الشيطان تبرأ الله منه، ومن يتبرأ الله منه فمأواه جهنم. هذا وقد تأدب عليه السلام مع أبيه غاية الأدب وسلك بخطابه طريق الاحترام، واستعمل بدعوته ونصحه نهاية التعظيم، وجامله مجاملة ما عليها من مزيد، حتى إنه لم يسمه باسمه ولم يسمه بالجهل، مع ما هو عليه من الكفر، ولم يصف نفسه بالعلم مع ما هو عليه من النبوة، هضما لنفسه وإكراما لأبيه، واكتفى ببيان أن عنده من العلم ما ليس عند أبيه شيء منه، لشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه أداء لحق الأبوة ورفقا به خوفا عليه من الله، وهذا نهاية ما يطلب من المرشد الحريص على هداية الناس المقدر