الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي الدواهي لأنهم يستعملون هذه الكلمة بمعنى الحرمان إذا سألهم سائل ويقولونه بمعنى الاستعاذة وعند رؤية ما يخاف منه، أي حرام عليك التعرض وقرىء بفتح الحاء وهو الأصل في اللغة إلا أنهم لما خصوه بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول عن معناه الأصلي وهو المنع، ولما تغير لفظه عما هو عليه، فنقل من الفتح إلى الكسر. وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك بضم الحاء، وكل منها جائزة على المعنى المؤدية له.
مطلب ما يؤجر عليه من العمل وما لا يؤجر:
قال تعالى «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ» عظيم عندهم كانوا يرجون ثوابه في الدنيا كصلة رحم، وإقراء ضيف، وإغاثة ملهوف، ورد ظالم ومظالم، ورحمة فقير، ولطف بحقير، واطلاق الأسير دون فدية منّا، وما ضاهاها من الأعمال الحسنة التي جبل عليها العرب قبل الإسلام وازدادت به شرفا ونفوذا على غيرها حسا ومعنى «فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً» 23 ذرا متفرقا بالهواء وهذا كناية عن بطلان ثواب أعمالهم وعدم مكافأتهم عليها مهما كانت طيبة حسنة كثيرة، لأنهم عملوها حال كفرهم مشوبة بالسمعة والرياء والفخر والأنانية ولم تكن حالة الإيمان لتكون خالصة لله تعالى، والله طيب لا يقبل إلا الطيب المخلص من الطيب المخلص، وأصل الهباء ما يرى في الظل فهو شيء وليس بشيء وقد سبقه صدقة الكافر به، لأنها من حيث الحسّ صدقة وعمل صالح محمود، ومن حيث المعنى لا ثواب لها، فكأنها لم تكن، وهكذا كل شيء لم يبتغ به وجه الله، قال صلى الله عليه وسلم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ. ولكن الله الكريم الذي لا يضيع عمل عامل كما جاء في الآية 195 من آل عمران في ج 2 الذي تعهد بالمكافأة على الذرة كما يأتي في سورة الزلزلة في ج 3 قد كافأهم على أعمالهم المذكورة في الدنيا بإطالة أعمارهم وسعة رزقهم ومعافاتهم حتى يلقونه وليس لهم عنده حسنة يرجون ثوابها، كما أن المؤمنين يمحو الله سيئاتهم بمقابل تحملهم الفقر والمرض والذلة في الدنيا حتى يلقوا الله، وليس عليهم سيئة يعاقبون عليها، وله الحمد هذا ما مر لك أيها القارئ الكريم من حال
أهل النار، أجارنا الله منها أمّا «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ» يوم يكون ما يكون من الشر للكافرين في الآخرة فيكون مستقرهم الذي يأوون إليه لتناول ملاذهم، فيقولون إنه «خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا» وأشرف مقرا هذا المكان، فيقيلون به للاستراحة من الراحة لا عن تعب ونصب لأن الجنة لا شيء فيها من ذلك «وَأَحْسَنُ مَقِيلًا» 24 ذلك المكان العالي الشان في تلك الجنان، والقيلولة النوم وسط النهار أو الاضطجاع للراحة نام أو لم ينم، والكلام مسوق لبيان راحتهم على طريق التشبيه بأحوال الدنيا، وإلا فإن الجنة لا نوم فيها ولا تعب والأفضلية هنا للتقريع والتهكم لمن ذكر في الآية قبل من أهل النار كما في قوله تعالى (أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) الآية 15 المارة إذ لا يتصور أن يقال نزل أهل الجنة خير من نزل أهل النار، كما لا يقال العسل أحلى أم الخل مثلا، وقد يكون لمطلق الزيادة قال تعالى «وَ» اذكر يا محمد لقومك وغيرهم «يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ» حقيقة كما هو المستفاد من ظاهر الآية، ولأنها تبدل بغيرها قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات الآية 18 من سورة إبراهيم في ج 2 وقال بعض المفسرين يطلع منها سحاب فيظهر عليها فيتبين للرائي كأنها تنشق به، والأول أولى والله أعلم وأنسب بالنسبة لقوله «وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا» 25 من السماء إلى أرض الوقف ومن الملائكة حملة العرش، قال تعالى «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» الآية 12 من سورة الحاقة في ج 2، مما يدل على انشقاق السماء حقيقة، قال ابن عباس تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا وكذلك حتى تشقق السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على التي قبلها، ثم تتنزّل الكروبيون، ثم حملة العرش، ومن بين الملائكة ملائكة يحملون صحائف أعمال العباد. وفي رواية عن ابن عباس ثم ينزل ربنا جل جلاله في ظلل من الغمام قال تعالى «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» الآية 210 من سورة البقرة في ج 3 ومما يدل على
هذا قوله جل قوله «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ» أي السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا، بحيث لا يزول أبدا ولا يغيب سرمدا هو ثابت «لِلرَّحْمنِ» وحده وهناك يزول ملك كل ملك ولا يبقى إلا ملك المالك الأعظم، فينادي المنادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيب أحد فيقول العظيم الجبار الجليل الغفار الستار «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» الآية 16 من سورة المؤمن في ج 2 فيجيب نفسه بنفسه، وفي اتصافه تعالى بعنوان الرحمانية بشارة لمن مات مؤمنا به ونذارة بعدم
التّهوين على الكافر في قوله «وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً» 26 شديدا عسره بالغا شره، وفيها إيذان بأنه يسير على المؤمنين، إذ خصّ عسره بالكافرين الذين لا تشملهم رحمته المتناهية في ذلك اليوم العظيم المنوه به بقوله «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» حسرة وندامة على ما فاته من عمل الخير في الدنيا لا أعظم منه لأنه يوم الحسرة، والموقف كله يوم واحد ولكنه بالنسبة لطوله ولاختلاف ما يقع فيه من الأهوال التي تشيب الوليد يعد أياما لكل عذاب يوم، ولكل مجادلة يوم، ولكل محاسبة يوم، وذلك تقديري على نسبة أيام الدنيا، وهذه الآية عامة في كل ظالم لنفسه في الدنيا بحرمانه من الإيمان بالله. وقد صرفه بعض المفسرين للظالم المعروف بالظلم الموبق به عقبة بن معيط خليل أمية بن خلف الذي كان أسلم أولا فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا. فارتدّ عن الإيمان، وتابعه على الكفر. وقد جاء بالآية معرفا لتخصيصه به ونزول هذه الآية فيه. ولكن تخصيصها لا يمنع عمومها لكل ظالم كما علمت من أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب «يَقُولُ» في ذلك اليوم العسير «يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ» في الدنيا «مَعَ الرَّسُولِ» محمد صلى الله عليه وسلم «سَبِيلًا» 27 إلى النجاة من هول هذا اليوم، ليتني اتبعته ومت مؤمنا على دينه، فأتخلص من هذا العذاب المحيط بي، ثم طفق يدعو على نفسه بقوله «يا وَيْلَتى» يا هلاكاه على ما سلف من ارتدادي إلى الكفر ومتابعة أمية بن خلف «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً» يريد أمية المذكور على خصوص الآية في عقبة المرتد، وعلى
إطلاقها تشمل كل ظالم ومضل كائنا من كان، لأن خصوص السبب لا يقيد الآيات «خَلِيلًا» 28 مأخوذ من الخلة بضم الخاء بمعنى المودة لأنها تتخلل في النفس وتؤثر فيها تأثير السهم في الرميّة وتأثير الدم في العروق وعليه قوله:
تخللت مسلك الروح مني
…
وبه سمي الخليل خليلا
ثم قال هذا الضال وعزتك يا رب «لَقَدْ أَضَلَّنِي» ذلك المضل «عَنِ الذِّكْرِ» قبول القرآن الذي هو ذكر الله وعن الإيمان به وبمن أنزل عليه «بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» من قبل رسولك واتبعته «وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» 29 يوقع من يطيعه في المهالك ثم يتبرأ منه، وهذا معنى الخذول لأنه يقول يوم القيامة لا تلوموني ولوموا أنفسكم الآية 22 من سورة إبراهيم كما قال في الدنيا لمن خذلهم «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ» الآية 48 من الأنفال في ج 3 وقد سمي خليله شيطانا تشبيها بفعله بجامع الإغواء في كل أو انه نسب الجنوح إلى قول خليله إلى الشيطان إذ ينسب إليه كل فعل قبيح وهو المضل لخليله فكأنما أضله فعلا، وحكم هذه الآية عام في كل خليل أو حبيب اجتمعا في الدنيا على معصية الله فإنها تنقلب إلى عداوة وندامة وحسرة قال تعالى «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» الآية 67 من الزخرف في ج 2 فلينظر أحدكم أيها الناس من يخالل، فإنه يحشر معه، لأنه غالبا يكون على دينه، لأن هذا الذي نزلت فيه هذه الآية بعد أن دخل في الإسلام وتمكن به اغواه صاحبه حتى ردّه عنه فهلكا جميعا قال:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه
…
فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإذا كنت أيها العاقل لا تحب العزلة أو لا تقدر عليها فعليك بصحبة الصادقين، قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» الآية 120 من سورة التوبة في ج 3، ولبحث الصحبة صلة في تفسير الآية المذكورة آنفا من سورة الزخرف، فراجعها. «وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ» وهذا من طريق بعث الشكوى من محمد صلى الله عليه وسلم إلى مولاه على قومه اثر ما شاهد منهم من العتو والطغيان
والأعراض عن إجابة الدعوة ومقول القول «إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ» الذي أنزلته لخيرهم وصلاحهم وأمرتني أن آمرهم به وأنهاهم لمنفعتهم «مَهْجُوراً» 30 متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون بهديه ولا ينظرون لرشده. ومعنى الهجر القول السيء، وذلك أنهم وصموه بالسحر والشعر والكهانة وخرافات الأولين، فجعلوه بمثابة الهجر، وفي هذه الآية تخويف لقريش لأن الأنبياء إذا شكوا أقوامهم إلى ربهم أو شك أن يحلّ بهم عذابه ويكدون أن لا يمهلوا
قال تعالى «وَكَذلِكَ» كما جعلنا لك يا محمد أعداء من قومك «جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ» أمثالهم، وهذا كالتسلية له صلى الله عليه وسلم لئلا يكبر عليه ما جبهه به قومه وليصبر عليهم كما صبر أولئك الرسل على أقوامهم حتى يأتي وعد الله فيهم «وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً» لعباده إلى ما خلقوا له «وَنَصِيراً» 31 لك عليهم. ثم ذكر جل شأنه نوعا آخر من أباطيل المشركين فقال «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ» الذي يدعي إنزاله عليه من ربه «جُمْلَةً واحِدَةً» كالتوراة والإنجيل والزبور المنزلة على من قبله «كَذلِكَ» كمثل ما أنزلنا على من قبلك الكتب جملة واحدة لأنهم يحسنون القراءة والكتابة فلا يعزب عنهم شيء منه ويسهل عليهم تلاوته، وبما أنك أمي فقد جمعنا لك الأمرين فأنزلناه أولا جملة واحدة من اللوح إلى بيت العزّة، ثم أنزلناه عليك مفرقا «لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» فنقرّه به أولا بأول لنعيه وتحفظه، لأنه نظم بديع عظيم، ولو لم نقو قلبك بقوة منا لما قدرت على حفظه لأن القوى البشرية لا تقوى على حفظه دفعة واحدة فضلا عن أنه يتلى عن ظهر الغيب بخلاف الكتب الأخرى فإنّها تتلى بالصحف وحتى الآن لا تجد من يستظهر الإنجيل أو التوراة، وهذا من معجزات القرآن إذ تجد الآلاف تستظهره فضلا عن أن الكتب القديمة لا تضاهيه ولا تحتوي على ما فيه وهو شامل لما كان ويكون مما فيها وفي غيرها من الصحف المنزلة على بقية الأنبياء ومما يحدث بعد إلى يوم القيامة وما يقع فيها من أحوال أهل الجنة والنار وما بعد ذلك، ولهذا ولكونك أمّيّا أنزلناه مفرّقا ليسهل عليك تلقيه وحفظه، وإن
إنزاله هكذا بحسب الحوادث والوقائع أبلغ في النفوس وأوقع بالأسماع «وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا» 32 بيناه تبيانا واضحا بتثبيت وترسّل آية فاية وخمسا فخمسا وسورة فسورة، ولولا هذه الأسباب لأنزلناه عليك جملة واحدة، لان هذا في مصلحتك مما هو موافق لما في علمنا فكنت من حيث الإنزال جملة كمن قبلك ومن حيث إنزاله مفرقا زيادة على غيرك من هؤلاء الكفرة على ربهم الذي لا يسأل عما يفعل وما يفعل إلا لحكمة ومن جهلهم عن مراده يعترضون عليه وليس لهم ذلك لانه ليس من خصائصهم قال تعالى «وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ» من أسئلتهم الواهية وتدخلهم فيما لا يعنيهم وما ليس لهم به علم «إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ» الواضح والجواب القاطع لتبطل به شبههم الباطلة بقول فصل لا محيد عنه ولا مرد له «وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً» 33 بيانا وكشفا لأن برهانك قوي وحجتهم قاصرة ضعيفة وجوابك قاطع، وأسئلتهم لا شأن لها وكلمة تفسيرا لم تكرر في القرآن. ثم ذكر ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة التي يجب أن يسألوا عنها ويعملوا لأجلها لأن مصيرهم إليها فقال «الَّذِينَ يُحْشَرُونَ» سحبا تحقيرا لهم «عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ» وأمثالهم «شَرٌّ مَكاناً» من غيرهم «وَأَضَلُّ سَبِيلًا» 34 أخطأ طريقا، لأن جهنم دركات كل واحدة شرّ من الأخرى وأشد عذابا من التي فوقها، كما أن الجنة درجات وكل درجة أحسن من التي تحتها. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم، قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك. وهذا يحتمل أنهم حينما يسحبون على وجوههم يصيبهم ذلك، ويحتمل أنهم ينكسون نكسا فتكون رؤوسهم التي فيها وجوههم مما يلي الأرض، والأول أولى لموافقته ظاهر القرآن ولهذا البحث صلة بتفسير الآية 97 من سورة الإسراء الآتية. ثم شرع يقصّ على رسوله أخبار من تقدم من الرسل، وما لا قوه من أقوامهم ليهون عليه ما يرى
من قومه تسلية له فقال «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» المعهود وهو التوراة «وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً» 35 معينا له لأن الوزير من يؤازر غيره ويعينه على تنفيذ ما يريده، وإن الشريعة خاصة لموسى بدليل تخصيصه بالكتاب، وهرون تابع له فيها اتباع الوزير لسلطانه، «فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ» القبط الذين يرأسهم فرعون «الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» التسع العظام وغيرها وأرشدهم إلى طريقنا فذهبا، ولم يجد معهم إرشادهما نفعا وكذبوهما «فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً» 36 إهلاكا هائلا
عجيبا لا يدرك كنهه البشر «وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ» قبله وهم إدريس وشيث وأتباعهم المؤمنين ثم كذبوا نوحا أيضا، ولهذا جاء بلفظ الجمع إيذانا بأن من كذب رسولا واحدا فكأنما كذب الرسل كلها، وهو كذلك، ولهذا فلا مقال على مجيء الآية بلفظ الجمع بسبب أن المذكور واحد «أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً» عظيمة ليعتبروا بها هم ومن بعدهم «وَأَعْتَدْنا» هيأنا «لِلظَّالِمِينَ» منهم في الآخرة «عَذاباً أَلِيماً» 37 مبرحا شديدا غير عذاب الدنيا، وإنما وصفه بالأليم لأن عذابه لا يقادر قدره في الشدة، أجارنا الله منه «وَعاداً» قوم هود «وَثَمُودَ» قوم صالح «وَأَصْحابَ الرَّسِّ» قوم شعيب أهلكناهم كلهم لمخالفتهم أو أمرنا وعدم انقيادهم لرسلنا وإصرارهم على الكفر. وقد تقدمت قصصهم في الآية 58 فما بعدها من سورة الأعراف المارة وسيأتي لقصصهم صلة في الآية فما بعدها من سورة هود في ج 2 «وَقُرُوناً» دمرناهم أيضا «بَيْنَ ذلِكَ» بين نوح وشعيب «كَثِيراً» 38 منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص كما سيأتي في الآية 71 من سورة المؤمن في ج 2 أيضا «وَكُلًّا» من الجاحدين والمعاندين المار ذكرهم والآتي، لأن التنوين في كلا للعرض أي لكل منهم «ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ» في إقامة الحجة عليهم من أخبار الأولين «وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً» 39 مزقناهم تمزيقا هائلا يتعجب منه لا تتصوره عقول البشر لعدم إجابتهم الدعوة أيضا «وَلَقَدْ أَتَوْا» أي طائفة من قومك يا محمد «عَلَى الْقَرْيَةِ» التي كانت مسكنا لقوم لوط المسماة سذوما باسم قاضيها
سذوم، وجاء في المثل: أجور من سذوم. أعاذنا الله مما وقع عليها. وإنما ذكر هذه القرية دون غيرها لأنها على طريقهم حين يذهبون إلى الشام وقد مروا بها مرارا كثيرة وتناقلت لهم أخبارها فهي «الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ» بالحجارة النازلة من السماء بعد أن قلبت وجعل أسفلها أعلاها «أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها» أجهلوها ألم يعلموا سبب تدميرها «بَلْ» رأوها وعرفوها وبلغهم ما وقع بأهلها ولكنهم «كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً» 40 بعثا بعد الموت ولا يتوقعون حصوله وجهدهم هذا في إصرارهم على فعل الفحشاء أسّ عنادهم وأصل عتوهم ومنشأ عذابهم وسبب إهلاكهم
«وَإِذا رَأَوْكَ» يا سيد الرسل ما «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» هؤلاء الكفرة «إِلَّا هُزُواً» سخرية ويقولون «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا» 41 استخفافا به قاتلهم الله، نزلت هذه الآية في أبي جهل وأضرابه، إذ كانوا إذا مرّ بهم حضرة الرسول قالوا ذلك الكلام وقالوا أيضا «إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا» وقد قرب وأوشك من تنفيذ مراده بها «لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها» بتحملنا تأنيب محمد وأصحابه وتعريضهم بها وبنا، ولكنا لم نلتفت إليهم، فثبتنا ودمنا على عبادتها، وإلا لصرفنا عنها بما أوتيه من بلاغة وفصاحة ولين جانب، وهذا دليل على فرط مجاهدته صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله، ولهذا هددهم فأنزل فيهم هذه الآية وختمها بقوله «وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» إذا لم يقلعوا عما هم عليه «حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ» ال فيه للجنس، فيشمل عذابي الدنيا والآخرة «مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا» 42 هم أم نحن بل هم حقا حقا يا أكمل الرسل «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» بأن أطاع هوى نفسه فيما يأتي ويذر وأطلق لها العنان فلم يقيدها بقيود الشريعة ولم يصغ إلى نصح الرسل «أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا» 43 تراقبه وتحفظه من عبادة ما يهواه كلا لا تقدر على ذلك «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ» الوعظ والإرشاد سماع قبول «أَوْ يَعْقِلُونَ» معنى ما يذكرون به من الحجج والدلائل كلا «إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ» في عدم الانتفاع بالذكرى، وعدم التدبر والتفكر بالمصير، وعدم
صرف جوارحهم إلى ما خلقت لها «بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» 44 من الأنعام لأنها تهتدي لمرعاها ومأواها وتتقي الحر والبرد، وتصرف الضار من النبات، والنافع والعذاب والمالح والمر من الماء، وتنقاد لمن يتعهدها، وتنفر من غيره، وتسبّح ربها بما ألهمت به من أنواع التسبيح كما سيأتي في الآية 43 من سورة الإسراء الآتية، وهم لا يعقلون شيئا من ذلك، مع علمهم بأن الله خلقهم ورزقهم، ولم ينقادوا إليه، ولم يتبعوا رسله. ونظير هذه الآية، الآية 171 من البقرة في ج 3 من حيث المعنى، ثم طفق يذكر لهم بعض دلائل توحيده فقال عز قوله «أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» وهو ما تنسخه الشمس من طلوعها إلى الزوال والفيء ما ينسخ الشمس من الزوال إلى الغروب، فهو عكسه، وكل منهما متحرك بحركة لطيفة لا تدرك، فهو من قبيل الموجود المعدوم كفلكة المروحة لا تكاد تراها وهي موجودة. قال الإمام الغزالي في تشبيه الدنيا من حيث تلقيها بالظل:
إنه متحرك ساكن، متحرك في الحقيقة ساكن في الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر بل بالبصيرة الباطنة (ص 186 ج 3 في كتاب ذم الدنيا) أي ألم تر أيها الإنسان إلى صنع ربك البديع، إذ ليس المقصود هنا رؤية الله تعالى ذاته، لأن الرؤية هنا بصرية بدليل تعديتها بإلى «وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» ثابتا دائما لا تذهب الشمس، وفي هذا تنبيه على أن لا دخل للأسباب العادية من قرب الشمس إلى الأفق الشرقي على للقول بأن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر والشمس أو ما بين غروبها وطلوعها، أو قيام الشاخص الكثيف على القول بأن المراد مطلق الظل وهو الأولى على ظاهر القرآن، وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة الإلهية وحدها «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» 45 فلولاها لما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» 46 جدا أي أزلناه بعد ما أنشأناه بتسليط الشمس عليه شيئا فشيئا، بصورة محسوسة فعلا غير محسوسة نظرا لدقة السير، ذلك صنع الخالق المبدع من غير عسر عليه دلالة على توحيده، وجاء الخطاب في هذه خاصا كما هو شأن كل خطاب مثله،
بخلاف الخطاب بقوله (أَفَلا يَنْظُرُونَ) فإنه للعام، لأن المراد تقرير رؤيته عليه السلام لكيفية مدّ الظل بينها إلى أن نظره عليه الصلاة والسلام غير مقصود على ما يطالعه من الآيات في آثار الله وصنايعه، بل مطمح أنظاره صلى الله عليه وسلم معرفة شؤون الصانع المجيد، وفي هذه الآية الجليلة إشارة إلى التصوير الشمسي لأن الشمس دالة عليه وتقبضه الآلة الآخذة بسهولة عند مقابلتها لشخص الإنسان، وهذا من أسرار القرآن التي لم يطلع عليها البشر قبل اختراع آلة التصوير، ومن أموره الغيبية التي يطلعنا الله عليها، وكم من أسرار ستظهر بعد للبشر من مكوناته وكان التصوير قبلا بطريق النحت والتجميل، وهذه هي المنهي عنها صنعا واتخاذا. هذا ومن دلائل توحيده قوله عز قوله «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً» غطاء ساترا لكم بظلمته كالثوب يستر لابه فيختفي فيه من أراد الاختفاء عن عيون الناس «وَالنَّوْمَ سُباتاً» لأجل الراحة لا عمل فيه للقوى الحيوانية «وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً» 47 ينتشر فيه الناس لمصالحهم ابتغاء فضل الله، ويطلق النشور على الانبعاث من الموت، كما يطلق على اليقظة من النوم، وكذلك السبات يطلق على الموت لأن النوم أحد التوفيتين الواردة في قوله تعالى «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ» الآية 42 من سورة لزمر قال لقمان لابنه: كما تنام توقظ كذلك تموت فتنشر. وهذا مما اتفقت عليه عامة أهل الكتب السماوية كوجود الآله والاعتراف بالرسل، وأنكره من لا دين له كالدهرية. ومن دلائل توحيده قوله جل قوله «وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً» لعباده بنزول الغيث ولهذا فأن الإبرة المخصوصة الدالة على تقلبات الجو المسمات (بارومتر) وتشير إلى وقوع المطر خلال أربع وعشرين ساعة بسبب هذه الرياح، وقد يقع خلالها إذا لم يتغير الجو فتبشر بها الناس. وقريء نشرا بالنون أي ناشرات السحاب وباعثات له، لأنها تجمعه لا من النشر بمعنى التفريق، لأنه غير مناسب للمعنى، إلا أن يراد به معنى السوق مجازا، ولا محل هنا للمجاز، فأصبحت الحقيقة «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» أي قدام المطر على طريق الاستعارة، بجامع الخير الكثير والنفع العام في كل من
رحمته وغيثه استعارة مليحة لأنه ريح فسحاب فمطر «وَأَنْزَلْنا» بعد إنزال وإثارة الغمام «مِنَ السَّماءِ» الجهة العلوية وكل ما علاك فأظلك فهو سماء «ماءً طَهُوراً» 48 في نفسه مطهرا لغيره «لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً» أرضا لا نبات فيها، وتطلق البلدة على الأرض وعليه قوله:
أنيخت فألفت بلدة بعد بلدة
…
قليل بها الأصوات إلا بغامها
أي خباؤها، راجع تفسير الآيتين 57، 58 من سورة الأعراف المارة، والآية العاشرة من سورة طه الآتية. قال تعالى «وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً» 49 من أهل البوادي والقرى وغيرهم، وأهل البوادي أحوج من غيرهم إليه، لأن القرى والأمصار لا تكون إلا على الماء غالبا من نهر أو عين أو مسبح أو بئر أو صهاريج وأناسيّ جمع أنيسي مثل كرسي وكراسي، وما قيل إنه جمع إنسان أو جمع ناس فغير وجيه، وقال سيبويه إنه جمع إنسان وعلله بأن أصله أناسين، فقلبت نونه ياء وأدغمت فيما قبلها. وقال صاحب الخازن جمع ناسي.
وقري ونسقيه بفتح النون. وسقى وأسقى لغتان وما جرينا عليه أوجه «وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ» على أنحاء وأوقات مختلفة، وهذا معنى التصريف واللام في لقد للقسم، والمعنى وعزّتي وجلالي لقد قسمنا مياه الأمطار «بَيْنَهُمْ» أي الناس بحسب الحاجة على البلدان المتغايرة والأوقات المختلفة والصفات المتفاوتة، راجع الآية 27 من سورة السجدة في ج 2 «لِيَذَّكَّرُوا» في قدرتنا كيف نرسله إلى محل دون آخر ووقت دون وقت، مرة وابلا وأخرى طلا أي مطرا شديدا وخفيفا وطورا ديمة يداوم أياما، وتارة طشا متقطعا كالمزن أو متصلا، وأوانا رذاذا، على مقتضى الحال والحاجة المحل الذي ينزل فيه، ومع هذا «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً» 50 بنعمنا المترادفة عليهم، وعدم التذكر بآلاءنا ولم يكتفوا بذلك حتى أسندوه إلى مخلوقاتنا، إذ يقولون مطرنا بنوء كذا، روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهمي أنه قال قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في اثر سماء من الليل، فلما انصرف أي سلّم أقبل على الناس فقال