الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِحَمْدِهِ»
ليزيدك من أفضاله «وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ» ما ظهر منها وما بطن وما كان منها عن قصد أو خطأ أو إكراه أو رغبة «خَبِيراً» 58 بها لأن الخبرة معرفة بواطن الأمور ومن علم البواطن فهو في علم الظواهر أعلم. وفي هذه الآية وعيد وتهديد فكأنه جل جلاله يقول: إذا خالفتم أمري يكفيكم علمي بما تستحقونه من العقوبة إذ لا يخفى عليّ شيء مما تفعلون أو تتصورون.
مطلب الأيام الستة ومعنى فاسأل به خبيرا:
واعلموا أن ذلك الإله العظيم القادر هو «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» زمانية بحسب تقديركم أيها الناس، والقصد من خلقها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة هو أنه جعل لكل شيء حدا محدودا لا يتعداه، فلا يدخل شيء من مخلوقاته في الوجود إلّا بالوقت الذي قدره لدخوله فيه، ولفائدة أخرى هي تعليم عبادة التؤدة والتريث في الأمور والتأني بفعلها.
قال عليه الصلاة والسلام: التأني من الله والعجلة من الشيطان. ولفائدة ثالثة وهي أن الشيء إذا فعل دفعة واحدة ظن وقوعه اتفاقيا، وإذا حدث شيئا فشيئا على سبيل المصلحة والحكمة كان أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة. والقول الفصل في هذا وغيره مما هو من شأن الله أن أفعال الله لا تعلل، اقرأ قوله جل قوله (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) الآية 23 من سورة الأنبياء في ج 2، ولا شك أن الله تعالى قادر على إبادة هذا الكون بما فيه علوه وسفله وإنشائه كما كان أو على شكل آخر في لحظة واحدة، لأن أمره بذلك عبارة عن كن، قال تعالى:(وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) الآية 50 من سورة القمر المارة، راجع الآية 82 من سورة يس، والآية 54 من سورة الأعراف المارتين، وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية 9 من من سورة فصلت في ج 2، «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» استواء يليق بذاته ويراد به الاستيلاء والله أعلم «الرَّحْمنُ» بالرفع بدلا من ضمير استوى «فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً» 59 بكل ما خطر ببالك وما لم يخطر، قال تعالى (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) الآية 14 من سورة فاطر الآتية، قيل الخبير هنا هو جبريل عليه السلام
أو من له علم في الكتب القديمة، وعلى هذا يعود ضميريه إلى الرحمن ويكون المعنى اسأل رسولي أو من له خبرة بما أنزلته من كتاب يعلمك أفعالي بمن كذب الرسل وصدقهم، والأول أولى وأحسن، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أولى بمن يسأل ربه وهو أعلم بربه من غيره، راجع الآية 40 من سورة النحل الآتية، واعلم أن فعل سأل يتعدى بعن إذا ضمن معنى التفتيش، ويتعدى بالياء إذا ضمن معنى الاعتناء، ويتعدى بإلى إذا ضمن معنى الطلب، وإذا كان كذلك فلا حاجة للجري على القول بأن الباء هنا بمعنى عن لأن لك أن تجعلها بمعنى من وإلى أيضا، وغير خاف عليك أن حروف الجر تخلف بعضها كما سننوه به في الآية 71 من سورة طه الآتية، قال علقمة بن عبيدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني
…
خبير بأدواء النساء طبيب
فقد ضمن الباء هنا معنى عن، وأمثاله كثير في القرآن والحديث والضمير راجع إلى الرحمن كما ذكرنا، وقيل يعود إلى ما ذكر من الخلق الاستواء، والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيله فاسأل عليما به معتنيا بصيرا عظيم الشان محيطا بظواهر الأمور وخوافيها، عارفا بها، يخبرك بقدرته، ومن هذا الخبير الذي يسأله محمد صلى الله عليه وسلم غير ربه جلّ وعلا؟ أي كأنه يقول له اسألني أخبرك لأن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق، والنسق الرائق، بتدبير متين، وترتيب مبين، في أوقات معينة مع كمال الإبداع، لجدير بالإخبار عن ماهيتها وبيان ما أودع فيها من حكم جميلة وغايات نبيلة لا تقف على تفاصيلها العقول، وهو أحق أن يسأل لأنه هو وحده القادر على خلقها دفعة واحدة في أقل من لحظة، وهو جدير بأن يطلعك على جليلة أمرها ووضوح حقائقها لا غير، قال تعالى «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ» لا نعرفه يا محمد من هو، وإنما نعرف رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، وهذا كقول فرعون لموسى (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) الآية 23 من سورة الشعراء الآتية، صدق الله بقوله (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية 118 من البقرة في ج 3، لأن ردّ الكفرة للأنبياء من لدن نوح إلى محمد جاء