المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب ذكر الليالي دون الأيام: - بيان المعاني - جـ ٢

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الثاني]

- ‌تفسير سورة الجن عدد 40- 72

- ‌مطلب رواية الجن ورمي النجوم:

- ‌مطلب في كرامات الأولياء وعمر رضي الله عنه:

- ‌تفسير سورة يس عدد 41- 36

- ‌مطلب فيما بكتب من آثار الخلق:

- ‌مطلب قصة رسل عيسى عليه السلام:

- ‌مطلب في انسلاخ الأنفس:

- ‌مطلب منازل الكواكب وكيفية جريانها:

- ‌مطلب في النفختين والذي لا يبلى من البشر:

- ‌مطلب تحية الله لعباده وتوبيخ المجرمين:

- ‌مطلب أوزان الشعر ومخالفة القرآن لها:

- ‌مطلب آيات الصفات ونعمة إذلال الحيوانات:

- ‌مطلب تفنيد من كفر القارئ انا بالفتح:

- ‌مطلب خلق النار من الشجر وكيفية أمر الله:

- ‌تفسير سورة الفرقان عدد 42- 25

- ‌مطلب اجتماع أشراف قريش مع حضرة الرسول

- ‌مطلب لمعة من أسباب النزول:

- ‌مطلب استعمال من لمن لا يعقل وما لمن يعقل وبراءة المعبودين من العابدين:

- ‌مطلب ما يؤجر عليه من العمل وما لا يؤجر:

- ‌مطلب بيان البرزخ بين العذب والمالح:

- ‌مطلب الأيام الستة ومعنى فاسأل به خبيرا:

- ‌مطلب البروج وأقسامها وما يتعلق بقضاء الورد:

- ‌مطلب إحياء الليل والآيات المدنيات وكلمات لغوية:

- ‌مطلب تبديل الحسنات بالسيئات وشهادة الزور:

- ‌مطلب قرة العين وسخنها والذرية:

- ‌تفسير سورة فاطر عدد 43- 35

- ‌مطلب جواز إضمار الموصول ولا مجال في طلب الرزق:

- ‌مطلب أصل الهدى والضلال من الله تعالى:

- ‌مطلب الفرق بين ميّت وميت وأن العزة من الله:

- ‌مطلب لكل حظّه من خلق آدم وأن العمر يزيد وينقص:

- ‌مطلب في إسماع الموتى:

- ‌مطلب عدم انقطاع آثار الأنبياء وعدم تكفير فاعل الكبيرة:

- ‌مطلب خشية الله تعالى:

- ‌مطلب نذر الموت ومعنى الغيب:

- ‌مطلب الأرض عائمة كالسماء:

- ‌تفسير سورة مريم عدد 44- 19

- ‌مطلب في الأسماء وما يستحب منها ويجوز ويحرم:

- ‌مطلب ذكر الليالي دون الأيام:

- ‌مطلب وصية عيسى عليه السلام وما يقوله فيه قومه:

- ‌مطلب يوم الحسرة وذبح الموت:

- ‌طلب الفرق بين نور الإيمان وظلمة الكفر في خطاب ابراهيم وجواب أبيه:

- ‌مطلب في انجاز الوعد وبحث بالوعيد:

- ‌مطلب أول من اخترع المهن وقصة إدريس عليه السلام:

- ‌مطلب في السجود وما يقول فيه وكلمة خلف:

- ‌مطلب في الأكل المسنون وإرث الجنة:

- ‌مطلب معنى الورود وأن مرتكب الكبيرة لا يخلد بالنار:

- ‌مطلب آخر الناس خروجا من النار وآخرهم دخولا في الجنة:

- ‌مطلب تبرأ المعبودين من العابدين وأصناف الحشر:

- ‌مطلب الشفاعة ومحبة الله:

- ‌تفسير سورة طه 45- 20

- ‌مطلب العرش ومعنى الاستيلاء عليه:

- ‌مطلب فوائد تكرار القصص:

- ‌مطلب جواب إمام الحرمين عن المكان ورفع الأيدي إلى السماء:

- ‌مطلب فضل الصلاة الفائتة:

- ‌مطلب عصا موسى وإعطاء محمد من نوع ما حدث للرسل وأعظم:

- ‌مطلب الوزير والوزر دائرة بلطف الله بموسى واجابة مطالبه:

- ‌مطلب لا صحة لما ورد من أن الله لم ينبىء نبيا إلا بعد الأربعين:

- ‌مطلب لكل نفس حظ من نشأة آدم، وقبر الإنسان من محل الذرة التي خلق منها:

- ‌مطلب معجزات موسى وأدب الرسل مع أقوامهم:

- ‌مطلب قوة الإيمان وثمرته:

- ‌مطلب من اين عرف جبريل السامري:

- ‌مطلب في عصمة الأنبياء ووقتها فيهم:

- ‌مطلب الاحتجاج على الله ورده:

- ‌تفسير سورة الواقعة عدد 46- 56

- ‌مطلب معنى المخلدين ومصير أولاد المشركين وآداب الأكل:

- ‌مطلب نساء أهل الجنة والذين يدخلونها بغير حساب:

- ‌مطلب صحة العطف على الضمير من غير تأكيد:

- ‌مطلب مس المصحف والحديث المرسل والموصول:

- ‌مطلب الفرق بين علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين:

- ‌تفسير سورة الشعراء عدد 47- 26

- ‌مطلب الحكمة من قوله تعالى (تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) :

- ‌مطلب في السحر وكيفية إهلاك قوم فرعون:

- ‌مطلب انفلاق البحر وأخلاق موسى عليه السلام وان كل آية لقوم هي آية لأمة محمد عليه السلام:

- ‌مطلب إيمان المقلد والفرق بين الوثن والصنم:

- ‌مطلب أكثر الموت من الأكل والشرب والحر والقر ومحبة الذكر الحسن:

- ‌مطلب عدم المغفرة للمشرك وعدم نفع المال والولد مع الكفر:

- ‌مطلب ما يقال في مواقف القيامة وعدم جواز أخذ الأجرة على الأمور الدينية:

- ‌مطلب لا تضرّ خسّة الصنعة مع الإيمان ولا يكفي النسب بلا تقوى:

- ‌مطلب في إيمان اليأس والتأدب بآداب القرآن وآداب المنزل عليه:

- ‌مطلب ما قيل إن في القرآن لغات أجنبية لا صحة له وهي هذه كلها:

- ‌مطلب الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وتخصيص القلب بنزوله وماهية المنزل عليه:

- ‌مطلب لا تجوز القراءة بغير العربية الا إذا كانت دعاء أو تنزيها:

- ‌مطلب أن الأقارب أولى من غيرهم في كل شيء:

- ‌مطلب في الشعر مليحه من قبيحه والآيات المدنيات:

- ‌مطلب ما نسب من الشعر للخلفاء والأئمة وعهد ابي بكر:

- ‌تفسير سورة النمل 48- 27

- ‌مطلب بدء نبوة موسى وكيفية تكليمه:

- ‌مطلب أن الله تعالى خص الأنبياء بأشياء خاصة لأمور خاصة:

- ‌مطلب قصة ابن كثير مع جاره وعظمة ملك سليمان وكلام الطيور:

- ‌مطلب الصفات الممدوحة بالملك وحكم وأمثال:

- ‌تفسير سورة القصص عدد 49- 28

- ‌تفسير سورة الاسراء عدد 50- 17

الفصل: ‌مطلب ذكر الليالي دون الأيام:

في القراءات عدم الزيادة والنقص والتغيير كما أوضحناه في بحث القراءة في المقدمة وفي مواقع أخر ستمر عليك «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً» على حمل زوجتي بما بشرتني به «قالَ آيَتُكَ» على ذلك «أَلَّا» تستطيع ولا تقدر بحسب الطبع أن «تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا» 10 كاملات متتابعات، وجاء في آل عمران (ثلاثة أيام) الآية 41 في ج 3 وعدم استطاعتك على تكليم الناس خلال هذه المدة من غير بأس فيك كخرس أو مرض أو غيره حال كونك سوى الخلق سليم الجوارح. روى عن أبي زيد أنه لما حملت زوجته عليه السلام أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا مع أنه يقرأ التوراة، حتى إنه إذا أراد مناداة أحد لم يطق.

‌مطلب ذكر الليالي دون الأيام:

وكلمة سويا تفيد معنى آخر وهو ما ذكرناه من أن الليالي مع أيامها كاملات والعرب تتجوز أي تكتفي بذكر أحدهما عن الآخر ولهذا جاء هنا ليالي وفي آل عمران أيام، والنكتة في ذكر الليالي هنا والأيام هناك، أن هذه السورة مكّيّة سابقة النزول، وتلك مدنية متأخرة النزول، والليالي عندهم سابقات الأيام لأن شهورهم وسنيهم قمرية تعرف بالأهلّة، ولذلك اعتبروها بالتاريخ. وقال تعالى (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) الآية 60 من سورة يس المارة، فأعطى السابق للسابق، لأن هذه الآية تفيد أن الليل لا يسبق النهار من جهة لحوقه به وعدم إدراك أحدهما الآخر، إذ يقول في صدر الآية (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) فلا حجة في الآية على نفي ذلك، لأنه متعارف مشهور حتى إنك تقول ليلة كذا ولا تقول نهار كذا، وتريد فيه الليل الذي يليه بخلاف ذلك. والليالي جمع ليل على غير قياس كأهل وأهالي، أو جمع ليلاة وتجمع على لياليل.

قال تعالى «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ» موضع خلوته وتعبده «فَأَوْحى إِلَيْهِمْ» أشار إليهم بأصابعه لعدم قدرته على تكليمهم وقيل كتب لهم ذلك إذا

ص: 141

يطلق الوحي على الكتابة عند العرب قال عنترة:

كوحي صحائف من عهد كسرى

فأهداها لأعجم طمطميس

وقد فسر ما أشار به إليهم بقوله «أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» 11 أي نزهوا ربكم عما هو من شأن كافة الحوادث صباح مساء، ففعلوا، قالوا فكان الحمل وكانت الولادة عند تمام مدتها، وقال تعالى مخاطبا لذلك المولود المبارك عند ولادته «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ» التوراة، لأنه لم ينزل بعد موسى كتاب فيه أحكام غيرها، أما الزبور الذي أنزل على داود فيه أذكار وأمثال، وأما الإنجيل فلم ينزل بعد حيث أنزل على ابن خالته عيسى عليه السلام الذي بعده بستة أشهر، أي خذه أخذا «بِقُوَّةٍ» جد وحزم وعزم، واجتهد أن تعمل به وتأمر قومك بالعمل به، قال تعالى «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» 12 أي النبوة التي لم تعط لمثله قبله قط ولا بعده إلا لعيسى عليه السلام، لانها مبنية على خرق العادة، ولله أن يعطيها من يشاء من خلّص من عباده بمحض الفضل، فإذا ثبت هذا وهو ثابت محقق فلا يمنع صيرورة الصبي نبيا لان نبوته على صغره أمر خارق للعادة أيضا ولا شك أن الله تعالى أحكم عقله وأهله لوحيه. روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك إنه أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين. وجاء في رواية أخرى عنه مرفوعا أنه قال قال العلمان ليحيى بن زكريا عليهما السلام اذهب بنا نلعب، فقال اللّعب خلقنا؟ اذهبوا نصلي فهو قوله تعالى (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) وأكثر المفسرين على أن الحكم الذي أعطاه الله إياه هو النبوة، وما ذكر أنه الفهم بسبب قراءته التوراة وهو صغير مستدلا يقول بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فقد أوتي الحكم، ليس بشيء. قال تعالى «وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا» أعطيناه أيضا رحمة ورأفة وشفقة على أبويه وغيرهما، لأنه نبي مرسل وهذه الصفات من مقتضيات النبوّة. قال الحطيئة يخاطب عمر رضي الله عنه

تحنن عليّ هداك المليك

فإن لكل مقام مقالا

أي ترحم. ويطلق الحنان على الله جل شأنه، ولا وجه لمن منع إطلاقه عليه

ص: 142

لوروده في بعض أدعيته صلى الله عليه وسلم حتى عده بعضهم في الأسماء الحسنى، ولكنه بالتشديد ليس بالتخفيف كما هنا ليدل على التكثير وبعضهم لم يعده قال المنذر بن درهم الكلبي

وأحدث عهد من أمينة نظرة

على جانب العلياء إذ أنا واقف

تقول حنان ما أتى بك هاهنا

أذو نسب، أم أنت بالحي عارف

وقال طرفة:

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا

حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض

فكل هذا مما يؤيد أن الحنان بالتخفيف بمعنى الرحمة، وقيل مأخوذ في الأصل من حنّ بالتشديد بمعنى اشتاق وارتاح «وَزَكاةً» أعطيناه أيضا طهارة من مقارفة الذنوب ومقاربة العيوب، وقيل بركة، أي جعلناه نفاعا مباركا معلما للخير.

وجاء في الإنجيل ما لفظه مبارك من الرب وخمرا ومسكرا لا يشرب. وفيه يقول السيد عيسى عليه السلام لم يقم أحد من بين المولودين أعظم من يوحنّا المعمدان.

ويحيى عليه السلام المعمدان لأنه كان يعمد الذين يسلمون على يده وأولادهم بأن يأمرهم بالاغتسال. وهو عمّد أي غسل السيد عيسى عليهما السلام. والتعميد بمعنى التغسيل لعة متعارفة عند النصارى «وَكانَ تَقِيًّا» 13 مطيعا مخلصا متجنبا كل ما يلهي عن الله، وهذه الصفات التي أخبر الله بها تؤيد تشريفه بالنبوة حال صباه، لانه لا يتحلى بها إلا الكاملون «وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ»

لأنه علم بتعليم الله إياه أن لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من برّ الوالدين. قال تعالى (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الآية 21 من سورة الإسراء الآتية، ثم نفى الله عنه ما قاله بعض قومه أنه خرج على غير طريقهم تجبرا عليهم وعصيانا لهم، فقال جل قوله «وَلَمْ يَكُنْ»

ممن تحلى بهذه الصفات الحميدة الجليلة «جَبَّاراً عَصِيًّا»

14 بل كان متواضعا لين الجانب سهل المأخذ يسر المخاطبة كثير الطاعة لوالديه، لأن نفي الصنفين الكائنين بلفظ المبالغة يثبت عكسهما له عليه السلام بلفظ المبالغة أيضا «وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»

15 وهذا كله باق دائم له من جانب ربه في أحواله

ص: 143

الثلاث المهمة، أي أنه لم ينله الشيطان يوم ولادته، وإنه يحميه من فتاني القبر إذا مات، ومن الفزع الأكبر والعذاب حين ينشر من قبره، وهذه المواطن الثلاث أوحش ما يلاقيه الإنسان، يوم يولد يرى نفسه خارجا مكرها من مقره فيسقط باكيا، ويوم الموت يرى من الأشباح والآلام ما ترتعد له الفرائص وترتج لهوله القلوب، ويوم البعث يرى مشهدا لا يوصف ما فيه من الشدة والكرب، راجع تفسير الآية الأولى من سورة الحج في ج 3، وهذه البشارة الواردة في القرآن العظيم خصّت به وبالسيد عيسى عليهما السلام، ولا أعظم منها بشارة «وَاذْكُرْ»

يا محمد لقومك وغيرهم قصة مريم بعد قصة يحيى العجيبتين «فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ»

بنت عمران التي قصتها أعجب من قصة ابن أختها يحيى «إِذِ انْتَبَذَتْ»

اعتزلت وتنحت، وأصل النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، أي أنها لم تبال بنفسها حيث انفردت وتباعدت «مِنْ أَهْلِها»

ومن الناس أجمع «مَكاناً شَرْقِيًّا»

16 من دار أهلها وقريتها لتغتسل وتتخلى للعبادة، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض، ويؤيد هذا القيل معنى قوله تعالى «فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً»

ساترا لها لئلا يراها أحد حين اغتسالها على القول بأن ابتعادها لهذه الغاية، أو حائطا أو جبلا على القول بأن اعتزالها كان لمحض العبادة، ولكن لفظ الاتخاذ يؤيد الأول ويؤكده قوله تعالى «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا»

جبريل عليه السلام، وإنما سمي روحا لأن الدين يوحى به، لأنه واسطة الوحي وتبليغه للرسل، والإضافة للتشريف، أو لأنه محبوب الله ومقربه وأمين وحيه، كما تقول لحبيبك أنت روحي لفرط محبتك له، وقرىء روحنا بفتح الراء، وإنما سمي به لانه سبب الروح للعبادة، ولأنه من جملة المقرّبين الموعودين بالروح في قوله تعالى:(فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) الآية 40 من سورة الواقعة الآتية، وقرىء روحنّا بتشديد النون اسم ملك، وليست بشيء، ولا وجه لمن قال إن المراد بروحنا عيسى عليه السلام محتجا بقوله تعالى (وَرُوحٌ مِنْهُ) الآية 170 من سورة النساء في ج 3، لأنه لم يكن بعد فكيف يرسله، وينافيه قوله تعالى «فَتَمَثَّلَ لَها»

ذلك الملك

ص: 144

المسمى بالروح فكيف يتصور أنه عيسى ولم يخلق بعد؟ وما قيل إن ضمير تمثل يعود إلى ملك غير مذكور يأباه سياق النظم الكريم، فكان عليه السلام حينما تمثل لها «بَشَراً سَوِيًّا»

17 كامل الخلق لئلا تنفر منه ولتستأنس بكلامه، لأنه لو جاءها بصورته الحقيقة لما استطاعت النظر إليه لما أعطاه الله من بداعة الخلق والهيبة والصفة العجيبة- راجع تفسير الآية 21 من سورة التكوير المارة- وما قيل إنه تمثل لها بصورة البشر لتهيج شهوتها قيل خاطئ تتنزه عنه السيدة مريم ويكذبه قولها حين رأته أقبل عليها وهو «قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا»

18 تخاف الله فتباعد عني ولا تقربني، فهذا شاهد عدل على أنه لم يخطر ببالها شائبة ميل ما البتة، وقولها هذا غاية في كمال عفتها ونزاهتها عليها السلام، مع أنه إذ ذاك كان غير محذور اختلاط النساء بالرجال ومكالمتهم فلا مانع ولا شبهة فيه، ولم يحرم النظر على الأجنبية إلا زمن عيسى عليه السلام، كما جاء في الاصحاح 5 من إنجيل متى، وسنبينه في تفسير الآية

29 من سورة النور في ج 3 إن شاء الله.

أما الحجاب فلا ذكر له قبل عهد المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ديانة وإن كان يستعمله أكابر الناس قبلا كما سنبينه في تفسير الآية 58 من سورة الأحزاب في ج 3 أيضا إن شاء الله بصورة كافية شافية. وما قيل إن (تقيا) اسم رجل شقي معروف عندهم في ذلك الزمن أو رجل صالح كيوسف النجار فغير صحيح، وهو من مخترعات القصاص وأخبار الأخباريين وأكاذيبهم، لأن الأول لا يجرؤ على الوصول لبنات الأنبياء والأعاظم كمريم عليها السلام، والثاني مشهور بالعفة يمنعه دينه من الوصول إليها وغيرها. فأجابها جبريل عليه السلام «قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ»

ليس ممن يتوقع منه الشرّ الذي توهمينه حتى تستجيري بربك مني لأني رسول الذي استجرت به واستعذت أمرني أن آتيك «لِأَهَبَ لَكِ»

بإذنه تعالى الذي أرسلني إليك، إذ أمرني أن أنفخ في جيبك ليكون هذا النفخ سببا في حصول الولد الذي سيكون «غُلاماً زَكِيًّا»

19 طاهرا نقيا فطنا. وأسند ضمير أهب لنفسه، لأن الله أرسله بذلك، وفعل الرسول ينسب إلى المرسل «قالَتْ» متعجبة مما سمعته «أَنَّى

ص: 145

يَكُونُ لِي غُلامٌ»

كيف يتصور ذلك «وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا» 20 لأن الولد لا يكون إلا بنكاح أو سفاح، وكلاهما لم يكن، وهذا استفهام تعجب. وهناك أي استفهام زكريا المار في الآية 8 استفهام استطلاع عن الكيفية والتذاذ بسماع الجواب السّار

«قالَ كَذلِكِ» إن الأمر كما ذكرت لك، ولا أعلم غير ما أمرت به. ولكن «قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ» وإن كان مستحيلا عادة إتيان الولد من غير مس، لأن الله تعالى يأتي بالمستحيل من غير حاجة إلى الأسباب ألا تعلمين أنه خلق آدم من لا شيء وخلق حواء منه، فالذي يخلق من غير أم وأب ومن غير أم ألا يقدر أن يخلق من غير أب وهو الفعال لما يريد؟ بلى يسهل عليه ذلك، ثم قال لها وإن ربك قال «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ» كما جعلنا آدم وحواء قبله آيتين للخلق في زمنهما من الملائكة والجنّ، كذلك نجعل الولد الذي سيكون منك آية لهم دالة على قدرة ربك البالغة «وَرَحْمَةً مِنَّا» لمن يؤمن به ويتبعه «وَكانَ» ابنك هذا مكتوبا في أزل ربك بأنه يكون من هذه النفخة بأمره «أَمْراً مَقْضِيًّا» 21 محكما مبرما لا يبدل ولا يرد. فلما سمعت هذا وعرفته أنه من الله سكتت، فتقدم جبريل عليه السلام وأخذ درعها من الأرض ورفعه فنفخ فيه وأعطاه إياها، فلبسته بعد أن اطمأنت إليه «فَحَمَلَتْهُ» أحست بحمله حالا، ولما بدأ حملها خافت أن يعرف الناس ذلك وهي مشهورة بالعفّة والطهارة ومن بيتهما، وعرفت أنها إذا قالت من الله بواسطة الملك لا يصدقونها، فصمّمت على الخروج من القرية لترى ما يرى الله لها «فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا» 22 بعيدا عن قربتها وأهلها لئلا يعيروها، والباء في (به) للمصاحبة والملابسة لأنه في بطنها كقوله تعالى (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) الآية 22 من سورة المؤمنين في ج 2، وعليه قول المتنبي في وصف الخيل:

فمرت غير ناظرة عليهم

تدوس الجماجم والرؤوسا

أي اعتزلتهم «فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» الجأها أو فاجأها وجع الولادة المسمى طلقا بعرفتا «إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ» الكائن في بيت لحم في فلسطين وهو يبعد

ص: 146

عن قريتها الناصرة بأربعة مراحل تقريبا، ولذلك وصفته بالبعد في الآية لانه في ذلك الزمن يعد بعدا بعيدا، وكان الجذع بالبرية على مستوى من أرض بيت لحم يابسا، فاستندت إليه وتمسكت به عند شدة الطلق، ولما رأت وحدتها وما حل بها وتفكرت بما سيصمها به قومها «قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا» الأمر الذي حل بي الذي سيصيبني منه ما يصيبني «وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا» 23 لم أذكر ولم أولد، فولدته عند ذلك، وقد سمع كلامها «فَناداها مِنْ تَحْتِها» قائلا لها يا أماه «لا تَحْزَنِي» على وحدتك وما سيتفوه به الناس فيك، وافرحي «قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» 24 عبدا شريفا رفيعا سيدا كريما، ومن تأت بمثل هذا ينبغي لها أن تفرح لا أن تحزن. وقال بعض المفسرين إن (سريا) جدول ماء جار هناك بمحل الولادة، ومعنى لا تحزني على الطعام والشراب معتدلا بالآية 25 الآتية وهو بغير محله، ولا طائل تحته، إذ يبعد على مثلها أن تحزن على الطعام والشراب.

وأما الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه عن البراء من أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السريّ، فقال هو الجدول، وذكره البخاري تعليقا موقوفا عليه، فلم يصح، وإذ لم يصح لا يتخذ حجة لأن الدليل إذا طرقه الاحتمال أفقده الاستدلال وأسقط حجيته، وإن اطلاق السريّ على جدول الماء الجاري من حيث اللغة صحيح معروف، وجاء في قول لبيد:

فتوسطا عرض السريّ فصدعا

مسجودة متجاوزا قلامها

يصف عيرا وأتانا. وأنشد ابن عباس:

سهل الخليقة ماجد ذو نائل

مثل السري تمده الأنهار

إلا أنه غير مراد هنا وأراه غير موافق للواقع أيضا، إذ لا يوجد هناك في بيت لحم نهر جار البتة لا في محل الولادة ولا في غيرها، بل يوجد آبار ولعلها كانت قريبة التناول، وكانت عينّا معينا. أما ما جاء في الآية 50 من سورة المؤمنين في ج 2 وهي قوله تعالى (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ) فهو غير مراد هنا بل هو في محل هجرة عيسى عليه السلام مع أمه كما سيأتي توضيحه هناك،

ص: 147

حتى إن محل الولادة لا يوجد فيه ربوة وإنها الآن ينزل إليها بدرج تحت الأرض وقد شاهدته بعيني سنة 1935 في شهر مايس عند زيارتي للقدس الشريف والخليل، وذلك المحل المبارك. وعلى هذا والله أعلم أنه لم يرد ذلك المعنى بالسريّ، وإنما معناه ما ذكرناه وهو الموافق للسياق والسباق. وإن استعمال السريّ بمعنى السيد الكريم هو من فصيح الكلام كما أن عود الضمير في ناداها إلى السيد عيسى كما جرينا عليه أوفق وأنسب للمعنى من قول إنه يعود إلى جبريل، لأن نطقه حال ولادته من معجزاته التي جاوبها، وعلى هذا جهابذة المفسرين كالحسن وابن زيد وأبي حيان والجبائي ومجاهد ووهب وابن جبير وابن جرير، ونقله الطبرسي عن الحسن يؤيده قراءة الأبوين والابنين عاصم والجحدري «من» بفتح الميم أي الذي تحتها، وروى أن الحسن وابن عباس قرأ كذلك، وفي الأسئلة النجمية كذلك أيضا، ومن قال على هذه القراءة يراد به جبريل لأنه كان تحت الرّبوة التي ولدت عليها لا دليل له على ذلك، ولا يساعده نظم التنزيل وظاهره ولا يعدل عن الظاهر إلا لأمر قسريّ، ولا يوجد، وأضعف من هذا قولهم إنه كان عليه السلام تحتها يتلقى الولد، وهذا مما لا يليق بجنابه وأمانته على وحي ربه، وعفتها وطهارتها، ومما يتأدب عنه وعن القول به كل تقي، هذا، واختلف في سنّها عند الحمل وفي مدة الحمل وزمنه أيضا على أقوال، فقيل إن سنها كان يتراوح بين العشر سنين وخمس عشرة ومدة حملها ما بين ساعة وتسعة أشهر، والمشهور أنها ثمانية، لهذا قالوا لم يعش مولود على رأس الثمانية أشهر غير عيسى عليه السلام، وذلك أن جملة المنجمين يزعمون أن النطفة تقبل البرودة في الشهر الأول من زحل فتجمد، وتقبل القوة النامية في الثاني من المشتري فتأخذ في النمو، وتقبل في الثالث القوة الغضبية من المريخ، وفي الرابع قوة الحياة من الشمس، وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة، وفي السادس قوة النطق من عطارد، وفي السابع قوة الحركة من القمر، فتتم خلقة الجنين، فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من زحل، فإن ولد في التاسع عاش، لأنه قبل قوة الحياة من المشتري، وذلك من الخرافات لأن هذه المكونات لا تأثير لها إلا

ص: 148

بإرادة الله تعالى، فمن قال هذا قبل قوله كقولهم إن الثمار تنضج بتأثير الشمس، وألوانها تكون بتأثير القمر، وأطعمتها تكون بتأثير النجوم. أما من نسب ذلك لها بقوة جعلها الله فيها وإرادته لذلك فلا بأس بقوله، لأن الله تعالى يضع ما يريده من قوى فيما يريده من مخلوقاته الجامدة والحساسة، كما يضع قوة الذبح في الموسى عند إرادة الذبح، وكما يخلق قوة الشبع والرّي عند الأكل والشرب، يفعل ما يشاء ويختار. ومن أسند هذه القوى لنفس النجوم فقوله مردود عليه ويخاف عليه من سلب الإيمان والعياذ بالله، وقد صرفنا النظر عن الأقوال الواردة في سن مريم ومدة حملها، إذ لا طائل تحتها، وأحسنها القول بأن سنها كان خمس عشرة سنه، ومدة الحمل تسعة أشهر، لأن القول بأن حملها وولادتها في ساعة واحدة يأباه نظم القرآن، إذ لو كان كذلك لما ذهبت من الناصرة إلى بيت لحم، بل وضعته حالا في مكانها، وهذا كاف لردّ هذا القول. وأما زمن الولادة فهو وقت الزوال على ما جاء في أحسن الأقوال، وما قيل إنه في منتصف الليل لم يثبت ولعلها أحست بالطلق في منتصف الليل وولدته وقت الزوال. ثم قال لها عيسى عليه السلام «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا» 25 ناضجا حان قطافه، وهذه معجزة لسيدنا عيسى عليه السلام إرهاصا لنبوته أو كرامة لأمه

لا معجزة لفقد شرطيها وهو النبوة والتحدي، ووجه كونها كرامة أو إرهاصا لسيدنا عيسى أو كرامة لأمّه عليها السلام لأنها كانت يابسة والولادة كانت في موسم الشتاء (25 كانون الأول سنة 4004) من ولادة آدم كما قيل، والشتاء ليس بموسم لقطف الثمر، وفيها إشارة إلى ما يؤول إليه حاله بأنه عليه السلام (أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) كما وصفت النخلة لأنه ولد في الأرض ورفع إلى السماء وأنه سيحيي الموتى بإذن الله كما أحييت النخلة الميتة، وفي الأمر بالهزّ دليل على وجوب السعي لتحصيل الرزق وإلا فالذي أحيا النخلة قادر على إسقاط ثمرها دون هزّ، وما أحسن ما قيل في هذا:

ص: 149

ألم تر أن الله أوحى لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أحنى الجذع من غير هزّه

إليها ولكن كل شيء له سبب

«فَكُلِي» من هذا الثمر «وَاشْرَبِي» من الماء الموجود هناك وهذا ما حدا ببعض المفسرين على تفسير السريّ بالنهر كما أشرنا إليه آنفا «وَقَرِّي عَيْناً» طيبي نفسا، والعرب تكنى بقرة العين أي بردها عند السرور والفرح وسخنها عند الغم والحزن، راجع تفسير الآية 74 من سورة الفرقان المارة تجد هذا مفصلا بما يكفيك عن مراجعة غيره، هذا وعلى ما جرينا عليه يكون المعنى إجمالا:

لا تحزنى وافرحي بولدك لأنك جئت بما يرضيك، واتركي الحزن فإن الله قد أظهر لك ما يبرىء ساحنك مما كنت تتوهمينه قالا وحالا. يؤيد هذا ما روي عن ابن زيد قال قال عيسى عليه السلام لها لا تحزني، فقالت كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة، فأي شيء عذري عند الناس؟ ليتني متّ قبل هذا، فقال لها عليه السلام أنا أكفيك الكلام، قال تعالى (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) عند ذهابك لأهلك وقريتك وأراد أحدا أن يتكلم معك في هذا الشأن «فَقُولِي» لهم «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً» عن الكلام لدلالة المقام عليه، وكان صوم الصمت عن الكلام عندهم معروفا ومن جملة العبادات لدى الإسرائيليين، وهو حتى الآن كذلك، وإنما أمرها بالصمت ليتكلم هو عنها ولئلا تجادل السفهاء بنفسها لأنها مهما قالت لهم لا يصدقوها، لأنه أمر لم يقع وهو فوق العقل، فكان سكوتها واجبا لحفظ كرامتها. ثم فسر الصوم بقوله قولي «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» 26 وإنما أناجي ربي وأكلم الملك وابني هذا، أي قولي لهم هذا الكلام واسكتي. فطاب خاطرها وعلمت حجة قول ابنها، لأن تكليمه إياها فوق العقل أيضا، وإذ حصل لها اطمئنان بما سمعت من ابنها، عنّ لها أن ترجع إلى قريتها قال تعالى «فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ» إلى بلدتها النّاصرة، فلما رأوها حزنوا لما يعلمون من صلاحها وطهارتها وأصلها، لأنها من قوم صالحين، وكان رجوعها إليهم حال كونها حاملة ولدها، قالوا وكان رجوعها

ص: 150

إليهم بعد الولادة بأربعين يوما لا من غيابها لأنها تركت قريتها الناصرة بعد أن ظهر حملها وذهبت إلى بيت لحم خوفا من كلام السفهاء إلى محل لا يرونها لبعده إذ ذاك، لأنه لا يوجد وسيلة للنقل وركوب الإبل وغيرها من الحيوان، وبقيت هناك حتى ولدت وانقضت مدة نفاسها على أصح الأقوال المعول عليها «قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا» 27 منكرا عظيما وأمرا بديعا تحتجين به، مع ما أنت عليه من الصلاح وكريم المحتد «يا أُخْتَ هارُونَ» يا شبيهته في العفة والتقوى والورع والصلاح وطيب العنصر، لا في النسب لأنها من نسل داود واسمها مريم واسم أبيها عمران، وهرون أخو موسى اسم أخته مريم أيضا، وأبوه عمران وهو من بيت الصلاح، فمن هنا جاءت النسبة، والعرب تقول أخو تميم وأخو تغلب لرجل منهم، روى مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت خراسان سألوني فقالوا لي إنكم تقرءون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم، ولذلك شبهوها به. وما قيل إن هرون آخر كان في بني إسرائيل فاسقا فشبهوها به قول باطل ينافيه سياق الكلام ومبناه لا مستند له ولا مناسبة، ومن تتمة خطابهم لها ما ذكره الله عز ذكره «ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ» شقيا ولا زانيا «وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا» 28 بل كانا عفيفين طاهرين منزهين، وكان اسم أمها حنّة، مشهورة بالطهارة ومن بيت العفة، والأجدر أن يتبع الفرع أصله، فلماذا جئت على خلاف ضئضئك ومن أين أتاك هذا الولد؟ وهنا انتهى كلامهم لها فكان جوابها لهم ما ذكره الله عز ذكره «فَأَشارَتْ إِلَيْهِ» بأن كلموه هو وأشارت إلى عيسى ليكلمهم فظنوا أنها تهزأ بهم وتسخر عليهم فغضبوا وخاطبوها بعنف «قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» 29 ولم تجر العادة أن يكلم مثله أو يتكلم، ولا يرد على هذا أن كل إنسان كان في المهد صبيا ثم كبر وتكلم، لأنه كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح للقريب والبعيد، وهو

ص: 151

هنا للقريب خاصة، لأن الكلام مسوق للتعجب، وكلام الكبير الذي كان في المهد قبل سنين لا يتعجب منه، فهو إيراد تافه، كما أن القول بأن كان زائدة واه إذ لا زائد في القرآن، وهي هنا تامة. ولما سمع كلامهم مع أمه التفت إليهم عليه السلام وقطع رضاعه وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته على ما قالوا فقال لهم «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ» الإنجيل لأنذركم به «وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» 30 حال صباي وإن معجزتي كلامي معكم وأنا طفل.

قال الحسن كان في المهد صبيا وكلامه معجزة له. وقال أكثر المفسرين إنه أتي الإنجيل وهو صغير، وكان يعقل عقل الكمل وعبر بالماضي عن المستقبل، إما باعتبار ما سبق في أزله تعالى أو باعتبار المحقق وقوعه كالواقع. وقيل معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا، وهو إخبار عما كتب له في اللوح. كما قبل لحضرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا قال: كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن عيسى عليه السلام درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه. وروي عن الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه، وهما كما ترى. وبعد أن أخبر الله بأنه أعطاه الكتاب فلا حاجة للجنوح إلى ما جاء في الحديثين بل علينا أن نعتقد أنه كما ولد بأمر الله من غير أب وأنطقه وهو طفل أعطاه الكتاب وعلمه إياه بإلهام منه وهو طفل أيضا. ومن عرف الله بأنه الفعال لما يريد القادر على كل شيء لا يحتاج إلى التأويل والتفسير، وعلى العاقل أن يصدق بكل ما جاء من عنده، وهذا طريق السلام،

قال عليه السلام «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً» نفاعا قاضيا للحوائج آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، أبرىء الأكمه والأبرص وأشفي المرضى بإذن الله وهذا هو المبارك ولا أعظم بركة من هذه البركة التي شرفه الله بها، فالإله الذي يعطيه ذلك ويعطيه إحياء الموتى أيضا وخلق الطير أفلا يعطيه الإنجيل ويحفظه إياه؟

بلى وهو على كل شيء قدير «أَيْنَ ما كُنْتُ» ليس في أرضكم وبلدكم هذه فقط بل في كل مكان حللت فيه وزمان وجدت فيه أكون هكذا معلما للخير مباركا نفاعا «وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» 31 في الدنيا لأن الآخرة

ص: 152

لا عبادة فيها، والصلاة والزكاة عبادة تنقطع بالموت، لذلك جعل نهايتها الحياة وهذان الفرضان تعبّد الله بهما كل أنبيائه وأممهم وكذلك الصوم والقصاص إلا أنها كانت مفرقة على الأنبياء على غير هذه الصفة والقدر المبين في شريعتنا، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء بشريعة جامعة لما تشتت من شرائع الأنبياء قبله، ولم تجمع الصلوات الخمس إلا له ولأمته، فالصلاة والزكاة من حيث الأصل فرضت على جميع الأنبياء وأممهم كما يفهم من الآية 183 من سورة البقرة في ج 3، ولكن تختلف في الكيفية والكمية عما فرض علينا «وَبَرًّا بِوالِدَتِي» أوقرها وأكرمها وأعظمها على سائر الناس، وفي تخصيص برّه بوالدته اشعار صريح بأنه لا والد له وإيذان ببراعتها مما رموها به، وإشارة بطهارتها وعفافها، ولهذا استحقت البر منه «وَلَمْ يَجْعَلْنِي» ربي الذي منّ علي بما ذكرته لكم «جَبَّاراً شَقِيًّا» 32 متكبرا عاقا عاصيا، وفي قوله جبارا إعلام بنزاهة أمه أيضا مما وصمت به بسببه، قال بعض العلماء لا تجد العلق أي ابن الزنا إلا جبارا. ولهذا نفى عنه عليه السلام هذه الصفة الخبيثة «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» 33 تقدم تفسير مثلها في الآية 15 المارة، وقد أخبر بهذه الآية قومه بأنه عليه السلام آمن عند ربه في هذه المواطن الثلاثة التي قل من يأمن منها، وفي بدء جوابه عليه السلام لقومه اعتراف على نفسه بالعبودية لله، كأنه نفت في روعه أن من الناس من يتخذه إلها فنبّه قومه مقدما بأنه عبد الله من جملة عيده تبرأ مما سيقوله المتوغلون في حبه واعتذارا مقدما إلى ربه ليكون حجة له عنده وحجة على الذين يتخذونه إلها فمن قومه من قنع وصدق، ومنهم من استعظم وكذب، ونشأ صلى الله عليه وسلم على أكمل الأوصاف في غاية من التواضع ونهاية في الأدب يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ولم يتخذ مسكنا له ويتصدر لقومه ويقول سلوني عن أموركم فإني لين القلب صغير النفس، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية 45 فما بعدها من آل عمران في ج 3، قال تعالى «ذلِكَ» الذي خلقناه من روحنا على الوجه المار ذكره والذي وصف نفسه بتلك الصفات هو «عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» نبيّنا

ص: 153