الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب عصا موسى وإعطاء محمد من نوع ما حدث للرسل وأعظم:
قيل كان للعصا شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة، أخذها من بيت شعيب عليه السلام، وقيل إنها من آس الجنة وقد هبط بها آدم عليه السلام. واعلم أن زيادة التاء قبل الياء لحن، قالوا أول لحن وقع في العرب (هذه عصاتي) ثم بيّن ما يروم بها عفوا فقال «أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها» أي أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه «عَلى غَنَمِي» فترعاه، وهذا معنى الهش «وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى» 18 كحمل الزاد وشد الحبل عند استقاء الماء من البئر وقتل الهوام ومحاربة السباع وتعليق الثوب بها للاستظلال تحتها وغيرها، ولكنه عليه السلام لم يعلم المأرب الأعظم الذي يريده الله تعالى بها وهو معجزته العظيمة التي يرفع الله بها شأنه، ويهدي بها قومه «قالَ أَلْقِها يا مُوسى» 19 لأريك ماذا أريد بها مما لا يقع ببالك بما يؤول إليه عزّك وسلطانك وإنقاذ قومك وإرشادهم «فَأَلْقاها» ليرى الذي يريده ربه منها «فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى» 20 تمشي بسرعة وقد سماها الله ثعبانا في الآية 107 من الأعراف المارة، وجانّا في الآية 10 من سورة النحل الآتية، والحية تطلق على الصغيرة والكبيرة، لأنه أول ما ألقاها رآها بنظره صغيرة، ثم انتفخت حتى صارت كأعظم ثعبان، تلقف الحجر وتبلع الشجر وتلقم ما تراه، فترعب من لا يعرف الرعب، فخاف منها وتباعد عنها موليا إذ رأى ما لم يكن بالحسبان، فأراد ربه أن يوطنه ويؤمنه
«قالَ» يا موسى إرجع إليها وادن منها «خُذْها وَلا تَخَفْ» منها، لأنها حجة لك على صحة دعوتك عند ما يطلب منك برهانا لتقوية دعوتك على عدوك، أما وقد أطلعناك على ما ينجم من إلقائها فاعلم يا رسولي أننا بمطلق مناداتك لها (سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى) 21 التي كانت عليها قبل الإلقاء، فأخذها، فعادت كما هي عصا، ثم نبهه على آية أخرى برهانا على نبوته أيضا بقوله «وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ» اجعلها تحت إبطك، والجناح لغة اليد والعضد والإبط والجانب، وهو حقيقة في الطير ثم توسع فيه فأطلق على اليد، وسمي جناحا لأنه يجنح بالطائر فيميله إذا طار، ثم أخرجها «تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» برص
والسوء يطلق على العيب، والبرص لا اعيب منه، وهو بياض شديد يضرب إلى الحمرة أعيا الأطباء زواله، فأدخل يده اليمنى تحت إبطه الأيسر وأخرجها فإذا هي تبرق بياضا ناصعا مع أنها سمراء، فقال له انظر هذه «آيَةً أُخْرى» 22 على صدق دعوتك إلى القبط وقومك، وهاتان الآيتان توطئة «لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى» 23 الدالة على عظمتنا، راجع الآية 129 من الأعراف المارة وما بعدها، تقوية لجنانك وتكريما لجنابك، فتقابلهم بالجزم والعزم لأنك مستند إلينا في دعوتك، فلا تخش تهويلهم فإنهم مغلوبون، ولا يخفى أن كل آية آتاها الله رسله، فقد أعطى من نوعها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأعظم، وقد قال في حقه (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) الآية 18 من سورة النجم المارة، ووجه أفضليتها، أن معجزاته عليه السلام هذه كانت في الأرض ومعجزة محمد صلى الله عليه وسلم في السماء، والفرق بينهما كالفرق بين الأرض والسماء، ويقابل معجزة اليد في الأرض نبع الماء من إصبعه في غزوة تبوك فقد شرب الجيش منه، ورمي التراب في وجوه القوم في غزوة أحد فانهزموا، وتسبيح الحصى في يده، وذر التراب على رؤوس شبان المشركين يوم أحاطوا به ليقتلوه فخرج من بينهم ولم يروه، وسنأتي على تفصيل هذا كله وغيره في موضعه إن شاء الله في القسم المدني. هذا، وبعد أن شرفه الله بالنبوة وقوى عزمه بما منّ عليه من تلك المعجزات، وشحه بالرسالة العظمى وقال له «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» 24 وبغى وتجاوز الحد في التّمرد وحتى ادعى الإلهية بطرا، ودعته نفسه الخبيثة إلى هذا التجبّر والتكبر الذي لم يسبقه به إلا أخوه نمرود، الآتية قصّته في الآية 71 من سورة الأنبياء في ج 2، وفرعون علم لملك مصر واسمه الوليد بن الريان، ولما رأى موسى فضل ربه عليه وعطفه ولطفه به استمطر خيره، وطلب من فيضه ما ألهمه به «قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي» 25 وسّعه لتحمل مشاق سيئي الأخلاق وإملائه معرفة بك وعرفانا منك لأجابهه بقوة سلطانك وعظمة قهرك «وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» 26 بالوصول إليه وسهل لي كل صعب ألاقيه في طريقي إليه وفي مقابلتي له «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي 27 يَفْقَهُوا قَوْلِي» 28 لأعبّر عما في جناني بطلاقة وفصاحة لمن أرسلتني إليهم
ولأبلغ رسالتك على الوجه الأتم الأكمل، وسبب حصول هذه العقدة على ما قيل ان موسى عليه السلام لما كان في حجر فرعون حال صغره لطمه، وأخذ بلحيته فتطيّر منه وهم بقتله فمنعته زوجته آسيا رحمها الله قالت له أتركه فإنه لا يعقل، وجربه إن شئت، فقال كيف وقد فعل ما فعل؟ فقالت على رسلك وانظر، فوضعت في طست جمرا وتمرا وياقوتا وقدمته له ثم أشارت إليه أن يأخذ أحدها فأراد أن يأخذ الياقوت ومد يده إليها فحرفها جبريل عليه السلام إلى الجمر فأخذ جمرة ووضعها في فمه فحرقت لسانه وسببت هذه العقدة فيه، فلما رأى فرعون ذلك تركه إذ ظهر له ما قالت آسيا رحمها الله. واعلم أن هذه ليست من العيوب المستحيل وجودها في الأنبياء لأن ثقل اللسان قد لا ينقص قدر الإنسان ولا يخل في أمر التبليغ وليس فيه ثغرة، بل قد تكون مما يستعذب في بعض الاشخاص ولا سيما في حضرة السيد موسى عليه السلام، وما قيل إن هرون أفصح منه، فمن هذه الجهة، وإلا فهو على غاية من الفصاحة والبلاغة، وقول فرعون (وَلا يَكادُ يُبِينُ) الآية 53 من سورة الزخرف في ج 2 تمويه على قومه ليصرفهم عنه ليس إلا، وقد ذكروا أنه كان في لسان المهدي المنتظر
مجيئه حبسة، وقد جاء في فضله ما لم يحصره القلم، لأن فصاحة الذات لا يقاومها إعراب الكلمات، وفي هذا قال:
سر الفصاحة كامن في المعدن
…
لخصائص الأرواح لا في الألسن
وقال الآخر:
لسان فصيح معرب في كلامه
…
فياليته في موقف الحشر يسلم
وما ينفع الإعراب ما لم يكن تقى
…
وما ضرّ ذا التقوى لسان معجم
والمراد باللسان الآلة الجارحة نفسها، وفسره بعضهم بالقوة الناطقة القائمة فيه، والفقه العلم بالشيء والفهم له، وقال الراغب هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم قال تعالى (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي» 29 يعاونني في أعباء ما كلفتني به، فالوزر بكسر فسكون، بمعنى الحمل الثقيل.