الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حاشِرِينَ»
36 شرطة يجمعون العارفين بالسحر وأمرهم «يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» 37 منهم ما هو بالسحر، ثم تأمرهم أن يتباروا مع موسى وأخيه، وإذ ذاك يظهر لقومك كذبهما فتقتلهما بلا لوم عليك ولا تهتم بأمر آخر، فاستصوب رأيهم ولم يرده مجازاة لهم، لأنه يعلم ان لا فائدة منه لما يعلم من حقيقة موسى، فبعث الحاشرين «فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» 38 هو يوم عيدهم، وتقدمت القصة مفصلة في الآية 56 من سورة طه المارة فراجعها «وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ» 39 لننظر ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة فنادى مناديه في الناس ان اجتمعوا فاجتمعوا وقال لهم على طريق السخرية «لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ» يعني موسى وأخاه «إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ» 40 ومن فسر السحرة بالسحرة الذين أحضرهم، قال لم يرد انه يتبع السحرة وإنما يقصد الإعراض عن موسى وأخيه، والأول أولى
«فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ» 41 لموسى وأخيه «قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» 42 لدي جاها ومالا وأول الناس دخولا علي «قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ» 43 وذلك بعد أن خبروه كما تقدم في سورة طه «فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ» 44 لموسى وأخيه وأروا الناس ما هالهم وفرح فرعون وملؤه وقومه «فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» 45 ممّا يخيلونه للناس من قلب عصيهم حيات وأخشابهم حبالا، وحبالهم أفاعي، أي ابتلعت جميع إفكهم وعادت كما هي عصيا وحبالا وأخشابا، وعصا موسى عصا أيضا كما كانت قبل الإلقاء.
مطلب الحكمة من قوله تعالى (تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) :
تنبىء هذه الآية الكريمة عن قضية فنية، وهي لما كانت الحبال والعصي ليست بإفك بل هي من خلق الله حقيقة، فإن حية موسى لم تلقفها، بل التقفت الزئبق الذي طلي بها الذي هو من صنع السحرة، إذ وضعوه بين تجاويف الحبال والعصي وطرحوها في الأرض قبل بزوغ الشمس، فلما طلعت وأثرت حرارتها في الزئبق تحركت وصاروا يدمدمون عليها صورة، حتى سحروا أعين الناس وأروهم إياها
أفاعي وحبالا، فلما ابتلعت عصا موسى بقدرة الله ذلك الزئبق منها وأزال الله ما خيّلوه للناس، عادت على حالها، ففضحهم الله وأظهر شعوذتهم وإنما لم ينكروا ما رأوه لأن الحيات من عادتها أنها تبلع ما تراه من عصي وغيرها، ويوجد الآن في البرازيل حيات تبلع الجمل، والابتلاع من طبعها، والعقل لا يصدق أن العصي والحبال تبلع شيئا، وإنما امتصاص الزئبق الذي في تجاويف تلك الحبال والعصي هو الذي يصدقه العقل، فكان إبطال حركة العصي والحبال بسبب ذلك الامتصاص، وهذا مما يركن إليه العقل وهو من اكبر الأدلة على إعجاز القرآن وأكملها، فقد جمع فأوعى، وهذه الحكمة في قوله تعالى تلقف ما يأفكون، وجاء في الآية 69 من سورة طه (تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) أي الذي صنعوه في العصي والحبال من إلقاء الزئبق فيها، وهو المراد بالإفك هنا، وذلك أن الله تعالى جعل قوة مادية في عصا موسى تلقف ما موهوه في عصيهم وحبالهم، قال تعالى «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ» 46 الله تعالى إذ ظهر لهم أن فعل عصا موسى جاوز حد السحر، ولذلك فإنهم لم يتمالكوا أنفسهم فسقطوا على الأرض سجدا، إذ تيقنوا أن أمر موسى سماوي «قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ 47 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ» 48 خصوهما بالذكر لدفع توهم إرادة فرعون من دعواه الإلهية وجهل قومه الذين يدعون إلهيته، ولو وقفوا على رب العالمين فقط، لقال فرعون إياي يعنون ليموّه عليهم «قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» بالإيمان به «إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» فتواطأتم معه عليه، وقد جاء في آية الأعراف المارة عدد 113 (إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ) قبل حضوركم مكان الاجتماع، وانما قال هذا يلبس على قومه انهم لم يؤمنوا على بصيرة ثم بدأ يهددهم فقال «فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» 49 وبال فعلكم هذا، ثم أقسم وأكد قسمه بقوله «لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ» 50 مر تفسير مثله في الآية 123 من الأعراف «قالُوا لا ضَيْرَ» لا ضرر فيما ينالنا من عذابك، لأنه منقطع في الدنيا «إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ» 51 رحمته الدائمة في الآخرة مؤمّلين عفوه عما صدر منا ونجاتنا من عذابه الأليم الدائم